جلس الناس مع بعضهم وقرروا أنهم في مركب واحد. هناك أحد احتمالين: إما أن يتوقفوا عن التفاهات وينتبهوا للبلد التي تضيع، أو لا يتوقفوا عنها في انتظار ضياع البلد. وقرروا ألا يتوقفوا عنها وأن ينتظروا ضياع البلد.
حدث هذا في عام 2020. بفندق فيرمونت بالقاهرة. أحد ممثلي قوى المعارضة كان عنيفاً، صرخ: إلى متى سنلعب بينما تضيع البلد. فقال له رئيس الوزراء، حتى تضيع البلد. وهكذا تمت إخراس حجة المعارضة.
كانت جملة رئيس الوزراء الميثاق الذي سارت عليه البلد حتى لحظتنا هذه، سنظل نلعب حتى تضيع البلد. ومن ساعتها عرفنا الهدف من هذه الحياة. أن نهتم بالتفاهات، أن نستسلم للقدر.
استسلمنا للقدر. قررت النخب السياسية ألا تشغل نفسها بالصراع حول مستقبل البلد، ولكن كانت هناك مشكلة، فشباب كثيرون لا يريدون الاستسلام للقدر. وثار سؤال فلسفي: هل وجود شباب لا يريدون الاستسلام للقدر هو جزء من القدر أم لا؟
تم الاتفاق على أن هؤلاء الشباب هم جزء من القدر، لأنه حتى لو لم يتم الاتفاق على هذا، فهم فعلا جزء من القدر. علينا أن نستسلم لهم. تمت تسمية العشرين عاماً التي تلت 2020 بعقدي انتشار الماسونية. تم تعميم اسم «ماسوني»، على كل من يطيل شعره، على كل من يلعب موسيقى «هيفي ميتال»، على كل من يكتب أدباً أو يعمل في الصحافة، على الناشطين السياسيين والحقوقيين والجندريين. تم تعميم اسم الماسونيين على كل هؤلاء. وبالنتيجة، تخلصت كلمة «ماسونية» من حمولتها السلبية. قام هؤلاء الشباب بتظاهرات احتجاجية كثيرة، ثم عادوا لبيوتهم.
والمخدرات: انتشرت المخدرات في مصر انتشارا غير مسبوق، طبعا الحشيش والأفيون وسائر المخدرات اللطيفة، والتي تم تقنينها في العام 2022، في إطار حملة الاستسلام للقدر، بالإضافة للكوكايين والهيروين والإكستاسي. كانت هذه هي أزهى عصور الحرية الاجتماعية، والحجاب الذي ارتدته الفتيات على مدار عشرين عاما، من سبعينيات لتسعينيات القرن الماضي، عُدْن وخلعنه على مدار عشرين عاما، من عشرينيات لأربعينيات القرن الحالي. العلاقات الجنسية الحرة انتشرت بشكل غير مسبوق. تصالح المجتمع معها في إطار استسلامه للقدر.
لم تتغير الحكومة بالمناسبة، نعيش في ظل حكم عسكري، صحيح فاشل ومهترئ، ولكنه ما زال حكماً عسكرياً. توازى ذلك مع تزايد نفوذ ميليشيات الإخوان المسلحة المتحالفة مع القاعدة وأنصار بيت المقدس. ميليشيات الإخوان جزء من اللعبة السياسية، وهم طرف مهم في الحفاظ على التوازن في الحرب الإقليمية القائمة بين السعودية وقطر. استمرت الحرب بين الجيش المصري النظامي وبين ميليشيات الإخوان. وفي كل معركة يخسر كل منهما أكثر. أصبح الوضع في مصر شبيهاً بالوضع في لبنان منذ نصف قرن. قوى كثيرة تتصارع ولا أحد يحسم بينها. مؤسسة الأزهر خرجت بفتوى مفادها أن علينا العودة للإسلام الصحيح، حيث لا فرق بين جندي نظامي وبين إخواني إرهابي، وأن الإسلام الحقيقي لا يفرق بين العنف الإرهابي والعنف النظامي، ولا يفرق طبعاً بين سني وشيعي وماسوني. أنا شخصياً، كمثقف بارز، وقّعت منذ أيام على عريضة تطالب بوقف الاقتتال بين الجيش النظامي والإخوان. الأزهر كان هو من أصدر الوثيقة، والمثقفون طبعاً يثقون بالأزهر.
بمناسبة الشيعة: تزايدت أعدادهم كثيراً، حسينيات كثيرة تم بناؤها في البلد. ثم فجأة، في حوالي 2025، بدأوا يطالبون بحقوقهم. هذه المرة مدعومين بقوة عددية كبيرة. وبسبب أعدادهم، تم ضم حسينياتهم إلى وزارة الأوقاف. والأزهر بدأ يتصالح مع تاريخه الشيعي. حدث هذا على مدار سنوات طويلة. وفي كل مناسبة دينية يحرص التلفزيون المصري على تصوير فضيلة الشيخ مع سماحة السيد وهما يقبلان بعضهما البعض، ثم يبتسمان للشاب الماسوني الذي يصافحهما بدوره.
التلفزيون المصري ما زال موجوداً. السماء مكدسة بالقنوات الفضائية ومحطات الإنترنت التي تبث من أي مكان وإلى أي مكان، مليونا محطة إنترنت، أنشأها هواة ومحترفون، كل من بيته، لتبث إلى من يريدها. ولكن التلفزيون المصري، المعروف باسم ماسبيرو، ظل صامداً في مبناه على الكورنيش. يشاهده يومياً ما لا يزيد عن ثلاثين إنساناً، ولكنه صامد، صامد لأنه جزء من دستور 2035 القائم على مبادئ اجتماع 2020: سنظل كما نحن حتى تضيع البلد.
أزمة مرورية طاحنة اجتاحت البلاد في الأربعينيات. بدأ يتزحزح موقع الشحاذين، من كانوا يفترشون الأرصفة قبلها احتلوا الآن نهر الشارع. مجموعات كبيرة من الشحاذين تنام في عرض الشارع. فقط منذ خمس سنوات، صدر تشريع بإعفاء السائق الذي يدهس شحاذا من العقوبة. ولكن هذا احتاج تشريعاً إضافيا: كيف سيتم التمييز بين المواطن العادي والشحاذ، والشحاذ لا يحمل هوية. حدثت جدالات كثيرة بهدف تعريف من هو الشحاذ، وذلك حتى نشر مستشار قانوني مقالاً فند فيه الاهتمام بهذه القضية، وأدان محاولة إصدار تشريع جديد على اعتبار أن هذا يتناقض مع مبادئ اجتماع 2020 الذي كانت مادته الأساسية أننا سنظل كما نحن حتى تضيع البلد. وهكذا انتهت الأزمة المرورية وتوفي في عشر سنوات ما يزيد عن خمسة آلاف شحاذ، ممن هم عالة على الاقتصاد الوطني.
الآن، في عام 2054، ما زلنا ننتظر ضياع البلد. الأيام بطيئة. كل يوم يعدُونَنا بأن ضياع البلد قادم قريباً، ولا يحدث شيء. المزيد من الوعود والتمنيات ولا شيء يحدث على أرض الواقع.