ينقسم القراء إلى نوعين: قراء نفعيون يتعاملون مع المادة المعرفية من أجل الامتحانات التي تؤدي إلى تحضير الدروس والنجاح أو الترقي في الامتحانات بشتى أنواعها، وهم أغلبية نسبية، وقراء آخرون يقرؤون من أجل المعرفة والبحث والاطلاع وارتياد آفاق التكوين الذاتي بكل أشكاله وهم قلة. وهنا يجب عدم الحديث طبعا، عمن لا يقرؤون إلا الوثائق الخاصة بعملهم، كبعض الموظفين في القطاعين الخاص والعام، والذين لا يمكن إحصاؤهم ضمن دائرة القراء رغم أن مؤسساتهم تتوفر على مكتبات تتضمن كتبا لا يستهان بها وإن كانت لم تتجدد. وما دون هؤلاء هم حشود الأميين الذين لا يجيدون القراءة والكتابة لأنهم لا يستطيعون فك الحرف. وهناك قراء في شتى ميادين العلوم والفنون والآداب ولكن غالبيتهم العظمى منغلقة على ذاتها.
بعض الفئات الأخرى تقرأ الجرائد المتعلقة بالنميمة الفنية والسياسية، والإثارة، والرياضة، والفضائح، والأحداث الشاذة، والجرائم، وتهتم بالكلمات المتقاطعة. وهي فئة تكرّس القراءة السلبية، وتنضم من حيث لا تدري إلى صفوف الأمية بمعناها الوظيفي، لأن عدم القراءة يجعلها تعاني من نقص في تطوير ملكات الاقتراح والإبداع والتخيل والتحليل. مكتفية بأفكارها القديمة تجاه الذات والحياة، فلا تستطيع مجاراة ما يحدث من حولها، تتقهقر فكرياً وتحكم سلبياً على كل جديد، بل تعاديه عداء شديداً في بعض الأحيان.

ماذا يقرأ المغاربة؟

تشير الإحصائيات إلى أن الفئات القارئة تهيمن على قمة هرمها عينة تهتم بكتب الدين والطبخ والتجميل في شقها النفعي الضيق، ولا تهتم بها كثقافة تدخل ضمن الاجتهادات الفقهية أو الدراسات الأكاديمية التي تتناول الدين من باب مناهج الفلسفة والعلوم الاجتماعية والإنسانية، أو بالطبخ والتجميل من حيث هما فنّان للعيش، يؤشران على تطور الإنسان أنثروبولوجيا وجماليا. تبين الأرقام أن 2 في المئة هي نسبة قراءة الكتب، وتحتل "الإنترنت" المرتبة الأولى، وهذا يعني التحول العميق في طرق القراءة، إذ أصبحنا أمام معطى القراءة على الشاشة بكل علائقها الوسائطية، ما يطرح مشكلا آخر يتجاوز مهارات القراءة الحَرْفِيَّة أو المكتوبة إلى اكتساب كفاءات القراءة البصرية (صورة، لوحة، مقطع سمعي بصري...). ومن هنا يواجهنا كمؤسسات وكأفراد هاجس محو الأمية البصرية، وتوطيد التكوين في مجال القراءة الافتراضية التي لا تعني أن كل سابح في بحور الشبكة العنكبية يقرأ. فقد أثبتت الدراسات والتجارب والوقائع والملاحظات المباشرة أن الكثير يسكن غرف الدردشات، وينشر الترهات على صفحته الخاصة والعامة، ولا يهتم بالمسائل الثقافية أو حتى الشؤون العامة التي تخص قضايا المجتمع الذي يعيش بين أفراده. وتلك مؤشرات دالة على أن الارتباط الإلكتروني السلبي يشجع الضحالة الفكرية، ويسهم في قتل الحس النقدي، ويعزل الفرد عن واقعه، ويدمر شخصيته.
قد نتحدث عن أنواع القراءة ونتجاهل أو نتناسى واقع القراءة المتعلقة بالفنون (سينما، تشكيل، مسرح، فوتوغرافيا، موسيقى، رقص، نحت، ديزاين، إرساءات، كاليغرافيا...)، وذلك في ظل استهلاكٍ كبيرٍ ومتزايد لتلقف كل ما يصل الناس عبر التلفزيون وغيره. وتلك مسألة تضع التساؤل حول تأطير قراءتهم للصورة عموما وتضع الجميع أمام مسؤولية الانخراط في تشجيع نشر الكتب الفنية بكل أشكالها، مع العلم أن منشورات وزارة الثقافة لا تتضمن إلا عناوين محدودة في هذا الشأن.

ما أسباب العزوف؟

التربية هي قطب الرحى في تدبير هذه المأساة التي تجاوزت حجم الأزمة، وباتت وصمة عار في وجه المسؤولين والمجتمع. فالفرد غير القارئ عرضة لرياح الانغلاق والتقوقع والتطرف بكل أشكاله، وما الانخراط في محو الأمية إلا رهان مجتمعي مرتبط بالقرار السياسي الذي يعتقد بعض صناعه بأن الأمية سلاح للتدجين. وما الأحداث التي وقعت في العالم العربي إلا خير دليل على العكس. أليس الوعي الناتج من ارتفاع نسبة التعليم والقضاء على الجهل عوامل من شأنها أن تصون الفرد والمجتمع معا من كل ما من شأنه أن يحدق بهما من أخطار داخلية وخارجية؟! إن انفجار الأمي الذي لا تقيه قراءاته المنفتحة كانفجار برميل البارود العشوائي الذي يدمر كل ما حوله.
ترتبط القراءة لدى البعض بانعدام الجدوى من التعليم وفشله عموما في إدماج المتخرّجين في سوق الشغل، وما يترتب عن ذلك من إحباط يسري بين الناس بسرعة. فالقراءة فعل اجتماعي واقتصادي ونفسي أيضا: لا ينشر المُحْبَطُ إلا قيم اليأس، ولا يستطيع الجائع أن يقرأ، ولا يمكن لغير المطمئن أن يضمن الفرح لغيره... صحيح أن جل الأغنياء يضعون المكتبات المنزلية كديكور، ولا يساهمون في التنمية الثقافية عن طريق الانخراط الداعم في المشاريع الثقافية والفنية عبر ما يسمى بالهبات والتبرع. ولكن الوعاء الاجتماعي يساهم في نشر القيم السلبية، ويذكي الحقد الناتج من الفوارق الاجتماعية، وذلك ما تعكسه أفعال الاغتصاب والعنف والجريمة والتعاطي للمخدرات. إن القراءة فعل إيجابي يرقى بالذات القارئة، ويقيها من الانهيار النفسي والقيمي...

كيف يمكن خلق مجتمع قارئ؟

يُحَمِّل البعض وزارة الثقافة وزر فشل تحقيق مجتمع مغربي قارئ، وهي التي لم تنجح حتى في تدبير معرض دولي للكتاب يبين اختلافات المثقفين وغنى المغرب وقيمة مثقفيه وريادتهم. إن إلغاء الوزارة وتعويضها بمجلس أعلى للثقافة بات مسألة حتمية بالنظر إلى فشلها الذريع في نشر الثقافة المغربية، وحل معضلة النشر والتوزيع والخروج من قمقم شخصنة مصالح الوزارة وإقصاء المثقفين وإقصاء المنتقدين والتعامل برؤية لا تلائم الراهن (مثلا: لم تبرمج الوزارة أية ندوة تعنى بثقافة الصورة، واقتصرت على تكرار الأسماء، واستنساخ الموضوعات التي لا تساير العصر). إن شأن القراءة يبدأ من الأسرة التي تتحمل تثبيت عادات القراءة في المنزل انطلاقاً من خلق المكتبات العائلية والأسرية، ومنها إلى الرفع من قيمة المكتبات المدرسية في كل مراحل التمدرس، وتشجيع فضاءات القراءة العمومية (الخزانات والمكتبات ورفوف المقاهي والقطارات والحدائق العمومية والمصانع...)، والعمل على خلق سلسلة منشورات شعبية لا تتجاوز عشرة دراهم تعنى بالإبداع والفنون، وخلق ورشات القراءة، ومسابقات الحفظ الوظيفي والإملاء، وإعداد الملفات والبحث الحر لدى الناشئة والشباب، والرفع من عدد البرامج التلفزيونية والإذاعية التي تعنى بالكتاب والقراءة والنقاش مع العمل على تبسيط الخطاب والابتعاد عن اللغة الخشبية من طرف المؤلفين والمنشطين، مع برمجة ذلك في أوقات الذروة.
أليس من الصادم أن المغرب يتوفر على 13 جامعة و65 معهدا وكلية وعشرات الآلاف من الطلبة الباحثين والأساتذة، ولا يعكس ذلك نسبة اقتناء الكتب والمجلات! ألا يقرأ هؤلاء؟ لماذا تمول الدولة ترقي المُدَرِّسين بناء على الأقدمية عوض الكفاءة والعطاء في مجالات البحث والإنتاج الثقافي والعلمي؟