هل تُفضي الانتفاضات العربية التي انطلقت عام 2011 إلى ما نشدته من حرية وكرامة وعدل؟ ما الذي يجعل مسيراتها بمثل هذا التعثّر والألم؟ لماذا سقطت أنظمة وتأبى أخرى أن تسقط ولو دكّت البلد أجمعين؟ ما الذي يجعل أنظمةً قروسطية وضواري إمبريالية تبدو نصيرة للثورات؟ كيف يُقْبَل أن تكون «القاعدة» وشبيهاتها أجزاء من الثورات؟ ما هؤلاء الثوار الذين يطلقون إعلانات قتلٍ طائفية وعنصرية ويكتريهم كلّ من يملك المال؟ لماذا يتوارى الثوار الحقيقيون والشباب في بعض البلدان، ويتحولون إلى جزر معزولة، بينما يطغى من هم أشبه بالأنظمة أو أردأ منها؟ هل انقلب العسكر على الشرعية في مصر؟ إلى أين أخذ التدخل الخارجي ليبيا وإلى أين تأخذها الميليشيات؟ ما معنى المبادرة الخليجية في اليمن؟ أيّ آفاق في البحرين وسوريا؟

بحثاً عن الكلّي والمشترك

أسئلةٌ كبيرة تحتاج إجاباتها من الجهد ما لا يمكن لأيّ فرد أن يجرؤ على التصدي له وحده، ومن الحيّز ما لا يتيحه المقام مهما اتسع. غير أنّ الضرورة تبقى أن يحاول الفكر وضع إطار للإجابة أو أن يبيّن منهجاً عاماً يمكن أن يُتَّبَعَ صوبها. ولعلّ أول السبيل أن يكون التمسّك بتلك المقولة الأرسطية: «لا علم إلا بالكلّيات». لا علم إلا ذاك الذي يتوسّل مقاربة شاملة تطال جميع أبعاد الموضوع المدروس وتهدف إلى الخروج بنموذج كلّي أو نماذج كليّة تتصف بالتجريد والشمول والاقتصاد. والسؤال، إذاً، لماذا تبدو الانتفاضات العربية على هذا القَدْر من التنوّع، وهل ثمّة أيّ شيء جوهري مشترك بينها؟
انطلقت انتفاضات العرب جميعها لا من مؤامرة، كما يحلو للأنظمة أن تخدع نفسها والآخرين، بل من تبدّل داخليّ وجوهريّ في العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، على نحوٍ لم يكتفِ بالحيلولة دون جَرْي هذه العلاقة على سابق عهدها، بل فجّرها أيضاً فاتحاً المجال أمام احتمال نسفها وإقامة علاقات جديدة. ولعلّ «انفجار أزمة الدكتاتوريات» هو الاسم الذي يعبّر عن تبدّل تلك العلاقة بين الحكّام العرب ومحكوميهم، حيث لم يعد بوسع تلك الدكتاتوريات إعادة إنتاج سيطرتها على الغرار السابق، وبات زوالها ضرورياً بتغيير شكل الحكم على الأقل، عبر تحوّل ديمقراطي لم يعد ثمّة مهرب منه، إلا بالفاشية أو الحرب الأهلية أو التدخّل الخارجي.
بعكس التصور الجزئي والخصوصي للانتفاضات العربية، يضعنا هذا التصور الشامل مباشرةً أمام ضرورة توصيف العلاقة بين الحكّام والمحكومين ووجهة تحوّلها وانفجارها، وإزاء ضرورة تحليل طرفيها وتحالفات كلٍّ منهما، ومدى جذرية هذه التحالفات باختلاف الحلفاء الخارجيين والفئات الاجتماعية الداخلية ومدى تبلورها السياسي، وإزاء ضرورة الدخول في المناطق التي تجري فيها ممارسات الجماعات وتعبيرها عن أنفسها، ومدى نجاحها في صوغ سيناريوهات وبنى بديلة وتوازن متجدد للقوى، فضلاً عن تناول عفويتها أو وعيها، وتكتيكاتها...، الأمر الذي يفتح باب العلم بهذه الظاهرة وتطورها أو تراجعها، ويدلف إلى دقائق لا يتاح الدخول إليها في حال البقاء مع فكر الفرادة والخصوصية.

موجات الثورة ورؤوس النظام

نحن، إذاً، أمام ثورات سياسية راحت تتنقّل من بلد إلى بلد منذ أوائل العام 2011، وتشترك جميعاً في محاولتها زعزعة النظام بإسقاط رأسه والظفر للشعب وقواه السياسية بالحريات والحقوق الأساسية (التعبير والتنظيم والتظاهر والتنقل... فضلاً عن تداول السلطة). وهذا يعني فتح المجال العام أمام برامج وتحالفات وفرص يمكن أن تشكّل مراحل تالية متقدّمة (اقتصادية واجتماعية) من الثورة، إذا ما اضطلعت القوى المناسبة بمسؤولياتها. أمّا الفارق الواضح بين هذه البلدان جميعاً فهو في درجة التحام رأس النظام مع النظام، الأمر الذي يقاس بمدى حضور المجتمع المدني (أحزاب، حركات، جمعيات، نقابات، نوادٍ) ودرجة استقلال الجيش عن رأس النظام. هكذا، لم يحتج إسقاط النظام سوى أيام في تونس ومصر، في حين احتاج تدخّلاً خارجياً في ليبيا ومبادرة خليجية في اليمن، ولا يزال يحتاج كلّ هذا الدم والخراب في سورية.
ما يفضي إليه سقوط الرأس هو زعزعة النظام ككلّ، الأمر الذي يعمّق أزمته. وعادةً ما تتجلّى الأزمات الكبرى التي تحلّ بالأنظمة السياسية في تغيير متتابع للحكومات، وتبديل للقوانين والدساتير، وإجراء شتى الانتخابات، وتقديم التنازلات الاقتصادية والاجتماعية... كلّ ذلك بهدف الاكتفاء بتعديلات طفيفة انحناءً أمام العاصفة من دون مسّ بجوهر النظام. وإذا ما انضاف إلى الأزمة سقوط رأس النظام وفُتِحَ المجال السياسي العام أمام الشعب وقواه، اشتدّت تلك المحاولات الإنقاذية كثيراً، وتعالت وتيرة جدل الثورة-النظام: دَفْعٌ نحو التغيير الجذري من جهة ومحاولة للتكيّف والحفاظ على الوضع القائم بالترغيب و/أو الترهيب من جهة أخرى. وهنا، أي بعد سقوط الرأس القديم للنظام، عادةً ما تتضح له رؤوس متعددة، قد يصل الخلاف بينها حدّ الاحتراب، وكلّ منها ينظر إلى نفسه على أنه الخادم الأمثل لخلاص النظام.
أمّا من جهة الشعب وقواه الثائرة، فإنَّ ما يعنيه سقوط رأس النظام وتملّك المجال العام هو انفتاح جدل الثورة / النظام على مصراعيه، وتتالي موجات الثورة موجة إثر موجة: كلما تكيّف النظام مع واحدة، أردفتها الثورة بأخرى جديدة تجبره على مزيد من التكيّف والتنازل في محاولة لتلافي السقوط.

قياسٌ على مثال

لعلّ الثورات التي انطلقت في أوروبا من بلد إلى بلد في العام 1848 تصلح بشكل ما للاستعارة وتوضيح ما تشهده البلدان العربية منذ 2011. فمع بداية العام 1848، اشتعلت أوروبا بثورات شعبية ضدّ الاستبداد الملكي والاستلاب الرأسمالي، لم تلبث أن أخفقت وأُغرقت بالدماء في كلّ مكان. غير أنّ أوروبا لم تعد بعدها كما كانت قبلها، وبذلك جمعت بين الإخفاق والنجاح. ولدى مقارنة ماركس تلك الثورات التي وصفها بأنها بروليتارية بالثورة البرجوازية التي سبقتها، رأى أن الأخيرة، كالتي حدثت في القرن الثامن عشر، تندفع كالعاصفة من نجاح إلى نجاح، وآثارها الدرامية تفوق بعضها بعضاً، ويبدو فيها الأشخاص والأشياء في إطار باهر وهّاج، ويكون كل يوم مشبعاً بالحماسة والنشوة. بيد أن عمر هذه الثورات قصير، فسرعان ما تدرك نقطة الأوج وتخيّم على المجتمع وخمة السكرة الطويلة المُمضّة قبل أن يستطيع أن يهضم بتعقل واتزان نتائج فترة الضغط والاندفاع العاصف تلك. أمّا الثورات البروليتارية، كتلك التي حدثت في القرن التاسع عشر، فهي، بالعكس، تنتقد ذاتها على الدوام، وتقاطع نفسها بصورة متواصلة أثناء سيرها، وتعود ثانية إلى ما بدا أنها أنجزته لتبدأه من جديد، وتسخر من نواقص محاولاتها الأولى ونقاط ضعفها وتفاهتها باستقصاء لا رحمة فيه، ويبدو أنها تطرح عدوها أرضاً لا لشيء إلا ليتمكن من أن يستمد قوة جديدة من الأرض وينهض ثانية أمامها وهو أشد عتواً، وتنكص المرة تلو المرة أمام ما تتصف به أهدافها من ضخامة غير واضحة المعالم، وذلك إلى أن ينشأ وضع جديد يجعل أيّ رجوع إلى الوراء مستحيلاً وتصرخ الحياة نفسها قائلة بصرامة: «هنا رودوس، فلتقفز هنا!»، هذا المثل الذي قيل في إحدى القصص لفشّار كثير الكذب، زعم أنّه قفز قفزة هائلة في رودوس.
تبدو الثورات العربية، بما تتسم به من طابع شعبي، كأنها تقف في موقع وسط شديد الخطر بين الثورة التي يصفها ماركس بالبرجوازية، والأخرى التي يصفها بالبروليتارية. ففي صفوف الثورة كثير من القوى التي هي، في حقيقتها، من قوى النظام أو من المرتهنين لقوى إقليمية ودولية لا مصلحة لها في الثورة ولا في ما يمكن أن تصله الشعوب من تغيير جذري، خاصةً في منطقة حيث النفط وإسرائيل. وبالمقابل، فإنَّ في الثورة طبقات شعبية بلغت أقصى الفقر وانغلاق الأفق، فخرجت تطلب الحرية والخبز والعدل والكرامة، ومن المرجّح أن تربط قريباً بين كلّ ذلك وبين نهب ثروات المنطقة ووجود إسرائيل. ولذلك يدور الجدل والصراع حاميين وخطرين بين الثورة والنظام، بين الشعب الذي بات مجال السياسة مفتوحاً أمامه إذ ظفر بحرياته السياسية، وبين الثورة المضادة برؤوسها المتعددة التي نبتت لها مع سقوط الرأس القديم. هكذا، أسقطت ثورة مصر ليس نظام مبارك فحسب، بل المجلس العسكري الذي تلاه، ونظام الإخوان المسلمين الذي لحق به، ولا نعلم بعد من ستسقط أيضاً في موجاتها التالية الممكنة إذا ما عرف الثوار كيف يدفعون أزمات النظام إلى مزيد من العمق ويديرونها ببرامجهم وتنظيماتهم المناسبة. الأرجح أنها ستسقط نظام العسكر الجديد، الذي انقلب بعد 30 يونيو، إذا ما كان قد انقلب، ليس على نظام مرسي في الحقيقة بل على ما يمكن أن ينجم عن نزول ملايين المصريين إلى الشوارع، مستبقاً جذريتها وقاطعاً عليها الطريق.

نشازٌ يؤكّد القاعدة

في ضوء ما سبق، يبدو السؤال الذي راح يُطْرَح بصدد مصر بعد 30 يونيو ـــ مع الشرعية الانتخابية أم مع الانقلاب؟ـــ سؤالاً زائفاً يغطي على السؤال الحقيقي: مع الثورة أم مع النظام؟ والحال، إنّه بعد عقود من إيديولوجيا «نهاية الثورات»، بات من الواجب اليوم إعادة مفهوم الثورة إلى النظرية والاعتراف بأنها تمثّل شرعيةً قصوى تفوق شرعية الأزمنة العادية، وبأنها قاطرة التاريخ التي لا تركن لفكر الزمن الداجن المستكين.
وما يصحّ على مصر يصحّ بدرجات مختلفة على بقية بلدان الانتفاضات العربية. ففي تونس، ثمة رأس جديد للنظام القديم يقف حجر عثرة في وجه الانتقال الديمقراطي بعد الثورة التي أطاحت ببن علي، وقد بلغ الأمر بالنظام «الجديد» حدّ ممارسة القتل والاغتيال لتتعالى الهتافات بسقوط حكم الإسلام السياسي. وفي ليبيا، أدّى التشوّه الذي مثّله التدخّل الخارجي وما رافقه من تسليح وعسكرة إلى بلد تتنازعه الميليشيات وشركات النفط بدل أن يتقدّم باتجاه مزيد من الديمقراطية والمواطنة المتساوية. وفي اليمن، أعادت المبادرة الخليجية تماسك النظام ناقصاً رأسه القديم، بانتظار جولات جديدة.
حتى في سورية والبحرين، اللتين لم تُسقطا أيّ رأس للنظام بعد، يبدو الأمر كما لو أنّ هذين البلدين إثبات بالمقلوب للقاعدة العامة التي تقول بإسقاط رأس النظام وفتح المجال العام أمام الشعب الذي ظفر بحرياته السياسية تمهيداً لموجات جديدة. ويعني الإثبات بالمقلوب أنَّ عدم اتّخاذ الثورة هذا المسار، لأسباب تعود إلى تمكّن النظام من التماسك بعون من حلفائه الخارجيين واستخدامه الوحشية القصوى، دفع بالثورة إلى ارتكاب أفدح الخطايا بتوسّل العنف والسلاح والطائفية، وأفسح في المجال واسعاً أمام التدخلات الخارجية ولعب القوى الإقليمية والدولية أدواراً تخريبية خطيرة على المدى البعيد. وما يكشفه كلّ هذا هو أنَّ عثرات الثورة وخطاياها منافذ تدخل منها قوى الثورة المضادة المتعددة، وأطواق نجاة للأنظمة لا تقدّر بثمن، وأنّ هذه العثرات كفيلة بأن تضع على كفّ عفريت ليس مطالب الثورة الأصلية فحسب ــ الخبز والحرية والكرامة والعدالة ـــ بل بنية البلد ومستقبله أيضاً، دافعةً به في مهاوي التمزّق وتدمير الذات والانتحار الجماعي.