«الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق» قديم، نشأ في العام 1933. مع التغلغل الرأسمالي، وحاجات القوات البريطانية المستعمِرة إلى المواصلات والأبنية والجسور والبنى التحتية والموانئ وخطوط سكك الحديد، لتسهيل تنقلاتها وحركة قطعاتها، إضافة إلى بناء القواعد العسكرية والإنشاءات الملحقة بها، والاهم من ذلك البدء باستخراج النفط، وما يرافقه من نقل أجهزة ومعدات الإنتاج الفعلي لهذه الصناعة الكبرى وتثبيتها وخدمتها... كل هذا كان يتطلب أيد عاملة، ماهرة وغير ماهرة. يضاف الى ذلك تشكّل الدولة العراقية الملَكية في العشرينيات، وسعيها المتواصل لتحديث وتطوير مؤسساتها المركزية، وما شهدته سنوات الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين من توسع مديني على حساب الأرياف، وظهور الأحزاب الحديثة والنقابات والاتحادات المهنية، التي استفادت من إقرار قانون العمل رقم 72 لعام 1936. 
هذا بينما كانت الحركة العمالية ونشاطات وإضرابات العمال قد ظهرت مبكرة، فقد سجل أول إضراب عمالي عام 1918، ما يجعل هذه الحركة سابقة على الحركة الوطنية الحديثة وأحزابها. وقد طبع تاريخ الحركة العمالية العراقية بنشاط غير عادي، فاشتهرت إضرابات كبرى متواصلة في الثلاثينيات والأربعينيات، منها إضراب شركة الكهرباء عام 1933 الذي تحول إلى شبه إضراب مدني عام، وإضراب منطقة «كاور باغي» في كركوك عام 1946، وإضرابات عمال الميناء والسكك والنفط والنسيج، الخ... ما جعل تلك الحركة تحظى بمكانة تكاد توازي مكانة الأحزاب الوطنية مجتمعة. ويحصي الدارسون آلاف أيام الإضراب، كما يحصون أسماء شهداء ومعتقلين نقابيين، ادخلوا السجون أو سقطوا في مواجهات مع أجهزة القمع الحكومية، سواء قبل تنظيمها في اتحاد عام، أم كنقابات منفردة.ومن الطبيعي والحالة هذه، أن تتميز تلك الحركة بنزعتها الاستقلالية عن الحكومات المتعاقبة، بقدر مشاركتها الحركة الوطنية العراقية نضالاتها، وهو ما استمر بوتيرة عالية حتى لحظة التغيير الكبير بعد «ثورة تموز 1958»، وانطلاق النقابات العمالية نحو العلن والتشكل الرسمي وانعقاد «المؤتمر التأسيسي» للاتحاد العام لنقابات العمال في الجمهورية العراقية في العام 1959.

سطوة واصطخاب

حدثت انتكاسة حقيقية لاستقلال النقابات العمالية العراقية بعد انقلاب شباط/فبراير العسكري في العام 1963، إلا أن تلك الفترة لم تدم طويلا، وعاد الاتحاد ليمارس دوره المستقل من جديد. وشهدت فترة الستينيات وحتى ما بعد وصول البعثيين للحكم في 1968، نشاطا عماليا وإضرابات شهيرة، كما اصدر «الاتحاد العام» جريدة أسبوعية باسم «صوت العمال». ولم تصبح نزعة السلطة الجديدة للسيطرة على كل مرتكزات المجتمع ملموسة إلا بعد أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بينما استمرت لأكثر من عقد من الزمن سياسة محاربة استقلالية النقابات العمالية كمؤسسات تعمل خارج نفوذ وتوجهات السلطة، فتواصلت وقتها محاولة دمجها ضمن مؤسسات النظام الحاكم، باستخدام وسائل الترهيب والترغيب، في ظل عدم وجود قوانين ثابتة ومتكاملة للضمان الصحي والاجتماعي، وتحديد علاقات العمل، أو قانون عام شامل للتقاعد... ما يفتح المجال أمام استمالة العامل والحرفي، بمقابل توفير تلك الحقوق له على شكل خدمات/ أعطيات.
 وكانت الطامة الكبرى قد حصلت مع صدور القانون رقم 150 للعام 1987 الذي حوّل عمال القطاع العام الحكومي إلى موظفين ومستخدمين لا انتماءات نقابية لهم. وللمفارقة، أعطت ظروف الحرب مع إيران في الثمانينيات، وخفض الاستيراد المدني، ثم ظروف الحصار الدولي خلال التسعينيات، دفعة كبيرة للقطاع الخاص المحلي، العمالي والحرفي الصناعي، لينمو ويعوض الفقدان عن المستورد. وقد زاد وقتها عديد العمال المحترفين والمهرة أضعافا مضاعفة، ولكن بلا تنظيمات نقابية ومهنية تحتويهم، ولا سلطة تنظم نشاطهم، ليستقبلوا بعدها ألآم مخاض ما بعد الديكتاتورية ومرحلة الاحتلال، ومن ثم الانفتاح الكامل للحدود العراقية على السلع والبضائع الأجنبية، بدءا من العام 2003. 

ريع أم إنتاج

مكّن زوال الديكتاتورية من ولادة «اتحاد المجالس والنقابات العمالية في العراق». والجديد هو دخول أحزاب الإسلام السياسي الطائفية على الخط العمالي النقابي، والرمي بثقلها المادي والسياسي السلطوي، في محاولة منها لاحتواء الحركتين النقابية والمدنية العراقية. وأما المشكلة الفعلية فتتعلق بموقف السلطة من التوجه الاقتصادي للعراق عموما. فمن سلطة بريمر الى مجلس الحكم، الى السيطرة الفعلية لأحزاب الإسلام السياسي، شيعية وسنية أو قومية كردية، يرتكز الفهم الاقتصادي العام والمشترك بينها، حول زيادة الصناعة الاستخراجية للنفط، والاستيراد الاستهلاكي مفتوح المعايير والحدود، مع زيادة التوظيف في الدوائر الحكومية وتضخيم مؤسسات الجيش والشرطة.

تعددية حيوية أم تشرذم

في عراق مفتوح على كل الاتجاهات، وسياسة مغلِّبة لمنطق الريع والاستيراد، وفي ظل الاهمال الكلي للصناعة والإنتاج المحلي، ضاعت الإجابات وتعددت الرؤى. وكانت قد برزت نقابات جديدة في السنوات الأولى من الاحتلال، حاولت إحياء استقلالية الحركة العمالية، خاصة في قطاع النفط. الا أن الأطراف الحكومية وأحزاب الإسلام السياسي تغلغلت بين أوساط العمال، وتمكنت في نهاية المطاف من خلخلة وحدتهم، وضخ مفاهيم في العمل النقابي لا تساعد على إعادة بناء حركة نقابية جديدة، تعيد ألق ماضي الحركة ودورها في الحياة العامة. ولأن أحزاب وقوى الحركة الوطنية العصرية وأفكارها متراجعة تماما، وبلا اثر، فلقد انعكس هذا الجانب الإضافي أيضا على واقع الحركة الوليدة. ويظل الوضع العمالي الفعلي ضعيفا، لان الاقتصاد وحركة الصناعة في البلاد في حالة ترد شبه كامل، ولم تظهر ايضا قيادة عمالية مبادرة، كما لم يظهر اي تواصل مع تاريخ الحركة العمالية وموروثها.
كل هذه العوامل، وسطوة المناخ العام، جعلا القضايا الهامشية والجانبية تحتل موقعا مهما وربما مركزيا، من قبيل الغرق في الصراع الدائر حول الوراثة الشرعية للاتحاد العمالي العراقي المعترف به دوليا وعربيا. وهل القوى المتناقضة التي سبق لها التعامل مع هذا الحقل (من يساريين أو بعثيين أو حتى إسلاميين)، هم اصحاب الحق في الوراثة، أم ما استجد من نقابات عمالية واتحادات بمسميات جديدة؟ ولا يقتصر هذا الصراع على ارث معنوي أو قانوني فقط، بل يشمل أموالا وعقارات مجمدة، اكتسبها الاتحاد طوال تاريخه من الاستقطاعات العمالية والاشتراكات والهبات وغيرها.
في أجواء من هذا القبيل، جاء أول تدخل فعلي للسلطات الجديدة بعد 2003 في شؤون الاتحادات والجمعيات العراقية، ومنها العمالية، بقرار مجلس الحكم رقم (3) لعام 2004، الذي نصت الفقرة الأولى منه، على وجوب حل كل مجالس الإدارات المنتخبة حديثا، ومنها بالطبع مجالس إدارات النقابات والاتحادات العمالية، لحين إجراء انتخابات جديدة. وأعقب القرار أمر وزاري بتشكيل لجنة سداسية (الأمر رقم 8750 لسنة 2005 ) أسندت رئاستها لاحقا لوزير العمل والشؤون الاجتماعية، مهمتها الإشراف على أي انتخابات مزمع إجراؤها وإعطاء الشرعية للفائزين، ثم رفع اليد عن ممتلكات الاتحاد المنقولة وغير المنقولة. وتوجد الآن ثلاثة اتحادات عمالية تتنازع الشرعية، وهي «الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق» و«الاتحاد العام لنقابات عمال العراق» و«الاتحاد العام للنقابات في جمهورية العراق». ولما كانت التشريعات النافذة تتطلب اتحاداً واحداً، تعترف به الحكومة (والقصد هنا وراثة الأموال والعقارات المجمدة)، فقد سارعت الاتحادات المذكورة، مع بعض الملحقات النقابية الصغيرة، للذهاب إلى دمشق حيث مقر الاتحاد الدولي للعمال العرب، وعقدت برعايته اتفاقا مشتركا بتاريخ 19/9/2005 لتشكيل هيئة قيادية عليا لإدارة شؤون الاتحاد لحين إجراء انتخابات عمالية جديدة.
لم تتمكن المجموعات المكونة للمشهد النقابي أبداً من تحقيق الانسجام بينها، مغلبة اعتبارات انتماءاتها الفكرية/السياسية والطائفية على الجانب المهني النقابي. وقد عقد مؤتمر عام في 24/7/2012 غاب عنه ممثلو اليسار الذين سارعوا إلى إجراء انتخاباتهم الخاصة بتاريخ 23/9/2012، ليصبح لدينا حاليا اتحادان رئيسيان، إضافة لاتحادات وتنظيمات نقابية ثانوية، مثل «اتحاد المجالس والنقابات العمالية في العراق»، و«الاتحاد العام لنقابات العاملين في العراق»، و«المكتب العمالي للقيادة المركزية». ولم تشارك المنطقة الكردية في أي نقاش أو حراك، بل كان للأكراد اتحاداتهم العمالية الخاصة غير المرتبطة ولو رمزيا بأي اتحاد عام مركزه بغداد.

وبهذا يكون مسار ومصير الحركة النقابة قد كرر سيرة الانهيار العام، الذي قادت اليه الديكتاتورية التسلطية وبؤس الحروب المتتابعة والاحتلال، والخيار الاقتصادي/الاجتماعي قصير النظر والمنبئ بقوة شبكات النهب اليسير وما تولده من فساد، وهو المتمثل في التعيش القصير النظر على الريع النفطي عوض استغلال موارده في التأسيس لمستقبل البلاد والناس... وهكذا، فالفوضى والتشتت وفقدان الفعالية والغرق في الصراعات الثانوية المهيمنة على واقع الحركة العمالية العراقية، هي نهاية حزينة لقصة ولدت متوثبة وحية، لدرجة غير عادية، لتنتهي الى خراب وشلل وخروج من الفعل ومن التاريخ.