"اللحظة التي ظنها الجميع بداية انطلاق المارد الإخواني من قمقمه الذي طال فيه حبسه، كانت نفسها اللحظة التي تأكدت فيها نهاية أسطورة التنظيم الأكبر والأقوى". هذا التوقع صاغه حسام تمام، الباحث المرتبط بعمق بالإسلام كفكر وكمعتقد، في كتابه الأهم "تحولات الإخوان المسلمين: تفكك الايديولوجيا ونهاية التنظيم"، في جزء كان قد كتبه في صيف 2005. وهو لم يعش ليرى تحقق نبوءته عبر الصوت الهادر في تظاهرات "30 يونيو" 2013 التي طالبت برحيل مرسي عن السلطة. فتمام توفي في 26 تشرين الاول/ اكتوبر 2011 عن 38 عاماً بعد صراع أليم مع المرض. وهو كتب توقعه ذاك تعليقا على أول مظاهرات حاشدة منذ الخمسينيات نظمتها الجماعة مطالِبة بالحريات وإلغاء الطوارئ وتعديل الدستور، ووصفها تمام بأنها "أبواب ربيع الإخوان المسلمين"، ولكنه رآها جاءت متأخرة كثيرا عن ركب الشارع المصري، الذي كانت فيه لحركة "كفاية" السبق في تنظيم أول مظاهرة رافضة لتجديد ولاية مبارك في كانون الأول/ ديسمبر 2004. رأى تمام أن تنظيم الإخوان تغاضى عن مشاكله البنيوية الكبرى "وأنه لا يصلح في أفضل الأحوال لأن ينوب عن الأمة، وأن الكوادر لا تصلح بالضرورة بديلا عن الناس". أهي نبوءة؟ يضع حسام تمام تعريفا للنبوءة في كتابه الثاني "مع الحركات الإسلامية في العالم، رموز وتجارب وأفكار": "تعريف النبوءة أنها رؤية المستقبل في صورة ماضوية متحققة ويقينية، وليست غيبا مجهولا كما هو المفترض". كان يتكلم عن عبد السلام ياسين، مرشد جماعة العدل والإحسان الإسلامية المغربية الذي اشتهر باعتماده على ما كان يراه كنبوءات. من يذهب لقراءة إنتاج حسام تمام البحثي يكتشف سريعا كم كان محملاً بالأسئلة، وكأنها إرث ثقيل يريد أن ينفضه عن كتفيه مستشعراً قرب مفارقته السريعة والمتعجلة للحياة، بعد أن رأى أول الغيث في "25 يناير" 2011، وشارك في الاعتصامات وسار في المظاهرات متحاملا على جسده الواهن، فرحاً برؤية ما انتظر حصوله بشغف.

أسئلة كثيرة: حول بنية الإخوان

صدر كتاب "تحولات الإخوان المسلمين: تفكك الايديولوجيا ونهاية التنظيم" في 2010 عن مكتبة مدبولي بالقاهرة، بعدما كانت فصوله قد نشرت على شكل مقالات في سنوات سابقة، وهو واحد من أهم الكتب الصادرة بالعربية عن حركات الإسلام السياسي في العالم. يرصد الكتاب أهم تحولات ذلك التنظيم، ومنها تحول وجهته الأيديولوجية عن "إقامة الدولة الإسلامية" إلى طرح برنامج للإصلاح السياسي، والتحول الاجتماعي (الطبقي) ثانياً الذي حدث داخل الجماعة، والذي زامن تحول سياسات الدولة المصرية الى نهج الليبرالية الجديدة المضاد لمصالح الفئات الأكثر فقراً والطبقة المتوسطة، وهو ما انعكس لدى الاخوان بـ"تجنب التنظيم التوسع في ضم عناصر من الطبقات الفقيرة". وفي مجال ثالث، كيف أصبحت الجماعة "تضم خليطا من الأعضاء من أزهريين وأنصار سنة وجمعية شرعية وتيار سلفي وجهاديين سابقين وسياسيين".
ومع رصد تمام لبنية جماعة الإخوان المسلمين من الداخل، تتضح أسباب الكثير من خصائص أدائها في فترة ما بعد الثورة وأثناء فترة حكمها القصيرة، ومنها ثقل حضور أوساط رجال الأعمال الاخوانيين ونفوذهم، ومنها أن الجماعة التي كانت تطالب "بدمقرطة" مصر تحولت هي نفسها إلى "تنظيم ديناصوري" بحسب تعبير تمّام، يعاني من شح التطور الديموقراطي الداخلي..
وفي هذا السياق، رصد تمام إحدى المحاولات لمحاولة دمقرطتها التي لاقت نجاحا كبيرا، والتي قادها بعض شباب الجماعة، عندما قاموا بإنشاء ملتقى الكتروني لمناقشة الأفكار بين جميع ألوان الطيف الإخواني، سواء داخل مصر أو خارجها. غير أن المحاولة قوبلت من قبل قيادات الجماعة بالقمع، وأنهيت بعد ضغوط كبيرة من القيادة لإقصاء "تنظيم الأولاد بتوع النت". ويرصد الكتاب موجات الفصل من التنظيم التي حدثت في الخمسينيات ثم في السبعينيات، وهي الظاهرة التي عادت فتكررت في 2011 في موجة أنتجت نواة حزب "التيار المصري" الذي عاد فاندمج مع حزب "مصر القوية" الذي أسسه عبد المنعم ابو الفتوح، أحد قياديي الاخوان الذي غادر الحركة.
وفي فصل كامل يسأل حسام تمام: "لماذا لا يكتب الإخوان تاريخهم؟"، ويجيب على سؤاله بعدة نقاط منها:
1- لتجنب ثقل المسؤولية التاريخية إذا كان هناك حاجة إلى "التنصل مما لا رغبة في أن تحمله الجماعة، وبالطبع ما قد يعقبه من ملاحقات أمنية".
2- طبيعة الكوادر والقيادات الإخوانية.. غير المؤهلة لكتابة مذكراتها وتدوين خبراتها.
3- قلة الكتاب القادرين على الكتابة الاحترافية في حركة الإخوان إلى حد الندرة.
4- امتناع قيادات الإخوان عن تسجيل مذكراتها بدافع الورع.
5- رفض الحديث عن الانحراف المالي والإداري والأخلاقي أحيانا، الذي نسب لبعض قيادات الجماعة بدعوى أنها فتنة.
6- استمرار المشروع الإخواني. فكتابة تاريخ للأحداث والجماعات يأتي غالبا عقب نهايتها أو تجاوزها أو انتقالها إلى مرحلة جديدة.

العلاقة بالسعودية

وهناك سؤال يثيره الكتاب، وضعه تمام في الفصل الأخير منه، يتعلق بـ"الإخوان والسعودية: هل دقت ساعة الفراق؟"، وهو كان طرحه في 2002 لتجيب عنه الأحداث السياسية بعد أحد عشر عاما. يرصد تمام أساس العلاقة التي بدأت متينة عندما ساندت السعودية "إخوان 1954"، أثناء الحكم الناصري، ثم "إخوان السبعينيات" أثناء حكم السادات.
ويعين شرخين نافذين في هذه العلاقة. وقع الأول عندما أيدت الجماعة الثورة الإيرانية عام 1979، وحدث الثاني عند غزو العراق للكويت عام 1990، ويعتبره تمام محطة فارقة في علاقة السعودية بجماعة الإخوان المسلمين، حيث لم يكن موقفها رافضا بصورة كافية لمسلك العراق، بل خرجت مظاهرات إخوانية مناهضة للتدخل الأميركي.
وفي كتاب تمام حوار مع محمود عبد الحليم (الذي يطلق عليه لقب مؤرِّخ الإخوان). فبعد خروج قيادات الإخوان من السجون في بداية السبعينيات، طرح عبد الحليم مشروعا فكريا وثقافيا يحوِّل الصراع من ساحة السياسة إلى ساحة الأفكار، ويأخذ نشاط الجماعة بعيدا عن التنظيمات السرية، من خلال "إنشاء شركة نشر عالمية عملاقة، تملك أسهمها الشخصيات الإخوانية ذات الدور التاريخي والدعوي، وتكون مهمتها الوحيدة نشر الفكرة الإسلامية من جميع جوانبها الثقافية والأدبية والاجتماعية والسياسية". لكن مقترح عبد الحليم لم يجد صدى وحماسة لدى قادة الجماعة. وينتهي الحوار بسؤال هام: "وماذا عن موقفك.. هل أنت مع مبدأ الجماعة والتنظيم أولا، أم مع الدعوة والفكرة غير المقيدة بإطار تنظيمي؟"، فيرد عبد الحليم: "ما أرفضه تماما هو أن تُسجن فكرة ودعوة عالمية وتوضع عليها القيود باسم مصلحة التنظيم، أو أن يدَّعي تنظيم أو جماعة ما أنه الممثل للإسلام، أو أن يكون معيار التعامل مع الآخرين هو شكل العلاقة مع التنظيم".

مع الحركات الإسلامية في العالم

في كتابه الثاني يستعرض حسام تمام تجارب من سبع دول إسلامية، هي المغرب وتركيا ومصر وموريتانيا وماليزيا ولبنان وفلسطين. مع جهد أكبر نحو المغرب وتركيا.
يقدم الكتاب رموزا بارزة في الحركات الإسلامية في هذه البلدان، ومنها عبد الله بن كيران رئيس وزراء المغرب الحالي ورئيس حزب العدالة والتنمية، وسعد الدين العثماني، القيادي في ذلك الحزب ووزير الخارجية المغربي السابق، وعبد الله بدوي رئيس وزراء ماليزيا الأسبق، وزعيم المعارضة السوداني حسن الترابي، وفتحي يكن القيادي الإسلامي من لبنان، والمصري أيمن الظواهري الذي صار زعيم تنظيم القاعدة، والسوداني الشيخ الأمين زعيم إحدى الطرق الصوفية.
في الكتاب رصد لمدى التقارب بين تلك الحركات السياسية. وثمة مقارنة بين النقلة التي أحدثها الشيخ الأمين السوداني في الخطاب الدعوي الذي يحمله "بالأخذ بأسباب الدنيا والإقبال عليها والتحقق فيها بشرط اجتناب الحرام فقط"، وبين تعديل المسار والرؤية (وربما "التنازلات") الذي حدث في تركيا. ويظهر خيط آخر يربط توجه الحركتين السابقتين بمسار الحركة الإسلامية في ماليزيا، عبر مشروع "الإسلام الحضاري" الذي يصفه الباحث بأنه "مشروع الرأسمالية المسلمة في دولة أقليات"، ويعتبر أن المشروع الاقتصادي الماليزي قد أدير "بصورة منظمة بل وبالغة التعقيد".
ولعل ذلك يستدعي المقارنة مع "مشروع النهضة" الذي قدمته الجماعة في مصر كخطة عمل أثناء معركة الانتخابات الرئاسية 2012. غير أن تحليل تمّام للتجربة الماليزية يوضح الهوة بين المشروعين، واستحالة استدعائهما في سياق واحد. ويستعرض الكتاب أيضا تنظيم القاعدة، مثيرا أسئلة عن الحركة السلفية، ويختتم بفصل بعنوان: "في انتظار ما لا يجيء: ما بعد الإسلام السياسي".
ويذهب كتاب الباحث الأخير "الإخوان المسلمون: سنوات ما قبل الثورة" إلى محاولة فهم الأطر التي حددت مسار الجماعة واختياراتها مع إرهاصات ثورة 25 يناير: الجدل والتدافع الداخلي، وموقف الجماعة من الحركات الاحتجاجية ذات المطالب الاجتماعية في مصر.. ويرصد أيضا ظاهرة "ترييف الإخوان" التي وصفها بأنها "تجلب الانغلاق"، كما هي سيطرة رجال الأعمال على الجماعة. وفي رصده لظاهرة "تسلف الإخوان: مؤشرات ودلالات تآكل الأطروحة الإخوانية وصعود السلفية في جماعة الإخوان المسلمين"، يحاول الإجابة عن ماهية العوامل التي تدفع إلى اللجوء إلى استخدام العنف كوسيلة للعمل الإسلامي.

ختام

شمل إنتاج حسام تمام كتابا عن قيادي إخواني صاحب مسيرة مفارقة: "عبد المنعم أبو الفتوح: شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر"، وقدم في كتاب آخر شهادة نادرة لـ"فاطمة عبد الهادي"، وهي من مؤسسات قسم الأخوات المسلمات. وقد أتم الرجل في حياته القصيرة عشرات الأبحاث والنصوص والمقالات التي تتميز جميعها بقلق الباحث الأصيل، بما يعنيه من شغف معرفي ومن اهتمام ملتزم بقضايا مجتمعه وباستكشاف أزماته وسبل تجاوزها.