بعد سنوات أربع من اشتعال الثورة في ليبيا والإطاحة بحكم معمر القذافي بمعاونة حاسمة من قبل حلف النّاتو، تبدو العواصم الغربية في حال مراجعة جدية لخياراتها في ليبيا وكيفية التعامل مع الوضع المتفجر هناك. وأهمية ليبيا تتمثل في قربها من السواحل الغربية لجنوب أوروبا، وبالتالي فعدم الاستقرار فيها يفتح الباب أمام تدفق المهاجرين، إضافة الى احتمال تمدد المجموعات المسلحة فيها، وبخاصة إذا وضع في الاعتبار ثروة ليبيا النفطية التي يمكن أن تشكل عاملا مؤثرا في الصراع من أجل السيطرة على الأوضاع هناك.
القلق الغربي والأوروبي تحديدا مما يمكن أن ينتهي اليه الوضع في ليبيا أدى الى مراجعات واضحة في كيفية التعاطي مع تلك الأزمة، وعلى رأسها الإشارات القوية الى ان الشرعية الانتخابية ليست الوسيلة الوحيدة للتعامل مع القوى السياسية. ولهذا بدأت العواصم الغربية تتواصل مع مجموعات "فجر ليبيا" المتهمة برفع السلاح بعد خسارتها انتخابات العام الماضي، وذلك على أساس الدفع للتوصل الى توافق وطني، لأن الصراع لا يمكن حسمه عسكرياً. بل ذهبت خطوة متقدمة برفض الاقتراح المصري المسنود من بعض دول المنطقة، مثل الامارات، والى حد ما السعودية والأردن، بأن يصدر مجلس الأمن قرارا يسمح بالتصدي العسكري للمجموعات الاسلامية وذلك على أساس انها امتداد لـ " الدولة الإسلامية". وبدلا من ذلك، تدعو العواصم الغربية الى

إعطاء الجهود الأممية الدعم اللازم لتأتي أكلها، بل لم يبد الديبلوماسيون الغربيون لدى الأمم المتحدة ترحيباً باقتراح رفع الحظر عن توريد السلاح لحكومة طبرق الشرعية وفرض حظر بحري على الموانئ التي تقع تحت سيطرة مجموعة "فجر ليبيا" الموجودة بصورة رئيسية في مدينتي طرابلس العاصمة ومصراتة. وعبَّر عدد من العواصم الغربية عن عدم رغبتها في تكرار التجربة المصرية مع الاخوان، وهي ترى انه من الأفضل استيعاب المجموعات الاسلامية في اطار عملية سياسية عامة لا الدفع بهم الى أحضان المتطرفين من أمثال داعش. ويبدو ان القاهرة فهمت الرسالة، اذ نقل عن مساعد وزير الخارجية المصري قوله إنه لا بديل عن الحل السياسي، على ان تمضي جهود محاربة الأرهاب بالتوازي مع الحوار..وكان لافتا للنظر ان هذا الموقف أدى الى تشجيع الرئيس السوداني عمر البشير على الانتقاد العلني للغارات الجوية المصرية على أساس انها ستعقِّدالمشكلة ولن توفر حلا.


اجتماعات بنَّاءة


فعقب اجتماعات أولية في ليبيا في العام الماضي، وأخرى في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف في الشهرين الأولين من هذا العام، شعر المبعوث الأممي الى ليبيا الديبلوماسي الأسباني بيرناندينو ليون بشيء من التفاؤل إثر الأجتماع الأخير الذي استضافته المغرب في الصخيرات مطلع هذا الشهر للمجموعات المتقاتلة في ليبيا لدرجة وصفه الاجتماع بالإيجابي والبناء، وهو تفاؤل شاركته فيه رئاسته في نيويورك التي قررت تمديد مهمته بأمل التوصل الى اتفاق بشأن حكومة توافق وطني وتحديد من يرأسها، مما يمكن أن يفتح الباب أمام معالجة الوضع الأمني وإشراك مختلف مكونات المجتمع الليبي القبلية والمناطقية في الحركة السياسية.
ومع ان حكومة طبرق تشعر انها في موقف قوي بسبب الاعتراف الدولي بها، وأن مجموعة "فجر ليبيا" ستجد نفسها عاجلا أو آجلا في مواجهة المتطرفين الاسلاميين، الا ان الطرفين يخشيان ان يشهد شهر آذار /مارس الحالي عدم قدرة المصرف المركزي على تقديم الدفعيات المالية النقدية التي تذهب الى المجموعتين وأتباعهما، وبرغم ان لليبيا استثمارات تحت إشراف صندوقه السيادي تقدر بنحو 60 مليار دولار، الى جانب استثمارات أخرى، الا ان السيولة المتوفرة لدى المصرف المركزي قد لا تغطي احتياجات البلاد بعد هذا الشهر.
أجتماع المغرب جاء بعد فترة شهدت تكثيفا للعمل العسكري الذي استهدف بصورة رئيسية المرافق النفطية، خاصة بعد سيطرة مجموعات الإسلاميين على حقلي مبروك والباهي مؤخراً. وموارد النفط تشكل عصب اقتصاد البلاد وموردها المالي الوحيد في الوقت الحالي، والسيطرة عليها تعني قوة للطرف المسيطر. ونتيجة للنشاط العسكري المكثف، فقد تأرجح الانتاج النفطي الليبي بين 250 ألف برميل يومياً ونحو 850 ألفاً مقابل 1.6 مليون برميل يومياً قبل أندلاع الثورة، وهو حاليا في حدود نصف مليون برميل. على ان تتالي الضربات العسكرية خاصة خلال الشهرين الماضيين أدى الى قيام مؤسسة النفط الوطنية الليبية بالاعلان عن عدم تمكنها من الوفاء بالتزاماتها التعاقدية مع زبائنها الأجانب في 11 حقلا. وشهد أواخر العام الماضي إغلاق ميناءي رأس لنوف والسدر، وعبرهما يمر نصف الإنتاج النفطي الليبي. أحد النتائج الكارثية لهذا الوضع هو قيام الشركات الأجنبية بإجلاء العاملين لديها خوفاً على سلامتهم، وهو ما يمكن أن يؤدي الى عدم القدرة على توريد كميات كافية من الخام الى المصافي المحلية ليتم تكريرها وتوفير الاحتياجات للاستهلاك من المواد النفطية المكررة. ومعروف ان ليبيا استقطبت مجموعة من الشركات الأميركية مثل كونوكو وفيليبس والإيطالية أيني والفرنسية توتال وغيرها. والاستمرار في تدهور الوضع الأمني، خاصة اذا صحبه وجود مؤكد لداعش في ليبيا، سيؤدي الى اضمحلال الاستثمارات في الصناعة النفطية وهو ما سيؤثر على وضع الإمدادات المستقبلي، كما حذرت الوكالة الدولية للطاقة.


قراءة مختلفة


الوضع المتدهور في كل من المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط يعتبر من العوامل الضاغطة باتجاه التوصل الى توافق وطني حتى يمكن لهاتين المؤسستين العمل على أسس مهنية ولمصلحة البلاد ككل وبدون الانحياز الى فصيل سياسي معين وقبل أن يبلغا مرحلة الانهيار الكامل.
الفترة الأخيرة شهدت كذلك البروز القوي لتنظيم الدولة الاسلامية حيث أعلنت بعض المجموعات الولاء لها مقدمة أوراق أعتمادها عبر إعدام 21 من المصريين الأقباط، وهي الحادثة التي دفعت بمصر الى القيام برد فعل عسكري تمثل في شن غارات جوية على مدينتي درنة وسرت.
العديد من من المحللين الغربيين رأوا في عملية مقتل الأقباط مؤشراً خطراً على انه ما لم يتم التوافق على اطار سياسي فإن حالة الفوضى والتفكك التي ستطال ليبيا ستفتح الباب أمام مجموعات يمكن أن ترتبط بداعش، ومن دون أن تكون البيئة الليبية حاضنة له. ذلك أن ظروف الفوضى وغياب الدولة المركزية يوفران إطاراً ملائماً لانطلاق داعش وتمدده، مستفيداً من تعاطف بعض المجموعات مثل أنصار الشريعة في بنغازي، ومن استقطاب بعض العناصر الأجنبية.
يتمحور الصراع في ليبيا، ظاهرياً على الاقل، تحت عنواني معسكري الإسلاميين والليبراليين، حيث للأخيرين حكومة معترف بها في طبرق، وللأولين قاعدتهم في مصراتة، وقد تمكنوا في صيف العام الماضي من السيطرة على العاصمة طرابلس وأقاموا لهم حكومة وبرلماناً لا يعترف بهما أحد، إلى جانب السيطرة على العديد من المؤسسات الحكومية مثل المصرف المركزي الذي لا يزال يدفع رواتب 1.7 مليون موظف من المؤيدين والمعارضين على السواء، وكذلك مؤسسة النفط الوطنية. الا انه، في واقع الأمر، فهو صراع تاريخي ومناطقي بين مختلف الأقاليم الليبية، وقد ساعد فيه ان الدول الغربية التي عاونت الثوار على الإطاحة بالقذافي لم تكترث للنقص الفادح في مؤسسات الدولة، خاصة أن عهد القذافي قضى على القليل الذي كان موجودا من تلك المؤسسات، الأمر الذي أدى الى بروز حالة من الفراغ المؤسساتي التي ملأتها المليشيات. كما ان مختلف المجموعات السياسية ومعظم قياداتها التي كانت تعيش في الخارج، لم تضع في أولوياتها بناء أجهزة الدولة وتقديم ذلك الهدف على مصالحها الفئوية، كما ركزت على ان المعيار الوحيد للسلطة هو الانتخابات. وخلال الأعوام الثلاثة الماضية شهدت ليبيا خمسة انتخابات على مستويات مختلفة، من البرلمان القومي والبلديات والمجالس المحلية والجمعية التأسيسية لوضع الدستور. لكن النظرة المدققة لنتائج الانتخابات لا تشير الى تغيير جذري في الثقل السياسي ولا الى خسارة الإسلاميين مثلما حدث في تونس مثلا.
مجموعة الأزمات الدولية أعدت تقريرا عن الوضع في ليبيا أشارت فيه الى أن حالة الانسداد الراهنة وعجز أي من الطرفين عن الحسم العسكري والتوافق المبدئي الذي شهدته اجتماعات الأمم المتحدة في جنيف، تتطلب تركيز الجهد على إنجاز الحل السياسي والديبلوماسي وهو ما يعني عدم التركيز على الشرعية الانتخابية كمعيار وحيد للأهلية، والتحدث الى القوى الاقليمية مثل مصر والامارات وقطر والسودان كي لا تتدخل في الصراع الجاري مناصرة لهذا الطرف أو ذاك، الى جانب الإبقاء على حظر السلاح ورفض دعوات الرفع الجزئي لهذا الحظر، الى جانب النظر في معاقبة بعض الأفراد أو الجهات التي تمثل عقبة أمام التسوية، والتركيز على بناء المؤسسات الوطنية مثل المصرف المركزي ومؤسسة النفط الوطنية لضمان حياديتها.
عقب إعلان تنظيم داعش عن قتله الأقباط وأن هدفه التالي إيطاليا، تتالت التغريدات الساخرة من بعض الإيطاليين الذين نصحوا داعش بألا يستقل القطار وإلا وصل متأخراً، أو انه إذا جاء إلى روما لوجد أن سوء الأداء الحكومي سبقه بالقضاء على كل شيء. ويبدو انه مع تعقيدات الوضع الليبي، فإن السخرية الإيطالية يمكن تطبيقها على الحل الذي تجتهد الأمم المتحدة لاستيلاده، وعما إذا كان الوقت قد فات عليه أم بقي شيء لإنقاذه بعد خراب السّنوات الأربع الماضية.