تخبرنا التجربة وبديهيات الفيزياء أن شعلة النار التي تنطفئ عند إلقائها في بركة ماء، هي ذاتها التي تتسبب في انفجار ضخم إن تم رميها على محطة بنزين أو فوق برميل وقود: تختلف النتائج باختلاف المقدمات.
هكذا تبدو سياسة رفع الدعم الحكومي عن الوقود ومشتقاته التي يشجّع البنك وصندوق النقد الدوليان حكومات الدول النامية على اتخاذها كوصفة جاهزة لكل مشاكلها الاقتصادية: أياً كانت الأعراض لا يتغير الدواء.
وبخلاف ما يصوّره، أو يتصوّره أعضاء الحكومة وبعض الدبلوماسيين الغربيين في صنعاء، ينبغي النظر إلى قرار الحكومة اليمنية رفع الدعم عن المشتقات النفطية، المعلن في أواخر تموز/يوليو الفائت، أثناء إجازة عيد الفطر، على هذا النحو المتقلّب في المثل التقريبي.
قرار رفع الدعم الحكومي أقرب إلى اللايقين أو اللاتوقع في الفيزياء الكمّية (الكوانتم) منه إلى المعادلات الكيميائية في المختبر، لكونه قراراً شديد الحساسية والتأثر بأقل العوامل المحيطة به، ونتائجه ليست نفسها في كل مرة. ويمكن القول، بشكل أعمّ، إن ردود أفعال المجتمعات على قرار تحرير أسعار المشتقات النفطية تختلف باختلاف البلد، أو الاقتصاد، أو اللحظة... كما أن جدواه وآثاره الاقتصادية، سلبيةً أم إيجابية، تختلف باختلاف الحكومات المُطبّقة له، من حيث كفاءتها أو فشلها، نزاهتها أو فسادها، من جهة أخرى.
ففي الدول المتقدمة والصناعية يزداد الاقتصاد قوة عند تحرير أسعار المشتقات النفطية، وتحسِّن بذا الدولة خدمات الرعاية الاجتماعية ومستوى معيشة المواطن. بينما في الدول النامية، أو المضطربة سياسياً وشبه المنهارة اقتصادياً، أو الدول العربية الخارجة من انتفاضات شعبية وتمر بمرحلة انتقالية كاليمن، فإن قرار تحرير أسعار المشتقات النفطية يبدو ضرباً من الانتحار والمخاطرة، وأقرب ما يكون إلى تفجير برميل وقود منه إلى إطفاء حرائق غابة.

التقدم إلى الوراء...

في منتصف 2012، وإثر تشكيل الحكومة التوافقية بعد تنحي الرئيس السابق وتولي نائبه عبد ربه هادي السلطة، قررت الحكومة تنفيذ أول "جُرعة" إصلاح سعري، فحرّرت أسعار وقود البنزين والديزل بنسبة غير مسبوقة، بذريعة وعلى أمل خفض نسبة العجز في الموازنة، وخفض فاتورة دعم المشتقات النفطية، وزيادة الرعاية الاجتماعية. لكن ما حصل في السنتين التاليتين كان عكس ذلك. ولدى صندوق النقد الدولي وصفة إصلاحات مصاحبة ولاحقة للجرعات السعرية، منها:
1 - زيادة الضرائب،
2 - خفض ميزانية الجيش،
3 - تقنين التوظيف الحكومي،
4 - تقليل أو وقف الاعتماد على توليد الطاقة بالوقود الثقيل،
5 - خفض سعر صرف العملة لزيادة الصادرات وخفض الواردات مما يساعد الميزان التجاري.
غير إن بيانات الحكومة المالية، بعد مضي ستة أشهر فقط من أول إصلاح سعري (لدى تقديمها مشروع موازنة الدولة في كانون الثاني/ يناير 2013 إلى البرلمان، ثم موازنة 2014 بعد ذلك بعام) كانت تؤكد أن شيئاً من إصلاحات صندوق النقد لم ينفذ، بل نقيضها. فقد تضاعفت ميزانية الجيش والداخلية، وارتفع الدين الداخلي وزادت فوائد أذون الخزانة بنسبة 160 في المئة، كما استمرت الحكومة في التوظيف والتجنيد، فارتفع الباب الأول (المرتبات والأجور) بنسبة 63 في المئة عن آخر حكومات النظام السابق. نتيجة كل ذلك، ذهب العائد المالي الذي حققته الحكومة من رفع الدعم في 2012، الى تغطية النفقات المستحدثة في الموازنة ولم تستفد منه، أو تفي بموجبه بأي من تعهداتها السابقة. وإذا كان المثل يقول: "ضربتان على الرأس توجع"، فإن الشارع اليمني الساخط بات يقول: "جرعتان من الحكومة نفسها توجع"!

علاج المرض لا أعراضه

كان عجز موازنة الدولة عند تسلم الحكومة التوافقية (عام 2012) يبلغ 233 مليار ريال ليرتفع في يناير 2014 إلى 649 مليار ريال (نحو 3 مليار دولار)، ثم ليصل في أيار/مايو الماضي إلى أعلى مستوى له في تاريخ المالية اليمنية: 940 مليار ريال (نحو 4 مليار ونصف المليار دولار)، فأقرت الحكومة بسببه تحميل الشعب أعباء إضافية بالجُرعة السعرية الاخيرة تلك. وبالمثل، كان دعم المشتقات النفطية يعادل نحو 6 مليون دولار في اليوم عام 2012، ليرتفع بعد رفع الدعم بنسبة 200 في المئة (بعكس منطق الأمور)، إلى 9 مليون دولار في اليوم بدءا من 2013 وحتى الآن. والسبب ببساطة أن الحكومة التي قررت رفع الدعم بذريعة مكافحة تهريب الديزل، أوجدت باباً خلفياً للمهربين من خلال عقود شراء الكهرباء من شركات تأجير الطاقة. وشراء الطاقة هو السوق السوداء الجديدة للفساد في اليمن. إنه مثل شراء كيلو حلوى بسعر كيلو ذهب أو كاستئجار جناح بفندق ودفع إيجار ليلة واحدة مبلغاً يفوق قيمة شراء الفندق ذاته.
فبدلاً من أن تستهلك هذه المحطات مجتمعة 331 مليون ليتر ديزل عام 2012، استهلكت الضعف عام 2013: 648 مليون ليتر ديزل. أي أن الحكومة حرّرت أسعار الديزل على المواطن والمزارع من هنا، وضاعفت في الوقت نفسه كميات الديزل المستوردة من الخارج، والمدعومة، لصالح محطات شركات بيع الطاقة.
وبالتزامن مع تضاعف استيراد الديزل والمازوت، وزيادة الإنفاق العام، انخفض إنتاج النفط الخام محلياً، فاختلت المعادلة بين الصادرات والواردات. وعجزت الحكومة عن استيراد المشتقات النفطية، فعاش اليمنيون ثلاثة أشهر من الجحيم، شوهدت أثناءها طوابير السيارات تقف، بالساعات والأيام، أمام محطات التزود بالوقود، كما تضاعفت ساعات إطفاء الكهرباء ووصلت في بعض الأيام إلى 12 ساعة.
الآن، ومع إقرار الجرعة السعرية الثانية، التي سترتفع بموجبها أسعار كل شيء وتتضاعف الأعباء المعيشية على المواطن، لا مناص من القول مجدداً إنه كان الأولى بالحكومة، بدلاً من ذريعة تهريب الديزل، العمل على خفض كميات الديزل المستورد. بمعنى علاج المرض لا أعراضه، والمرض هو فساد السياسة المالية.