لم يرتبط مولد النقابات المستقلة في مصر بقيام ثورة يناير/كانون ثاني 2011 كما يظن الكثيرون، بل كانت البداية في 2009، مع تأسيس أول نقابة مستقلة للعاملين في مصلحة الضرائب العقارية من قبل العاملين بالدولة في هذا القطاع استنادا إلى معاهدة منظمة العمل الدولية والتي ضمنت للعمال الحرية النقابية والحق في التنظيم.
بعد ذلك تأسست ثلاث نقابات أخرى قبل ثورة يناير 2011، هي نقابة المعاشات، والعلوم الصحية، والمعلمين. وما زالت تلك، بالإضافة إلى النقابة الأولى، هي أكبر النقابات المستقلة وأكثرها تأثيرا. إلا أن غالبية النقابات المستقلة تأسست بعد ثورة يناير، التي كشفت مرة أخرى فساد النقابات العامة وانحيازها للسلطة، كما فعل الاتحاد العام لعمال مصر (الرسمي)، الذي أدان إضرابات العمال المواكبة للأيام الثمانية عشر التي انتهت بتنحي مبارك.
تعدى عدد النقابات المستقلة 1500 نقابة، ووصل عدد الاتحادات التي تضم النقابات المستقلة لـ 5 اتحادات. وبالرغم من ذلك، فالنقابات المستقلة تواجه العديد من المصاعب والإشكاليات التي منعتها من لعب الدور المنوط بها: نقص الخبرات، ومشكلة توفير التمويل، والهجوم على النقابيين وفصل العديد منهم، وأخيرا فشل السلطة في تمرير قانون للحريات النقابية يضمن حق التنظيم.

 

الاتحاد الرسمي

 

تأسس الاتحاد العام لعمال مصر سنة 1957، ويضم 23 نقابة عامة، ضمت بدورها في الدورة النقابية «2006 ـ 2011» حوالي 1809 لجان نقابية. وأما إجمالي عضوية الاتحاد فتصل إلى حوالي 3.8 ملايين عامل، وهو ما يمثل 27 في المئة من العاملين بأجر في مصر (حوالي 15 مليون عامل حسب «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» 2013). وبالرغم من أن الاتحاد العام كان الكيان الوحيد الذي يضم جميع النقابات، إلا أن أغلب المنشآت وخاصة في القطاع الخاص، لم يكن بها لجان نقابية، كما أن أغلب النقابات كانت في القطاع الحكومي والقطاع العام، أي أن الدور التنظيمي للاتحاد غاب عن القطاع الأكثر احتياجا له، وهو القطاع الخاص، الذي يعاني من متوسط أجور منخفض، ومن ظروف عمل رديئة مقارنة بالقطاعين العام والحكومي. وعلى الرغم من أن متوسط ساعات العمل في القطاع الخاص يصل الى 58 ساعة أسبوعيا مقارنة بالقطاع العام حيث هو 52 ساعة، الا أن متوسط الأجور في القطاع العام أكبر من ضعف متوسط الأجور في القطاع الخاص.
ناهيك عن القطاع غير النظامي الذي يمثل غالبية النشاط الاقتصادي، والذي لا يعرف أي تنظيمات أو لوائح لحماية أبسط حقوق العمال.كان جهاز أمن الدولة المصري يتدخل بشكل سافر في الاتحاد، في اختيار قياداته على أساس ولائهم للنظام الحاكم. وفي بعض الأحيان دفع بتلك القيادات للتصرف كمخبرين سريين ضد العمال، هذا بالإضافة إلى وقوف قيادات الاتحاد بجانب رجال الأعمال وضد العمال بشكل مباشر في العديد من النزاعات.
كانت تلك أسباب أساسية لغياب التنظيم العمالي القوي على مدار عقود، كما لفقدان العمال الثقة في الاتحاد العام. وهو في الوقت نفسه عزز تطلعاتهم لإنشاء كيانات نقابية تمثل مصالحهم وتكون أداة للدفاع عنهم والتفاوض باسمهم، يبدأ بناؤها من أسفل، من تكتلات العمال، وليس بشكل هرمي كما هو الحال في التنظيم الرسمي.وبعد 25 يناير، أنشئت لجنة توافقية لتسيير الاتحاد، إلا أنها لم تستطع إحداث تغييرات جوهرية في بنيته وهيكله، أو في دوره كما مارسه، أي كأداة في يد الحاكم. فبدا أن هناك أهمية لاستمرار النقابات المستقلة، ككيانات تكونت من أسفل.

 

التحديات

 

من الناحية النظرية، ساهم التهميش وغياب التنظيم في ضعف الخبرة التنظيمية حتى لدى القيادات العمالية المتقدمة في مواقعها. أما من الناحية العملية، فقد واجهت النقابات المستقلة العديد من التحديات أثناء عملية التأسيس، منها إصدار «إعلان للحريات النقابية» بدلا من قانون لتنظيم النقابات وتقنين وضعها، الذي جمد منذ تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة البلاد في 2011. وقد كان لهذا التجميد آثار بالغة، أهمها أن مصر تفتقر حتى اليوم لقانون يضمن الحريات النقابية والإطار القانوني لما يفوق 1500 نقابة، مما يتسبب في التهديد الدائم بغلقها.
كما أدى غياب القانون إلى تعسف رجال الأعمال ضد العمال لدرجه وصلت في إحدى الحالات إلى فصل مجلس إدارة النقابة بالكامل من العمل بسبب إنشاء نقابة مستقلة، وفي بعض الأحيان وصل الهجوم على النقابات الى القبض على القيادات النقابية التي تحضر أو تشارك أو تدعو إلى إضرابات أو اعتصامات داخل المنشآت، كما حدث لعمال ونقابيي شركة السويس للصلب في آب/أغسطس 2013.كما أدى التجميد إلى تعجل الكثير من العمال في إنشاء نقاباتهم المستقلة،
وذلك لضمان إيداع الأوراق قبل أن يصدر ما يمنع إنشاء تلك النقابات. فجرى بناء العديد من النقابات المستقلة من دون أن تعبر عن حاجة فعلية.واجهت النقابات أيضا مشاكل إجرائية لها علاقة بمسألة التأسيس، كان من أهمها مشكلة خصم الاشتراكات، ونقل اشتراكات العمال من الاتحاد الرسمي إلى الاتحاد المستقل، وهو ما ترتب عليه ضعف في إمكاناتها المادية الى حد فشل العديد منها في تأسيس مقرات لها، وعدم قدرتها على دعم أعضائها في الظروف الصعبة.
ثم أن غالبية أعضاء الجمعية العمومية ينتظرون من النقابة أن تقدم لهم الدليل والمثال على نضاليتها ودفاعها عن حقوق العمال وذلك قبل دفع اشتراكات. ويعتبر هذا التصرف انعكاسا لفقدان الثقة في التنظيمات النقابية الرسمية، التي اعتادوا منها تجميع الاشتراكات من دون أن تلعب دورا في تمثيل العمال المشتركين.

النقابات المستقلة.. إلى أين؟
ضعف النقابات المستقلة لا يلغي أن الكثير منها نقابات مناضلة، خاضت معارك كثيرة على مدار السنتين الماضيتين منذ إعلان الحريات النقابية في 2011. ولكن الغالبية العظمى من النقابات، بعد ما واجهته من تعسف وصعوبات، وبسبب غياب الخبرة التنظيمية، أصبحت ضعيفة وغير ملهمة ولا تمثل العمال في الكثير من الأحيان.
الأصل في إنشاء النقابات هو الاستقلالية في تحديد ما يصب في مصلحة أعضاء النقابة.
وقد حاولت النقابات اعتماد عدد من الطرق الديموقراطية في اتخاذ القرار أثناء الإنشاء، لكن ظهرت في الشهور الأخيرة بعض المشاكل داخل النقابات نفسها لها علاقة بفساد مجالس الإدارة، وانحراف بعضها. فعلى سبيل المثال، كان لمجلس إدارة «نقابة ميناء شرق التفريعة» مواقف مهادنة مع إدارة الشركة، حتى وصل الحال بالنقابة إلى أن تطلب من إدارة الشركة فصل ثلاثة عمال، وذلك أثناء مفاوضة جماعية.
وكان مجلس النقابة وافق على ما قدمته الإدارة، على الرغم من رفض العمال الصريح له، باعتباره يخالف مصالحهم. وبعد موافقة وزارة القوى العاملة على إجراء انتخابات جديدة للنقابة إثر استقالة جزء من مجلس إدارتها، جرى تجاوز لهذا القرار عبر القيام باستفتاء قدِّم لوزارة القوى العاملة فوافقت بدروها على وقف الانتخابات التي كانت تجريها الجمعية العمومية.
أظهرت هذه التجربة وسواها عيوباً في اللوائح والهياكل التنظيمية للنقابات المستقلة عند البحث عن كيفية محاسبة مجالس الإدارة. وترجع العديد من تلك العقبات بالتأكيد إلى حداثة عهد النقابات وطريقة إنشائها المتسرعة في بعض الأحيان. مستقبل النقابات المستقلة في الأعوام القادمة سيعتمد على قدرتها على تنظيم كياناتها داخليا، ومراجعة لوائحها، والدفع لإصدار قانون الحريات النقابية. وأخيرا فالامتحان الحقيقي لتلك النقابات سيتمثل في مدى دفاعها عن العمال ومدى تمثيلها لحقوقهم ومصالحهم.