«فاكرة كلمة حاضر لما اتقالت، وأنا زعلان مش بوستك؟»، «أنا اللي أقول تعملي إيه.. أنا اللي أقوله تمشي عليه»، «إيّ واحدة معاها مفتاح قلب حبيبها...تقدر فجأة تحوله من وحش لطفل ماسك إيدها»، «خوفي عليكي من حبي فيكي»... هذه بعض الجمل من أغنية للمغني المصري تامر حسني اسمها «سي السيد»، وهي تلخيص للصورة الذهنية التي اختارها المغني الشاب لنفسه ولعلاقته بالمرأة وتصوره عنها، ورسّخها في مجمل أفلامه وأغانيه. الشاب القوي مفتول العضلات (برغم قصر قامته!)، قادر وراغب في حماية حبيبته بشرط انصياعها التام لرغباته وإرادته، من منطلق أنه الأقدر على الفهم والحكم واتخاذ القرار، وهي مقومات تتأتى من ذكورته بشكل أساسي، وليس من أي إثبات عملي أو تجربة.
هذه الحالة نفسها يمثلها المشير السيسي في علاقته بمصر وشعبها وتصوره عنهما. وكما تطل علينا صورة عضلات تامر حسني فاتحاً قميصه، تطل علينا صورة المشير السيسي وهو يجري بقوة بين جنوده. وفي الحالتين تمتزج هذه القوة المزعومة مع كثير من الحنان الشكلي، سواء في طبقات الصوت أو مفردات أغاني الأول وخطب الثاني. مفردات خطاب المشير وما يمثله لا تختلف كثيراً عن الصورة التي يقدمها تامر حسني، وهي تنبع من تصور أبوي- ذكوري لعلاقة الرجل بالمرأة، أو الحاكم بالشعب. «إنتم مش عارفين إنكم نور عينينا ولا إيه»، «قبل إنتو ما تتألموا إحنا نموت الأول»، «نحن على الحق المبين»، «أوعي يتهيألك إن اللي أنت بتشوفه ده ممكن يهز مصر»، «خلي بالكم إحنا ما بنخافش أبداً»، «الأسد ما بياكلش ولاده»... هذه مقتطفات من خطابات المشير السيسي للأمة، يلقيها بصوت متهدج وبحنان بالغ، ويكرر فيها الجمل العاطفية أكثر من مرة، ويوجه فيها كلامه لما يسميه «الشعب»، وهم من يتمايز عن الإرهابيين، وفي القلب منهم توجد النساء أو «الست المصرية» كما يشير إليها السيسي.

ثنائية محكمة الاقفال

وكما لدى تامر حسني، حيث هناك نمط محدد لماهية المرأة، وما يجب أن تكون عليه من قبول وانصياع لأوامر الشريك حتى تكون مقبولة ومستحقة لحبه، ففي الحالة الثانية (علاقة الحاكم بالشعب) هناك تصور وترسيم لحدود فاصلة بين المواطنين الشرفاء الذين يحبون بلدهم ويدعمون النظام، وهؤلاء تجب حمايتهم ويتلقون حنان المشير، من عداهم أي الإرهابيون الذين يسعون لتخريب الوطن و«هز مصر». في هذه الثنائية، لا يوجد مكان لمجموعات أخرى من المواطنين ممكن أن تكون معارضة للسلطة والنظام الحاكم، ولكنها ليست إرهابية، ويبقى ولاءها للوطن برغم اختلاف قناعاتها. بهذا المعنى، تكون المواطَنة ليست حقاً لمن حمل جنسية هذا البلد، وإنما هي حكر فقط على من يحدد النظام، أنهم «مواطنون» تبعاً لخطهم السياسي.
وفي الحالتين فإن العلاقة بين الرجل (تامر) والمرأة، أو بين الشعب والقائد (المشير) هي علاقة أبوية وليست ندية. فهي ليست علاقة شراكة ولكن علاقة بين طرفين أحدهما يملك سلطة مطلقة بسبب نوعه (كونه ذكراً) أو وظيفته (انتماؤه إلى المؤسسة العسكرية)، والآخر لا يملك أية حقوق إلا ما يسبغه عليه الطرف الأقوى. ففي مقابل الانصياع التام يأتي استحقاق العطف والحنو والحماية. هذه التراتبية في العلاقة يؤكدها المشير السيسي في جميع خطاباته، حينما يتحدث عن الجيش أو عن شخصه في مقابل عموم المصريين، «الجيش لن يترك مصر»، «تقلقوا لما الجيش ما يكونش معكم»...إلخ. وكأن الجيش والمشير ليسا ضمن جموع المصريين، بل فصيل منفصل بذاته، وهو بذلك أعلى وأهم.

ومن الحب ما قتل

هذا الامتياز في العلاقة لا يتأتى للطرف الأقوى بسبب أي إنجاز ولا يرى أن عليه أن يثبته. فلا تامر يقول لنا ما هي المقومات التي تعطيه حق إن «اللي يقوله تمشي عليه» حبيبته، ولا المشير قال لنا لماذا كان على المصريين (الشرفاء) أن يفوضوه هو شخصياً - وليس الدولة أو حتى المؤسسة العسكرية التي يتبعها- لمحاربة الإرهاب. وكأن هناك شيئاً ما «طبيعي» يجعل منهما مستحقين لهذه الميزة النسبية في علاقتهما بالحبيبة أو بالوطن/الشعب.
ولترسيخ هذه العلاقة يأتي دائما «الحب» كمبرر للقمع. فنحن «نور عينين» المشير كما أن حبيبة تامر حسني «تملك مفتاح قلبه». ولكن كوننا نور عينين المشير لا يمنعه من تشكيل نظام يقتل بعض المصريين أو يعذبهم في السجون، وحب تامر لا يمنعه من إهانة حبيبته. بل على العكس، فهذا واجب القائد كما هو واجب الحبيب الذكر: أن يؤدب الطرف الآخر من أجل «مصلحته» لأنه الأقدر على تحديدها وتعريفها. لا يملك أحد أن يشكك في حب تامر لامرأته أو المشير لمصر، ولكن تبقى المقولة الشهيرة «ومن الحب ما قتل»، ليس فقط كتعبير مجازي، ولكن كواقع مؤلم.
وعلى الرغم من سيطرة هذا الشكل من العلاقة على المخيلة العامة، سواء بتجسيد تامر لعلاقته بالمرأة أو المشير لعلاقته بمصر، تظهر أنماط جديدة لإعادة رسم هذه العلاقات، فنسمع دينا الوديدي وفريق كاريوكي، ودنيا مسعود وآخرين يعيدون تشكيل الصورة لتبقى الحرية والندية في علاقة الرجل والمرأة، كما في علاقة الحاكم بالمحكوم، كجزء أساسي من أغانيهم. ونرى صعودهم من الهامش لتتوسع دائرة جمهورهم، كمؤشر على جيل جديد يرفض علاقات التبعية بصورها كافة. هذا الجيل الذي تفجرت أحلامه مع الثورة لن يرضى بإعادة تأسيس علاقات الغابة في الحكم، ليكون على رأسه «أسد»، ولكن سينتج حكامه وركائز حكمه التي تتوافق مع أحلامه... حتى وإن أخذ ذلك بعض الوقت.