يفِد آلافُ المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء الكبرى إلى الجزائر سنويا، منهم من هي وجهةُ سفره النهائيةُ، ومنهم من يعدُّها "بلد عبور" نحو أوروبا وشمال أميركا، ومنهم من تقطعت به السبلُ فيها وهو في طريقه إلى بلد آخر. وتستقر نسبة كبيرة منهم في كبرى مدن الجنوب كتامنراست وجانت وعين صالح وأدرار، يجذبهم إلى هذه المدن الصحراوية قربُها النسبي الى بلدانهم مقارنة بمدن الشمال، ووجودُ تقاليد هجرة إقليمية موسمية إليها، وما تعرفه من حراك اقتصادي بفضل استثمارات عمومية معتبرة (حوالي 30 مليار دولار من 1999 إلى 2012 حسب الأرقام الحكومية).
كيف تعالج الصحافة الجزائرية ظاهرةَ هجرة مواطني بلدان جنوب الصحراء إلى الجزائر وهل هي في تطرقها إليها وفيةٌ لمبادئ المهنة إن تعذر عليها الوفاءُ لمبادئ سياسة البلاد "الإفريقية" المبنية على "توطيد العلاقات مع دول الجوار"؟ هذا ملخّصُ دراسة صدرت بالفرنسية في كتاب "الدول المغاربية والهجرات الجنوب- صحراوية"، تناولنا فيها بالتحليل 44 مقالا نشرت ما بين آذار/مارس 2008 وتشرين الاول/أكتوبر 2009 في 4 صحف يومية، اثنتان منها ناطقتان بالعربية ("الشروق" و"الخبر") واثنتان أخريان ناطقتان بالفرنسية ("الوطن" و"ليكسبرسيون"). هذه المصادر، وإن كانت تعود إلى بضع سنوات خلت، إلا أنها ما زالت تمتلك كل

راهنيتها، بل لعله لا يجافي الحقيقة القول أن سماتها المدروسة هنا قد تعززت في السنوات القليلة الماضية.

 

نفي الواقع: "المهاجرون عابرو سبيل"

 

يلفت النظرَ في المادة المدروسة أن عبارةَ "جنوب الصحراء" وكلمة "جنوب - صحراوي" لم تردا سوى 11 مرة فيما وردت كلمتا "إفريقي" و"أفارقة" 124 مرة، ما يعني أن "إفريقيا"، في تصوّر كثير من الصحفيين الجزائريين المهتمين بشؤون الهجرة، لا تشمل ما كان بعض المؤرخين يسميه "إفريقيا البيضاء" أي الشمالية.
وتقدِّم معظم المقالات الهجرات الجنوب - صحراوية على أنها كلها هجراتٌ "سرّية" و"غيرُ شرعية"، ما ليس بحقيقي. لا ذكر فيها مثلا لاتفاقية تربط الجزائر بجارتها مالي ويُعفى بموجبها مواطنو هذه الدولة من شرطِ الحصول على تأشيرة لدخول التراب الجزائري ما لم تتجاوز مدة إقامتهم 3 شهور. ويزداد عدمُ الإشارة إلى هذه الاتفاقية غرابةً عندما نعرف أن هذه التسهيلات تفسّر ظاهرةً تتطرق إليها الصحافة دون أن تحاول معرفة أسبابها، وهي عبورُ كثير من المهاجرين الجنوب صحراويين حدودَ البلاد بجوازات مالية مزيفة.
ويصوّر 33 مقالا من أصل 44 الجزائرَ في صورة "بلد عبور" نحو أوروبا، والحقيقةُ أن المعطيات المتوفّرةَ - وإن كانت قليلة بل نادرة – تشير إلى أنها أصبحت "بلد استقبال" لقسم لا بأس به من المهاجرين الجنوب - صحراويين (57 بالمئة حسب بعض الدراسات، وهي نسبة ربما ارتفعت في السنوات الأخيرة نظرا إلى تشديد الرقابة على حدود الاتحاد الأوروبي الجنوبية). هذا فضلا عن أن كثيرا من حاملي جنسية مالي وجنسية النيجر يأتون إليها منذ عقود بحثا عن عمل موسمي أو هربا من الاضطرابات التي يشهدها هذان البلدان، خصوصا منذ مطلع التسعينيات (التمرد الطوارقي).

 

"إيقاف 7 أشخاص منهم 3 أفارقة و...عنصران خطران"

 

ويتّضح من هذه الدراسة أن أكثر من ثلاثة أرباع المقالات، بشكل أو بآخر، تصوِّر المهاجرين الجنوب-صحراويين خطرا داهما متنقلا، ما يوحي بوجود "إجماع وطني" بين وسائل الإعلام والسلطات على "مخاطر" هجرتهم و"آثارها الوخيمة" أمنيّا وصحيّا بل أخلاقيّا أيضا.
وتستعمل 8 مقالات في حديثها عن مواطني دول جنوب الصحراء المقيمين في الجزائر مفردات صريحة المعنى من قبيل "خطر" و"تهديد". في "ليكسبرسيون" (31 ديسمبر 2008)، مثلا، نقرأ أن "عددهم يتزايد من يوم إلى آخر وكذلك مستوى خطرهم"، فيما تفصّل "الشروق" (29 سبتمبر 2008) بنبرة شبه حربية الآفات التي تتهمهم بالتسبب فيها: "تحولوا إلى قطّاع طرق ورجال أعمال وهميين يحترفون النصب والاحتيال: آلاف الأفارقة "الحرّاڤة" (أي المهاجرين السريين) يستوردون الأوبئة والشعوذة والدعارة". " أما في "الخبر"، فنكتشف أن كلمة "أفارقة"، بكل بساطة، مرادفةٌ لكلمة "مجرمين" ("أوقفت مصالح أمن ولاية تبسّة 7 أشخاص بينهم 3 أفارقة وعنصران خطيران"، عدد 28 أبريل 2009) وأن وجود مهاجر "إفريقي" في مكان ما يؤدي إلى تكدير السلام وإثارة البلبلة بين المواطنين ("مشادّات بين السكان المحليين والأمن بسبب المهاجرين الأفارقة"، عدد 26 مارس 2009).

 

"تهديد" حقيقي أو... محتمل

 

معظم الأوصاف التي يوصف بها مواطنو دول جنوب الصحراء المقيمون في الجزائر سلبيةٌ، فهم في 6 مقالات من أصل 44 أعضاء في شبكات دعارة وفي 8 مهرّبو سلاح وفي 8 نصّابون (تصف "ليكسبرسيون"، عدد 10 أغسطس 2009، "بالخدعة الافريقية" عمليةَ احتيال على الأنترنيت منتشرة عالميا) و في 11 مقالا مهرّبو مخدرات (تتحدث "الخبر" في عدد 29 مارس 2009 عن "استثمارات افريقية" في هذا الصنف من التهريب).
ومن المدهش حقّا ألا يستعمل معظمُ الصحافيين إطلاقا المادّة المتوفرة عن مسألة الهجرة سواء تلك التي تقدمها الهيئات الدولية أو تلك التي يمكنهم الحصول عليها لدى هيئات مختصة عاملة في الجزائر. في مقال "للشروق"(29 سبتمبر 2008) يستعمل الصحافي وهو يسرد المهن التي يمارسها "الأفارقة" في مدينة أدرار مفرداتٍ غائمةً كـ"الأغلبية" والباقي"، مستندا إلى حدسه الإحصائي المرهف لا إلى الدراسات المنشورة عن الموضوع. يقول: "جلُّهم يمتهنون حرفة الاسكافي والبعض الآخر يشتغلون في مهنة الفلاحة في الواحات والمستصلحات الفلاحية بالقصور والمناطق النائية، والبقية تتسكع في الشوارع بحثا عن العمل أو التسول أو السرقة وقطع الطريق (...)، كما أن غالبية النساء المهاجرات غير الشرعيات يمارسن الدعارة والشعوذة قصد التكسب". ومن جانبها، تعدّد "ليكسبرسيون" (2 أغسطس 2008) لقرائها دون ذكر أي مصدر كان "آثارَ الهجرة غير الشرعية الوخيمة على الصحة العمومية، من خلال انتشار أمراض بعينها كالسيدا" وتؤكد أن "أجهزة الأمن أثبت أن لهذه الظاهرة صلة بأشكال أخرى من الجريمة وبالإرهاب". حتى "الوطن"، وهي من الصحف النادرة التي نددت "بالعنصرية العادية" ضد السود، لم تسلم من هذا الإجماع العدواني فكتبت (في 9 أكتوبر 2008) أن "الهجرة غير الشرعية كثيرا ما تتلازم بأشكال أخرى من الجريمة كالتهريب وتهريب المخدرات والسلاح والتزوير" وأن "النشاط الرئيسي لأغلب المهاجرين السريين هو النصب وتزوير العملات".

 

مأساة بشرية أم مشكل صحة عمومية؟

 

وتبلغ العنصرية أوجَها عندما يُصوّر المهاجرون بشكل يفقدهم آدميتَهم. نقرأ مثلا في "الشروق" (17 يوليو 2009): "جزائريون يُؤوون مهاجرين سرّيين مقابل 5000 دينار للرأس" وفي "الخبر" (26 مارس 2009) :" مشاكلُ عنف أدّت إلى مقتل أربعة أفارقة بسبب ''تفريغ'' مئات المهاجرين السريين بالمنطقة". كذلك لا تعاطف معهم حتى وهم موتى فارقوا الحياة. تكتب "الخبر" (28 يوليو 2009) "بموضوعية" شديدة تناقض حميتَها وهي تحذر من "مخاطر الهجرة السرية": "عثرت كتيبة الدرك الوطني بدائرة جانت على جثث لخمسة أشخاص من أصول إفريقية تم اكتشافها في وضعية متقدمة جدا من التعفن"، في حين تتطرق "الشروق" (28 أكوبر 2008) إلى وفاة بعضهم في كارثة طبيعية من زاوية كونها لا مأساة بشرية محزنة بل مشكلة صحة عمومية: "وقد أعلن أطباء من المؤسسة الاستشفائية بغرداية أن كمية معتبرة من مادة الكلور المطهر قد نقلت إلى مكان العمليات بالمناطق المنكوبة قصد تجنب الردود البيئية للكارثة مع إعطاء التعليمات الصارمة لجميع الأطقم العاملة (...) بضرورة عدم السماح لتنقلات الأفراد داخل المحيط المعني بالبحث عن هؤلاء الهالكين وتجنيب المنطقة كارثة ايكولوجية حقيقية".

 

الهجرة كمسألة أمنية

 

ويلاحَظ أن المعنيين بالأمر، أي المهاجرين أنفسهَم، قلّما تُعطى لهم الكلمة كي يُبدوا رأيَهم فيما يروج عنهم من خطابات (4 مقالات لا غير من أصل 44)، وأن الباحثين وأعضاءَ المنظمات غير الحكومية المختصة لا يحظون إلا نادرا باهتمام الصحفيين. أبلغ مثال على ذلك المقالات التي تطرقت إلى التصويت على قانون 25 يونيو 2008 المحدِّد "لشروط دخول الأجانب إلى الجزائر و إقامتهم وتنقلهم فيها" إذ اقتصرت على ترديد حجج الحكومة ولم تدعُ إلى التعليق عليه لا المهاجرين ولا أعضاءَ الجمعيات ومراكز البحث العاملة في مجال الهجرة بالرغم من أنه شدد عقوبات الإقامة غير الشرعية وأعطى الولاة حق احتجاز المهاجرين "غير القانونيين" دون إذن قضائي في "مراكز انتظار"، وما إلى ذلك من الإجراءات القمعية.



يجب التنويه، أخيرا، بأن بعضَ المقالات لا تكلف نفسها أصلا مشقة ذكر مصادرها، فيما تنحصر مصادر بعضها الآخر في الهيئات الرسمية، خصوصا مصالح الأمن. ويجعل تصويرُ مسألة الهجرة الجنوب-صحراوية كمسألة أمن بحتة بعضَ الكتابات شديدة الشبه ببيانات شرطة لا ينقصها سوى الإمضاءِ والختم، ويترتب عنه إهمالُ معطيات رسمية مهمة لا لشيء سوى أنها غيرُ ذات طابع أمني، ونذكر منها، على سبيل المثال، أرقامَ الإحصاء العام لسنة 2008 الذي كشف أن عددَ الأجانب المقيمين في البلاد من كل الجنسيات لا يتعدى 95 ألفا من أصل 36 مليون ساكن.

* كتاب مشترك لمؤسسة "فريديريش إبيرت"، تونس، 2011