تصدرت عناوين الصحف الجزائرية في السنوات الأخيرة عمليات إعادة الإسكان. مئات آلاف الأشخاص يتركون مساكنهم الضيقة وغير الصحية إلى شقق جديدة البناء. إلا أن الحلم الذي راود الكثيرين طوال حياتهم تحوّل إلى كابوس. فهذه المجمّعات السكنية الجديدة المبنية في ضواحٍ بعيدة جدّاً عن المدينة ليست إلّا غيتوهات معزولة تؤدي إلى تهميش أناس لم يرحَّب بها يوماً في المدن. ويغذي العزل والنبذ الممارسيَن بحقهم ميل الشباب منهم إلى العنف تجاه محيطهم.

المساكن المؤقتة والعشوائيات

ليس نزوح سكان الريف إلى المدينة، الذي بدأ قبل الاستقلال، سمة خاصة بالجزائر. لكن انتشار الظاهرة كان واسعاً لدرجة أن 75 في المئة من السكان يعيشون اليوم في المدن، وأكثر من 40 في المئة منهم يتركزون في الأراضي الخصبة على الساحل، التي تشكّل بدورها 4 في المئة من مساحة الجزائر (هائلة الاتساع: أكثر من مليونين و300 ألف كل مربع، حوالي 80 في المئة منها تتشكل من الصحراء الكبرى). عملية التمدين هذه تمت بسرعة كبيرة، وارتفع عدد سكان الجزائر من 11 مليون نسمة سنة 1962 عند الاستقلال إلى ما يزيد عن 40 مليوناً اليوم.
لا يجد قسم كبير من الوافدين الجدد أي مسكن ملائم لهم، فيتكدسون في أكواخ مزرية حول المدن. ومع بدء النضال من أجل التحرّر الوطني في 1954، تنبهت السلطات الاستعمارية إلى التهديد للسلطة

القائمة الذي يشكّله هذا الفصل الطبقي في المدن. كان "مشروع قسنطينة" الشهير الذي أقرّه الجنرال ديغول سنة 1958 يهدف إلى تحسين ظروف حياة بضع عشرات آلاف من الجزائريين لأجل إخراجهم من دائرة سيطرة الثورة الوطنية.
ومع رحيل مئات آلاف الأوروبيين عند الاستقلال، اتخذ الجزائريون القاطنون في الأحياء الشعبية أو الريف من البيوت الفارغة مساكن لهم، معتبرينها "غنائم حرب". وكان عدد "الأملاكا الشاغرة" تلك يقارب المليون وحدة. بيد أن السلطات الجزائرية لم تقم بما يلزم لإدارة هذه المساكن وصيانتها بالشكل المناسب. وتخلّت عنها بعد عشرين عاماً على ذلك، سامحةً لشاغليها بشرائها بأبخس الأسعار. في هذا الوقت، وصل مئات آلاف الريفيين إلى المدن آملين بالحصول على حياة أفضل، وتكدسوا في أحزمة الفقر.
خلال عقود طويلة، تجاهلت السلطات هؤلاء السكان المطالبين بالحقوق ذاتها التي طالب بها سابقاً شاغلو "الأملاك الشاغرة". لم تخطط الحكومات المتعاقبة طوال 20 عاماً لوضع سياسة للإسكان من ضمن أولوياتها. ثم في تسعينيات القرن الفائت، أطلقت السلطات مشاريع بناء، تأخر إنجازها بسبب سنوات الحرب في ذلك العقد. وبغياب أي تخطيط عمراني عقلاني، تزايد عدد المساكن غير النظامية. وبسبب الضغط السكاني، وانعدام الأمن والأمان في ظل الحرب ضد المدنيين في الأرياف، أجبر مئات آلاف الأشخاص على النزوح إلى المدن، وازدادت الظروف المعيشية سوءاَ إلى حد ارتفاع معدل سنّ زواج الرجال من 27.7 عاماً في 1987 إلى 33 عاماً في 2002، ومن 23.7 إلى 30 عاماً عند النساء.
وبحسب المصادر الرسمية، فخلال الفترة الممتدة من 1999 إلى 2009، تم تسليم 1.7 مليون شقة، في حين أن الاحتياجات المقدرة من قبل بعض الجمعيات سنة 2011 تتجاوز 13 مليون شقة. معدّل عدد ساكني الشقة الجديدة، التي غالباً لا تتجاوز 60 متراً، يصل إلى 6 أشخاص. يضاف إلى ذلك أن هناك سكن هش يقدّر بـ800 ألف وحدة سكنية، يتوجب هدم نصفها، وهناك العشوائيات المنتشرة بأغلبيتها إما داخل المدن أو حولها مباشرة، ويقدر عدد سكانها بأكثر من نصف مليون نسمة. والحياة بائسة في ظل هذا الازدحام، فمياه الشرب والكهرباء لا تصل أحيانًا إلى تلك المساكن، وهي معرّضة لخطر الفيضانات والوحول عقب كل عاصفة، وتعاني من حرّ الصيف القاسي. يضاف إلى ذلك انتشار الجرذان والأوبئة الناتجة من الظروف غير الصحية.

تطهير اجتماعي ومضاربات

مع انحسار أعمال العنف وامتلاء خزينة الدولة من جديد في بداية الألفية الثالثة، تزايدت بشكلٍ هائل حدّة مطالبة الناس المظلومين بسكن ملائم، بينما كانت الدولة غائبة عن حلّ هذه الأزمة. وأخيراً أبصر النور، في 2003، برنامج طَموح لامتصاص "السكن الهش" (أي السكن على أسطح المباني أو في أساساتها) أو العشوائي. من ضمن آليات هذا البرنامج إنشاء مساكن عامة جديدة تؤجَّر للأكثر عوزاً، بالإضافة إلى أشكال أخرى من الإسكان المدعوم من الدولة بشكل يراعي عائدات العائلات، كعمليات الإسكان الشعبي التشاركي التي تطلب مساهمة بنسبة 20 في المئة من المستحوِذ مع تقديم الدولة مساعدة مالية، والمساكن "المؤجرة بالتمليك" المشادة من أموال الخزينة العامة. وفي 2013، تقرر مخطط لبناء المساكن الريفية، ما سمح للناس القاطنين منذ أكثر من 5 سنوات في الدائرة، والمزاولين لمهن فيها، بالحصول على مساعدات من الدولة.
بدءاً من 2005، وبفضل ارتفاع عائدات النفط، اعتمدت السلطات سياسة إلغاء شاملة للعشوائيات. وفي 2008، سُنّ قانون جديد يحدد القواعد والشروط المعتمدة لتشريع المباني المشادة من دون ترخيص خلال تسعينيات القرن الماضي.
وفي الوقت عينه، أجريت إحصاءات شاملة لتسجيل المستفيدين من المساكن الشعبية الذين يتوجب عليهم إثبات سكنهم في مساكن هشّة لمدة لا تقلّ عن خمس سنوات. وعلى إثرها وضعت الإدارات البلدية المحلية لوائح بالمساكن الواجب توزيعها، ولكن آلية التنفيذ تمت في أغلب الأحيان بطريقة غير شفافة، فغلبت عليها المحسوبيات بفعل الفساد والاعتباط المنتشرين. وفي كلّ مرة يتم الإعلان عن لوائح جديدة، تتابع الصحافة انفجار أعمال شغب عنيفة وإحراق عدد من الآباء لأنفسهم لعدم حصولهم على مسكن. وفي بعض الأحيان، يُرمى بعائلات كاملة في الشارع لأن أكواخها جُرفت وهُدمت.
بعد عقود من الإهمال والتجاهل، فإن إيجاد حل خلال بضع سنوات لأزمة السكن المستفحلة يمثل تحديًّا هائلاً، على الرغم من الإمكانيات الكبيرة التي يوفرها فائض العائدات النفطية والغازية المسجّلة منذ سنة 2000 إلى 2014. كان من المفترض أن تتم عملية إعادة إسكان أهالي العشوائيات والمساكن الهشّة منذ سنوات عدّة، ولكن تطبيقها لم يبدأ إلا في حزيران/ يونيو 2014. إلّا أن السلطات الحكومية اكتفت في الواقع بتوزيع عقود لإنشاء مساكن على شركات ـ أغلبها أجنبية ـ وبتحديد حيز المساحات المبنية من ضمن تلك الأراضي، من دون الاكتراث بمصير سكان تلك المنعزلات المدينية. ونتيجةً لذلك، اقتُلعت آلاف العائلات من مناطق سكنها وطُردت إلى مناطق ريفية. وفي الحقيقة، فهذه العمليات ليست إلا إعادة تحويل عقارية بشكل تسلطي، وهي تخفي مشاريع مربحة. فعملية القضاء على منطقة العشوائيات الكبيرة في حي الرملي بالقرب من العاصمة في منتصف تشرين الأوّل/أكتوبر 2015، التي كانت تؤوي أكثر من 4500 عائلة، ستسمح بإنشاء جسر هائل وطريق سريع. وفي مناطق أخرى تم "تحريرها"، تنشأ مبانٍ مخصصة لركن السيارات، ومراكز تجارية ومساحات ترفيه واستجمام. لماذا لم تُخصّص هذه المناطق المخلاة لتشييد مبانٍ سكنية؟ يتبيّن شيئًا فشيئاً أنه تحت غطاء "تحسين ظروف السكن"، تجري عملية تطهير اجتماعي واستبدال لشرائح فقيرة بأخرى ميسورة (gentrification).
ويبدو أن السلطات في مواقع إعادة الإسكان تغلّب الكمية على النوعية، من دون اكتراث بالبنى التحتية الاجتماعية لمجمعات سكنية عملاقة تُبنى بسرعة كبيرة. ومن جهتها، أثبتت الإدارات المحلية قلة كفاءة وافتقاد لحس المسؤولية ما تسبب بأوضاع متفجرة. فتوزيع الشقق السكنية يجري من دون خطة تنظيم مدني، ومن دون مشاورات وتهيئة للمستأجرين القدامى أو الجدد في هذه المجمعات. فتحتَ ذريعة الاختلاط الاجتماعي، تضطر العائلات المنحدرة من أصول وظروف متنوعة والآتية من أحياء مختلفة، الى التعايش أو التأقلم مع السكان القدامى. كما يضطر سكان قلب المدن للاحتكاك بوافدين مدينيين جدد، مما ولّد نزاعات عدّة. وبسبب عدم توفر فرص عمل كثيرة في هذه المناطق الجديدة، ينخرط الشباب في أعمال السطو والاتجار بالممنوعات المختلفة.
على سبيل المثال لا الحصر، شيدت بسرعة قبل 15 عاماً مدينة "علي منجلي" الجديدة التي يسكنها اليوم ما يزيد عن 150 ألف نسمة، والواقعة على بعد 25 كم من قسنطينة (وهي كبرى مدن شرق الجزائر وثالث مدينة في البلاد). وفي 2012، أعيد إسكان أبناء عشوائيات فيها جنباً إلى جنب مع عائلات ريفية وصلت حديثاً إلى المدينة. وهي عبارة عن مجمع يكرّس تقسيم وعزل الطبقات الاجتماعية عن بعضها البعض، بلا مساحات خضراء ولا بنى تحتية اجتماعية وثقافية، وتشبه وحداته السكنية خلايا سجن.. على الرغم من النشاط الاقتصادي والتجاري في المنطقة. وبين 2012 و2014، تواجهت في المكان عصابات مسلّحة متنافسة تفرض قانونها، وأخذت بعض الأحياء رهينةً، ولم تتردد في تخريب وتكسير الممتلكات فيها.

عزل

وفي مكان آخر، وبالنسبة للعائلات الـ2400 التي أتت في الأساس من حيّ الرملي في الجزائر العاصمة، فظروف السكن في مجمعهم الجديد الذي يضم 3355 شقة أفضل بكثير. فهو مجهز بشكلٍ أفضل من حيث البنى التحتية والمساحات الخضراء وملاعب الأطفال. بيد أن الشباب في هذا المجمع أيضاً لا يجدون فرص عمل لأنه يبعد 40 كم عن العاصمة، في ولاية بليدا، وتحديداً في محلّة سيدي حامد الزراعية الصغيرة التي تبعد ما يقارب 4 كم من أقرب بلدة صغيرة. ومن دون توفر وسائل نقل مشترك بشكلٍ دوري، تصبح إمكانية الوصول إلى العاصمة صعبة جداً. أدّت عملية العزل هذه إلى خسارة بعضهم لوظائفهم وتوقف البعض الآخر عن متابعة تحصيلهم العلمي. ومن بين أولئك الناس الذين أعيد إسكانهم ثمّة من يأسف لتركه حيّ الرملي الذي يقع في منطقة مفتوحة شاسعة شهدت سنة 1966 بناء المساكن الهشة الأولى، حيث أعيد تشكيل الأواصر العائلية والقروية ونُسجت روابط جديدة مع تزايد عدد الوافدين عبر السنين. فحياتهم القديمة لا تُختزل بإلاقصاء والبؤس فحسب، إذ كان يتخللها تبادل ونشاط تجاري دائم مع العاصمة.
أظهرت قضية إعادة الإسكان أنه لا يمكن لسياسات مُدنية أن تنجح إذا نُفذت على عجل وبتجاهل للمفاهيم حول المساحة العامة، والاستقصاء الاجتماعي، وإنشاء مراكز مخصصة للأنشطة لا تقتصر على الأسواق، واستشارة المعنيين بها، وتقديم التوجيه والدعم للسكان المعاد إسكانهم إلخ. فمن دون أي خطط مستقبلية واضحة، تتسبب هذه المجمعات المعزولة عن المدن في معاناة أكبر من تلك التي كان يواجهها السكان السابقون في مساكنهم الهشّة. لا شكّ في أن تزايد العائدات النفطية خفف من وطأة أزمة السكن، ولكن ضعف التخطيط المُدني في المجمعات السكنية الطرَفية بدأ يُنتج مشاكل اجتماعية، مختلفة من حيث طبيعتها عن سابقاتها، إلا أن خطورتها لا تقل عنها.


ترجمه من الفرنسية : زياد فرّان