رافق إعلان الحكومة السعودية، في 26 آذار/مارس 2015، عن بدء العمليات العسكرية في اليمن تحت اسم "عاصفة الحزم"، حماس إعلامي بالغ في رسم الأهداف المباشرة لتلك العمليات، وتداعياتها الاستراتيجية. قيل وقتها إن بدء "عاصفة الحزم" يدشن تحولاً جديداً في الوضع الإقليمي يستند إلى "مبدأ سلمان" الذي يضع مسؤولية حماية الأمن على كتف الملك السعودي وبقية حكام الخليج، وخاصة شيوخ دولة الإمارات.

 

منظوران 

 

يختلف منظور كلٍ من الشريكيْن السعودي والإماراتي إلى الحرب اليمنية. فالسعودية خططت لتلك الحرب بهدف تدشين "العصر السعودي" الذي سيتولى قيادته ابن الملك سلمان، على رأس تحالف يضم عشرات الدول الإسلامية والعربية. وللسعودية أيضاً مصلحة استراتيجية مباشِرة في إبقاء اليمن ضمن نطاق نفوذها وحسابات أمنها القومي. فهناك من جهة الحدود البرية بين البلديْن والتي تمتد لأكثر من 1500 كيلومتر وتستخدمها شبكات تهريب البشر والأسلحة والمخدرات. ويشكِّل اليمنيون من جهة أخرى مخزوناً بشرياً لا تستغني عنه سوق العمل السعودية ولا قواتها المسلحة والأمنية. 
على عكس السعودية، لا تشكّل التقلبات السياسية في اليمن تهديداً مباشراً للإمارات. إلا إنها، كما

سيتبيّن لاحقاً، اعتبرت أن حرباً سريعة في اليمن ستوفر لها موقع الند في تعاملها مع السعودية عند اقتسام الغنيمة اليمنية، علاوة على فرصة تحسين شروط بقاء الدولة ومدِّ نفوذها الإقليمي سياسياً واقتصادياً. ولهذيْن السببيْن، وليس لبناء "الإمبراطورية" كما هو حال السعودية، كان شيوخ الإمارات أكثر حكام الخليج العربي حماساً للمشاركة في "التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وتتصدره القوات المسلحة الإماراتية" حسب خطابها الإعلامي.

 

حين اتضح أنّ "عاصفة الحزم" لم تتخذ المسار المرسوم لها، ولم تنته في أسبوع أو بضعة أسابيع كما كان مخططاً لها، اختلف قرار الشريكين

 

فبالإضافة إلى مشاركة الإمارات في الغارات الجوية، وفي فرض الحصار البحري على اليمن، تولّت أيضاً العبء الأكبر في شن العمليات البرية. وتمكنت قواتها العسكرية والكتائب اليمنية والأجنبية التابعة لها من السيطرة على مساحات واسعة من أراضي جنوب اليمن.  
وحين اتضح أنّ "عاصفة الحزم" لم تتخذ المسار المرسوم لها، ولم تنته في أسبوع أو بضعة أسابيع كما كان مخططاً، اختلف قرار الشريكين. فبعد أن تحوّلت حرب اليمن إلى حرب استنزاف لا نهاية لها، أعلنت الإمارات انتهاء عملياتها الحربية. إلا إن السعودية عجزت عن إيجاد مخرجٍ لها من الحرب العبثيةً سوى بتصعيد عملياتها العسكرية على الرغم من تزايد كلفتها المالية والسياسية والأخلاقية.    

 

للإمارات في اليمن مآرب أخرى 

 

لم تستمر الاندفاعة البرية للقوات الإماراتية بعد أن أحكمت سيطرتها على عددٍ من المواقع الاستراتيجية بما فيها ميناء عدن ومطارها. ففي منتصف حزيران/ يونيو 2016، فاجأت الإمارات المراقبين بإعلانها رسمياً "انتهاء العمليات العسكرية بالنسبة إلى القوات الإماراتية في اليمن"، وأنها ترصد الترتيبات السياسية بحيث يكون دورها الأساسي هو تمكين اليمنيين في المناطق المحررة ("الإمارات اليوم" 16/6/2016). 

 

أعلنت الإمارات انتهاء حربها في اليمن، وكشفت عن بدء عددٍ من المشاريع الاستثمارية في أرخبيل سُقطرى 

 

تفاوتت تفسيرات الموقف الإماراتي بين الاكتفاء بالإشارة إلى موقف شيوخ الإمارات المعادي لحركة الإخوان المسلمين والخشية مِن أن يقود التسرع في إنهاء الحرب إلى تقوية "حزب الإصلاح" ــ الذراع اليمني للحركة، بينما هناك من اعتبر الموقف الإماراتي مؤشراً على عملها من وراء ظهر شركائها في الحرب اليمنية بسبب رغبتها في "احتكار جنوب اليمن تحت نفوذها وهيمنتها". 

 

الاستيلاء على سُـقطرى

 

بموازاة مشاركتها المباشرة في "عاصفة الحزم" بتسمياتها المختلفة، سارعت الإمارات إلى الاستفادة من الفرص الاستثمارية التي توفرها لها سيطرتها على مناطق شاسعة في جنوب اليمن. ومِنْ بين الفرص الاستثمارية التي تم الكشف عنها، وربما هي أكبرها حتى الآن، ما يجري في جزيرة سُقطرى أكبر جزر الأرخبيل اليمني (الذي يسكنه 45 ألف نسمة وتبلغ مساحته 3800 كلم مربع ويبعد عن ساحل الجزيرة العربية مسافة 300 كلم). وكانت اليونيسكو سجلت ذلك الأرخبيل منذ 2008 ضمن مواقع الإرث العالمي باعتباره منطقة فريدة من حيث التنوع الكبير في نباتاته وطيوره وأسماكه ونسبة الأنواع المستوطنة فيه و"غير الموجودة في أي مناطق أخرى من العالم". 

 

[Media:6642]

 

وفي الأسبوع نفسه الذي أعلنت الإمارات فيه عن انتهاء حربها في اليمن، كشفت عن بدء عددٍ من المشاريع الاستثمارية في أرخبيل سُقطرى يجري تسويقها على أنّها "معجزة تنموية وخدمية شاملة ظل يحلم بها المجتمع السُقطري لسنوات". وهي لا تختلف كثيراً عن "المعجزة التنموية" التي كان شيوخ قطر يخططون للقيام بها في الأرخبيل نفسه قبل أن تضع القوات الإماراتية يدها على المنطقة بعد "عاصفة الحزم". من بين المشاريع الاستثمارية التي تقوم بها الإمارات، يبرز مشروعان لكل منهما تداعيات سيئة وطويلة الأمد. أولهما بناء مطار جزيرة سُقطرى لاستقبال رحلات الطيران المتوقعة بعد إنشاء المنتجعات السياحية التي ستجعل الأرخبيل موقعاً منافساً لمنتجعات مماثلة في المحيط الهندي. واستناداً إلى متابعة التدمير الذي أصاب البيئة في دولة الإمارات نفسها، فمن المتوقع أيضاً أن يؤدي هذا المشروع (والمشاريع الملازمة له) إلى تدمير البيئة الفريدة في أرخبيل سُقطرى. علاوة على ذلك سيتطلب إنشاء المطار والمنتجعات السياحية والبنى التحتية اللازمة، نزوح جزء كبير من سكانه وإخلاء بعض جزره ومناطقه الأكثر ملائمة لاجتذاب السواح من بلدان الشمال، حتى لو أعيد توطينهم في أماكن أخرى من الأرخبيل. 
أما المشروع الثاني الذي تقوم به الإمارات فهو تأسيسها لقوة عسكرية خاصة بسقطرى، مكوّنة حسب مصادر إماراتية من 2300 عنصر من أبناء الأرخبيل يتم نقلهم إلى الإمارات على مراحل لتلقي الدورات التدريبية اللازمة، بما يسهم "في خلق كادر عسكري متدرب ومؤهل للأدوار الأمنية المطلوبة في المحافظة" ("الاتحاد" 16/6/ 2016).  وأما مواقف الأطراف المعنية وخاصة حكومة الرئيس هادي والأطراف الفاعلة في اليمن الجنوبي فغير معروفة من التشكيل العسكري الجديد في سُقطرى الذي يبدو متناسقاً مع ما فعلته الإمارات في مناطق أخرى من اليمن الجنوبي. فهي شكلت في حضرموت وعدن، وغيرهما، قوات محلية مستقلة عن بعضها البعض وعن أي طرفٍ يمني. وتتولى الإمارات تدريب هذه القوات المحلية وتمويلها وقيادتها لحماية المصالح الإماراتية في اليمن.

 

أكبر جزر اليمن، يسكنها 45 ألف نسمة وتبلغ مساحتها 3800 كلم مربع وتبعد عن ساحل الجزيرة العربية 300 كلم)، سجلتها اليونسكو منذ 2008 ضمن مواقع الإرث العالمي باعتبارها منطقة فريدة من حيث التنوع الكبير في نباتاتها وطيورها وأسماكها ونسبة الأنواع المستوطنة فيها

 

تدعم الجهود الإماراتية ما يثار من شكوك حول تفاهم إماراتي ــ سعودي لتقسيم اليمن إلى دويلات يتوزع البَلَدان النفوذ عليها. مهما تكن الأهداف الفعلية للتشكيلات العسكرية التي يمولها شيوخ الإمارات، فهي ليست جديدة لا على المنطقة ولا على شيوخها. ففي 1951، قامت سلطات الاستعمار البريطاني بتأسيس أول قوة عسكرية نظامية ("كشّافة ساحل عُمان المتصالح") من أبناء الفقراء في الإمارات بتمويل بريطاني وبقيادة ضباط بريطانيين. وتولّت تلك القوة العسكرية "حماية فرق استكشاف النفط وحفظ السلام بين القبائل ومكافحة تهريب الأسلحة وتجارة الرقيق". وبعد عشرين عاماً من تأسيسها، أصبحت تلك القوة البريطانية، أي "كشافة ساحل عُمان المتصالح"، نواة القوات المسلحة الإماراتية.