كان لفيلم "المهاجر" للمخرج الراحل يوسف شاهين أعداء كثيرون، أبرزهم بالطبع الأزهر الذي رفض تجسيد شخصية النبي يوسف. ولكن كان هناك المثقفون العلمانيون من ذوي النزوع القومي أيضاً. تساءل هؤلاء وقتها: من هذا الإسرائيلي – النبي يوسف – الذي أتى ليعلم المصريين الزراعة؟
الحديث بالطبع عن قصة توراتية وقرآنية حدثت قبل الصراع العربي الإسرائيلي بألفي عام على الأقل. ولكن لأن العداءات الحديثة يتم إسقاطها على التاريخ والذاكرة، فقد تم العثور على هذه الحجة: الإسرائيليون أهل رعي والمصريون أهل زراعة. هم ليسوا مثلنا، هم بدو ونحن أبناء الأرض. هم رعاة غنم ونحن دولة مركزية متحضرة.
المنطق الحضاري نفسه، منطق الدولة الزراعية المركزية في مقابل رعاة الغنم، يسري على أهل الخليج أيضاً. دائما ما رأى المثقفون المصريون التشدد الإسلامي في المجتمع بوصفه ناتجاً عن هجرة المصريين إلى دول الخليج. دوما ما تقال هذه المعلومة بمرارة: نحن علمناهم – في إشارة إلى هجرة المدرسين المصريين إلى دول الخليج - وهم يصدرون لنا التطرف والبداوة والوهابية. أصحاب هذا المنطق الآن يمرون بواحدة من أتعس لحظاتهم بالمناسبة. هم مطالبون الآن بالنظر إلى السعودية بوصفها نبع الخير، وليس نبع الشر كما قيل كثيراً. يقول مصطفى بكري الصحفي ذو الاتجاه الناصري عن المعونات التي وعدت السعودية بتقديمها إلى مصر بعد 30 يونيو إن هذه هي القومية العربية الحقيقية.

****
في كل هذا الحلف المقام بين المثقفين – من ذوي التوجه القومي العروبي – وبين السلطة العسكرية الجديدة، يسترعي الانتباه تناقض منطقي. كيف يصمت العروبيون على الخطاب الجديد في مصر الذي يصْم الفلسطينيين بالخيانة، وكيف لا تصدر إدانة قوية منهم ضد تصرفات الشرطة تجاه اللاجئين السوريين مثلاً؟ ألا يفترض بهم الدفاع عن "أشقائهم العرب"؟ والسؤال بشكل أوضح: لماذا أصبحت الفكرة القومية العروبية في مصر وكأنها مرادف للوطنية المصرية؟
الفكرة ليست شيئاً مجرداً، بل تتطور وفق السياقات، شتان مثلا بين الداعين للقومية العربية في أوائل القرن العشرين، وكانوا في الغالب مسيحيين شوام، وكان التحرر من ربقة تركيا العثمانية هو شغلهم الشاغل، وبين تطور الفكرة لتتوجه ضد إسرائيل والاستعمار الغربي في الخمسينيات فصاعداً، ثم، في تطورها الأخير في مصر، لتتصالح تماما مع الخطاب التحريضي ضد الفلسطينيين والسوريين، أي "العرب"، ويغيب موضوع إسرائيل عن أفكارها تماماً. التطور الأخير هو ما يعنينا هنا.
بداية، يعي الجميع أنه لم يكن ممكناً لفكرة القومية العربية أن تأخذ دفعة بدون عبد الناصر، البطل الملحمي الذي حارب الإمبريالية وأسس نوعاً، قد يكون مخففاً ولكنه موجود، من العدالة الاجتماعية، كما أسس دولة مصرية قوامها الجيش. لسبب ما، ظل هذا المنجز الأخير هو الأكثر إلهاماً للقوميين والناصريين في مصر، لدرجة أنه يتم الآن النظر إلى سائر الشعارات الناصرية، كمحاربة إسرائيل والعدالة الاجتماعية، وغيرهما، بوصفها مجرد رطانة مثالية، أما تأسيس منظومة الدولة البيروقراطية، وتأسيس الجيش "الوطني"، فيبدو هو الإنجاز العملي والحقيقي والملموس.
لا يعني هذا أن الفكرة القومية، في طبعتها المصرية، قد توقفت طيلة العقود السابقة عن استلهام شعارات التحرر الوطني، والعداء لإسرائيل، والوحدة العربية. بالعكس تماماً، لقد ظلت تستلهمها بقوة، ولكن السؤال الأهم هو كيف تم التعبير عن مجموعة الأفكار هذه؟

****
في عام 1978 بدأ نشر مجموعة القصص البوليسية التي أخذت عنوان "الشياطين ال13" لكاتبها محمود سالم. صدرت الأعداد العشرة الأولى في لبنان ثم انتقلت إلى مصر بعد اندلاع الحرب في لبنان. الأبطال في المجموعة كما يعرف الجميع، كانوا 13، كل من بلد عربي مختلف. هناك قائد سري لا يعرف حقيقته أحد، ولكن القائد المعلن لمجموعة الـ13 كان أحمد المصري. هذه حقيقة تبدو بديهية في أذهان الجميع، فإن كانت هناك وحدة عربية، فمن يقوم بدور القيادة سوى مصر، الشقيقة الكبرى؟ يبدو هذا بديهياً. السبب قد يكون تاريخياً بالمناسبة، أي ارتباط القومية العربية بعبد الناصر بشكل لا فكاك منه. ربما لهذا كان من الصعب على الكثيرين تخيل هوية عربية موحدة بدون قيادة مصر. كان هذا عنصراً مشتركاً بين الناصريين والساداتيين في مصر، فبينما يرى الناصريون ألا إمكانية لتحقيق وحدة عربية بدون أن يكون لمصر الدور المركزي، يرى الساداتيون أن السادات عرض على الفلسطينيين استرداد أرضهم كاملة ولكن الفلسطينيين رفضوا، ولذا فهم يستحقون ما يحدث لهم. منطق "مصر قبل الجميع"، وعلى الرغم من كونه قد رُفع في مواجهة منطق "الوحدة العربية"، كان منطقاً مهيمناً على الجميع.

****
يتم في الخيال الشعبي استحضار حلقتي الصراع مع إسرائيل، 1967 و1973، بوصفهما شأنا بين مصر وإسرائيل. احتلت إسرائيل سيناء ثم حررتها مصر. لا يتم استدعاء الفلسطينيين في ملحمة الصراع العربي الإسرائيلي كما يراها أغلب القوميين المصريين، ونكبة 1948 لا تذكر إلا قليلاً. في رواية "رأفت الهجان" للكاتب صالح مرسي، وهو الكاتب الذي يستحيل التشكيك في عدائه لإسرائيل، نرى البطل المصري يعيش في تل أبيب عشرين عاماً ولا يرى – ولا نرى معه - فلسطينياً واحداً.
أفلام التسعينيات، وخاصة تلك المنشغلة بالتطبيع مع إسرائيل،  تحوي تيمة أخرى. في هذه الأفلام والأعمال الدرامية، مثلا: "الحب في طابا" و"فتاة من إسرائيل" وغيرها أيضاً، ينجرف أحد الأبطال المصريين ليصادق فتاة إسرائيلية. يحذره والداه من تجاهل ميراث الدم بيننا وبين الإسرائيليين. مما يتكون ميراث الدم؟ يتكون من شهداء الجيش المصري. دائماً هم شهداء الجيش المصري، الجنود والضباط. في كل أسرة يوجد قريب شهيد كان يخدم في الحرب وقتله الإسرائيليون. الفلسطينيون غير موجودين كجزء من القصة.
ما بين التسعينيات والألفينيات، كانت هناك موجة أخرى من الأفلام ذات الانحياز العروبي، قادها كاتب الأغاني والسيناريست مدحت العدل. نلمح في الكثير من أفلامه إشارات للعدو الإسرائيلي، وإشارات حول ضرورة الوحدة العربية. في "همام في أمستردام" مثلا، يظهر البطل الشرير الذي يحاول إيذاء البطل المصري الطيب "محمد هنيدي"، يبدو شره غريباً وغير مبرر إلى أن نعرف أن اسمه يودا وأنه إسرائيلي. وفي فيلم "شورت وفانلة وكاب" نرى اجتماعا هزليا للقمة العربية لا يتفق فيه العرب على شيء، وفي "عندليب الدقي"، يقرر البطل إلغاء العقد بينه وبين الشركة الأجنبية لأن مجلس إدارتها يضم إسرائيليا ودانماركياً، الأول يقتل إخوتنا والثاني سبّ الرسول.  مع كل هذا، يظهر الفلسطيني مرة واحدة في أفلامه، في أعقاب العمليات الاستشهادية التي حدثت رداً على قمع انتفاضة الأقصى في الألفينيات. في فيلم "أصحاب ولا بيزنس"، المعروض عام 2001، نرى الفلسطيني وهو يقوم بدور الشهيد ذي الحطة. لم يكن البطل، ولكن وجوده كان كافياً لإضفاء بعض "المعنى" على الفيلم التجاري، وكان استجابة للرأي العام في الشارع السياسي وقتها. كان هذا استثناء نادراً.
مدحت العدل أيضاً هو كاتب أوبريت "الحلم العربي"، ذي النزعة العروبية الوحدوية الواضحة. يستضيف التليفزيون المصري وقتها صناع الأوبريت. تقول المذيعة للعدل إن الرئيس مبارك دائماً ما ينادي بالسلام (وهو ما كان يعني وقتها السلام مع إسرائيل) فيرد على منطقها بمنطق آخر. يذكّرها بأن الرئيس مبارك أيضاً دائما ما ينادي بالوحدة العربية. هكذا يقف المنطقان أمام بعضهما، منطق كامب ديفيد والمنطق المعادي لكامب ديفيد، وكل منهما لا يجادل حول مبارك، بالعكس، هو البطاقة الشرعية التي يستخدمها المنطقين.
فيلم آخر يعنى بالصراع المصري الإسرائيلي هو فيلم "أولاد العم"، والذي كتبه عمرو سمير عاطف وأنتج عام 2009. يسافر بطل المخابرات المصري إلى إسرائيل ليحرر امرأة مصرية من زوجها ضابط الموساد الذي يختطفها هناك. تعاونه فتاة فلسطينية. المعلومات بخصوص الفتاة في الفيلم، وبخصوص الفلسطينيين عموما، متضاربة، هي تم تهجيرها من الضفة الغربية مثلا ولكنها تمتلك شقة في تل أبيب! يوجه لها الضابط المصري التعليمات طول الوقت، لا تسمعه جيداً. تسأله: "إيش؟" فيجيبها بسخرية: "مش وقت إيش خالص". الجملة التي يقولها الممثل كريم عبد العزيز بخفة ظل هي جملة مضحكة. من أين تنبع قدرتها على الإضحاك؟ من كون البطلة الفلسطينية، وأثناء لحظات الأكشن والخطر، مشغولة بالتحذلق والحديث باللهجة الفلسطينية.
****
العرب أمة واحدة ومصر هي القائدة. هذا قد يبدو بديهياً ولكنه ليس كذلك. تعلمنا  ثورات الربيع العربي عدة دروس، أولها أنه قد يكون هناك إحساس ما بهوية تجمع بين العرب، بحيث تتأثر شعوب المنطقة العربية ببعضها، ثانيها، أن هذا الإحساس لا يأتي بالضرورة برعاية الأنظمة، بل قد يكون موجهاً ضدها بالأساس، وثالثها، إنه برغم أن الثورة المصرية قد حازت أعلى نسبة مشاهدة ومتابعة إعلامية، ولكن الثورة المصرية نفسها قد تأثرت بالثورة في تونس. أي أنه يمكننا أن نجد صيغ كثيرة تترجم إحساس الأفراد العرب بـ"الشيء" الذي يجمعهم، بعيداً عن إشراف الأنظمة وبعيداً عن صيغة "مصر قبل الجميع".
ولكن لأن الصيغة القومية الشائعة في مصر هي تلك المذكورة، تبدو المسافة قصيرة من العرب الذين يقومون بدور التابع إلى العرب الذين يقومون بدور العدو. سيدهش أي زائر لمصر عندما يجد أناساً كثيرين للغاية، يتحدثون بريبة شديدة عن الإسرائيليين وعن الفلسطينيين في الوقت ذاته، يتغنون بعبد الناصر البطل الذي أتى السيسي على غراره، ويصفون السادات بالداهية الذي تنكر له "العرب" فاستحقوا ما يحدث لهم.
ولهذا كله، لا يبدو غريباً الآن أن الخطاب القومي المصري المنشغل بتمجيد الجيش، (وبين الحين والآخر يدين تفجيرات خط الغاز الذي يصل إلى إسرائيل)، ينظر إلى الفلسطينيين والسوريين بلامبالاة تامة، إن لم يكن بتوجس أيضاً.