جرفت آلة الحرب في سوريا الحدود الواهية بين التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية التي ظلت سائدة طيلة حكم البعث. كنست مجاميع بشرية بأكملها من إحداها وأضافتها إلى سواها. ابتدعت تشكيلات جديدة، ومحت أخرى. الباقون في سوريا تشرذموا اقتصاديا، منهم من أصبح دون الكفاف، وآخرون استعانوا بدخولهم التي تقف على تخوم سدّ الحاجات الأساسية، علَّ التموضعات الجديدة لدخولهم في معادلة الإنفاق تعطيهم صفة طبقيّة متماسكة في الفرز الجديد. فالحرب تغيّر، كما الخرائط الديموغرافية، الخرائط الاقتصادية أيضاً وفق منطقها الخاص. واستخلاص مكونات الطبقة الوسطى من بين الركام المتنامي في أربع سنوات يبدو أكثر مشقّة من إيجاد مكونات باقي الطبقات الاجتماعية، فهي التي تبدّلت هويّتها أكثر من سواها. لكن كيف؟


اللحاق بالتعريفات والمقدمات العامة


تستسهل التعريفات التوصيفية للطبقة الوسطى في سوريا صوغ مكوناتها على أنها رهط من موظفين وأطباء ومهندسين وأصحاب مهن حرة وحرفيين وصغار صناعيين. موقع الطبقة الوسطى بين طبقتين هو ما يمكن استخلاصه من التعريفات الشائعة في علم الاجتماع الاقتصادي (ماكس فيبر وجيمس براشدو). كانت الطبقة المتوسطة مكونة من تجار وصناعيين في دمشق وحلب، وأصحاب أراض زراعية متوسطة في الأرياف السورية، من تلك المندمجة في معادلات الكسب من وراء إجادتها اللعب على تناقضات كامل الخريطة السياسية الممتدة من الانتداب الفرنسي وحتى مجيء البعث إلى السلطة عام 1963. وقد التحق بتلك تشكيلات من كبار الموظفين وصف الضباط وبعض المهن التي تتطلب مزاولتها شهادات أكاديمية. دون تلك طبقة اجتماعية تبيع قوة عملها كأقنان في الأرياف، أو كعمال بأجر في مصانع وورشات المدن، تعلوها طبقة ثريّة يؤلفها رأس المال التجاري الدمشقي وهو يراكم ثرواته الحاصلة من مبادلاته التجارية الخارجية، ورأس المال الصناعي الحلبي الماثل في معامل النسيج الكبيرة أكثر من غيرها، وكبار الإقطاعيين في الأرياف.


قبل الحرب بعام


لكن كيف يمكن الاقتراب من تحديد مكونات الطبقة الوسطى في سوريا قبل حراك آذار/ مارس 2011؟ نتكلم عن اقتصاد أنهكه اكتساب وجهين، ليبرالي وتخطيطي في آن. رموز جديدة من أقطاب المال السياسي وهم يطفون قرب فقاعات النمو التي أطلقتها مضارباتهم العقارية والمالية وزادت حجمها امتيازاتهم الاحتكارية، مثلما بقوا يطفون فوق رمزية إمساك الدولة بملكية قطاع عام خسّرته ثم خصخصته.
كان على الاقتصاد السّوري الفَرِح بوجهه الليبرالي منذ العام 2005 أن يذهب ليجمع بعض غنائمه من أسواق التجزئة التي حصدت مدخرات أغلب السوريين، وهم يعيشون ربيعهم الاستهلاكي الطويل الممتد بين العامين 2005 و2010. نمو سوق السيارات كأحد المؤشرات الهامة على فورة الاستهلاك تلك، يتيح تفحّص وجه الطبقة الوسطى بعناية. فقد ذكرت أرقام هيئة الإشراف على التأمين عام 2006 (بعد عام على انطلاق المصارف الخاصة) أن وثائق التأمين الإلزامي على السيارات ازدادت 90 ألف وثيقة عما كانت عليه في العام 2005. وبحلول العام 2010 ستغتبط وزارة النقل مجددا وهي تصرّح بأن مواطناً من بين 12 مواطنا صار يمتلك سيارة. وبحسب أرقامها فإن إجمالي عدد السيارات في سوريا بلغ نحو 1.865 مليون، منها 425 ألف سيارة في دمشق وحدها.
اجتذبت قروض التجزئة المتدفقة من المصارف الخاصة إلى جيوب أبناء الطبقة الوسطى شهيتهم الاستهلاكية لاقتناء السيارات، كسمة من سمات هذه الطبقة اعتباراً من النصف الثاني من العقد الماضي. وإن عُدنا إلى أرقام وزارة النقل للتثبت من صحة هذا الافتراض لوجدنا أنه تمّ استيراد 42.3 ألف سيارة خلال النصف الأول من العام 2010 أغلبها كوري وصيني المنشأ، ولم تتجاوز نسبة السيارات الفارهة مثل المرسيدس وبي أم دبليو ولكزس 2 في المئة، وهذه لا يقتنيها سوى الأثرياء، فيما 98 في المئة الباقية من السيارات المستوردة ركبها أبناء الطبقة الوسطى عام 2010، ولأن أرقام التأمين على السيارات ازدادت 90 ألفا بعد عام على بدء عمل المصارف الخاصة، يمكن الاستنتاج بأن نحو 450 ألف سيارة اقتنتها الطبقة الوسطى بين العامين 2005 و2010، وهذا يقابلهُ بصورة تقريبية تحريك كتلة نقدية تقدر بـ225 مليار ليرة خلال خمس سنوات. لكن هل اقتناء سيارة كورية أو صينية المنشأ هو مقياسٌ مؤكد لتحديد هوية الطبقة الوسطى في سوريا؟


نافذة على بنية الدخول


تصطف الدخول في سوريا ضمن سبع فئات للمشتغلين بأجر بحسب مؤشرات قوى العمل لعام 2010، الكتلة الأكبر منها تنتمي إلى وسط الهرم، فتبلغ نسبة من يتقاضون ما بين 7 آلاف ليرة إلى 13 ألف ليرة شهريا نحو 56.7 في المئة، والذين ينتمون بدخلهم إلى الفئة الأولى (أكثر من 15 ألف ليرة) هم 16.3 في المئة، والذين ينتمون إلى دخول الفئة الثانية (بين 13 ألف ليرة و 15 ألف ليرة) يبلغون 12.3 في المئة.. أي ما مجموعه 28.6 في المئة.
قد يسعف تحليل تركيبة الأجور بفكّ طلسم الإقدام على اقتناء سيارة لمن دخولهم متواضعة، فلكل فئة سقف أعلى لا تتخطاه، وسقف رواتب الفئة الأولى في سوريا (الإجازات الجامعية وما فوقها) يصل إلى 46 ألف ليرة، وسقف الفئة الثانية (المعاهد المتوسطة) هو 36 ألف ليرة، وبلوغ السقف الأعلى يتطلب مسيرة صبر قد تصل إلى ربع قرن، لأن الزيادة الدورية على الدخول هي 9 في المئة كل سنتين، وبذلك تستطيع أسرة سورية متوسطة الحجم (5 أفراد) يعيلها أبوان يتقاضيان السقف الأعلى لفئة الموظفين الأولى أو الثانية اقتناء سيارة.
جزء مهم من تشكيلة الطبقة الوسطى قبل العام 2011 هم إذاً موظفو الفئة الأولى والثانية الذين يتقاضون السقف الأعلى للدخل، وهم أيضاً الموظفون في نهاية سنوات عملهم، وهم جزء من 12.3 في المئة من إجمالي عدد المشتغلين بأجر في سوريا. ولا يصح اعتبار كل موظفي الفئة الأولى والثانية من الطبقة الوسطى. لأن تدقيق مؤشرات التقرير الشهير الذي أعدتهُ هيئة تخطيط الدولة بالتعاون مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في سوريا عام 2008 يوضح بأن أكثر من ثلث سكان سوريا هم من الفقراء (33.6 في المئة بدقة)، وهذا يعني 6.7 ملايين فقير منهم 12.3 في المئة يعيشون فقرا مطلقا، وهم 2.4 مليون. وعند تطبيق معادلة حساب خطَي الفقر الأعلى، الأول (2 دولار للفرد في اليوم)، والثاني نصفه، وباعتبار أن وسطي عدد أفراد الأسرة السورية هو خمسة أفراد، فإن تجاوزها لخط الفقر المطلق يتحقق حال يتعدّى دخلها 150 دولارا شهريا أي 7500 ليرة وفق حساب سعر الصرف السائد حينها. ويلزمها 15 ألف ليرة لتجاوز خط الفقر الأعلى، ما يعني أن ذلك لا يتم إلا مع الدخل المقطوع للفئة الأولى فقط والذي يبدأ بنحو 15 ألف ليرة، وباقي الدخول المقطوعة للفئات الست تقع تحت خط الفقر الأعلى، وهذا المؤشر مهم لفهم مدى اتساع حدود الطبقات الاجتماعية، كون العاملين بأجر يشكلون ثلثي قوة العمل في سوريا (61.5 في المئة). لكن ما هو مقدار الدخل الواجب توافره للإفلات من حد خط الفقر الأعلى؟
تشير الدراسات التقديرية التي حسبت كلفة سلّة الاستهلاك الأساسية أواخر العقد الماضي الى أن قيمتها تبلغ 35 ألف ليرة، وهذا يتطابق مع السقف الأعلى لدخول الفئة الثانية، ومنها تبدأ أولى تشكيلات الطبقة الوسطى بالتبلور، وتكون واسعة عند هذه القيمة وتبدأ بالتناقص باتجاه أعلى الهرم.

 

قاعدة الطبقة المتوسطة وهرمها


الطبقة الوسطى في سوريا لا تتموضع كشريحة متجانسة من الدخول والمنابت الاجتماعية، فهي تتشكل في قاعدتها من الدخول القادرة على بلوغ كلفة سلة الاستهلاك الأساسية، وصولا إلى ملامسة أسفل طبقة الأثرياء التي تتحد فيها الثروة ورأس المال مع القرار الاقتصادي. الطبقة الوسطى تتألف هنا من بانوراما واسعة من المهن. ثمة 30 في المئة من قوة العمل تنتظم ضمن شريحة الذين يعملون لحسابهم الخاص، وهم غير فئة أصحاب العمل الذين لا يتجاوز تعدادهم 6 في المئة من قوة العمل الفعلية.
عام 2014، استنتج تقرير بعنوان "الطبقة الوسطى في البلدان العربية، قياسها ودورها في التغيير"، وضعته لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية الاجتماعية لغرب آسيا (اسكوا) أن نموذج التنمية العربي أنتج طبقة وسطى أكثر تعليما وصحة، لكنها ضعيفة اقتصاديا ومقهورة سياسيا، تقلّص تعدادها من نصف سكان العالم العربي إلى حوالي 33 في المئة عام 2011، وازداد معها حجم الشرائح الفقيرة والمعرّضة للفقر إلى نحو 43 في المئة.
في سوريا لطمت العقلية التي أدارت اقتصاد البلاد وجه الطبقة الوسطى مراراً. تغيّر تركيب الشرائح التي تؤلفها، ولم تسعف ثلاث زيادات على الأجور (في 2011 و2013 و2014) في تقليل حدّة الصفعة، فالفئات التي كانت تتقاضى 5 آلاف ليرة عام 2010 صارت تتقاضى بفعل الزيادات 15 ألف ليرة عام 2015، وكان يفترض أن يزيد دخلها إلى 22.5 ألف ليرة لتحافظ على قوتها الشرائية التي كانت عليها عام 2010. ودخول الفئة الاولى التي كانت تبدأ بنحو 15 ألف ليرة صارت تبدأ بنحو 23.8 ألف ليرة، لكن كلفة سلة الاستهلاك الأساسية ارتفعت بمقدار أربعة أضعاف ونصف الضعف (ارتفع سعر صرف الدولار من 48 ليرة عام 2010 إلى 225 ليرة عام 2015) وصار خط الفقر الأعلى يبدأ مع 67.5 ألف ليرة، وهو أعلى بكثير من الحد الذي تبدأ معه دخول الفئة الأولى، خلافاً لما كان عليه الحال عام 2010. فاندمج جزء جديد من قاعدة الطبقة الوسطى بخط الفقر الأعلى.
شرائح أخرى تكوّن الطبقة الوسطى في سوريا تضررت مواقعها الاقتصادية، منها أصحاب المنشآت الحرفية والورشات الصغيرة وأصحاب الحيازات الزراعية، جرّاء ارتفاع كلف الإنتاج، أو لفقدان وخراب تلك المنشآت. تعطّل الإنتاج بنسبة 60 في المئة، فلجأت الشرائح العليا من أبناء الطبقة الوسطى إلى الفرار، في موجات الهجرة واللجوء، مثلما ركبت السيارات الصينية قبل ذلك، فيما علقت الشرائح الدنيا من هذه الطبقة في خط الفقر الأعلى، وهم يرون كيف يواصل فساد النظام نهب نصف الناتج المحلي الإجمالي، وكيف تتمركز الثروة عند 10 في المئة فقط من السوريين، ويرون كيف ظهرت تشكيلات اجتماعية اقتصادية جديدة وأخذت تتبلور في صورة "مافيوية" مرعبة تستند إلى الجريمة المنظّمة والخطف وتجارة السلاح وتهريب المخدرات والسرقة العلنية وإدارة شبكات الدعارة.
نبحث عن الطبقة الوسطى، عن وجوه أبنائها.. لا أرقام دقيقة تدلّ عليهم، بل تنْبئُنا الوقائع بأنهم إما قد غادروا إلى حفرة الفقر، أو غادروا البلاد.