تقع المنطقة الصحراوية في قلب المصالح الدولية الحالية، وهي باتت مرشّحة لحرب جديدة يتم التحضير لها بشكل نشيط. إنّ الهدف الرسمي للمفاوضات الجارية حول هذه الحرب هو استعادة وحدة مالي التي بات نصفها بين أيدي فصائل إسلامية، وهي المنطقة التي أراد «الأزواد» (الطوارق) أن يعلنوها دولتهم. وفي حال اندلعت تلك الحرب، فهي ستطال بالاضافة إلى مالي والتشاد والنيجر، كلا من الجزائر وليبيا وموريتانيا وحتى السودان.
تتعلّق التحديات، وهي من طبيعة استراتيجية، بكامل هذا الجزء من القارة الأفريقية، وتشمل الجوانب العسكرية والاقتصادية والسياسية التي تتجاوز بأشواط مسألة وحدة مالي، وحتى قضية توفيرها الملجأ لمجموعات إرهابية مرتبطة بتنظيم «القاعدة» في المنطقة الانفصالية من مالي. هناك حرب مضمرة مندلعة أصلاً، من دون قنابل ولا سفك للدماء، أطرافها قوى دولية هي دول استعمارية سابقة (كفرنسا)، ومتنافسين شرسين كالولايات المتحدة الاميركية والصين، وهذه الاخيرة منخرطة بشكل كبير في مشاريع اقتصادية عملاقة في افريقيا، هي إما في طور التنفيذ، أو مرشحة للتطور المستقبلي. تتركّز عوامل القلق في كامل منطقة الساحل الصحراوي. إذ تتداخل النزاعات حول الأراضي، بالعنف السياسي والأعمال الإرهابية والتهريب.

حرب أو لا حرب، تخيُّلات عن المنطقة

في انتظار الحرب التي ستزعزع المنطقة من دون

التيقُّن حول شكل الخاتمة التي قد تصل إليها، أو في الفترة الفاصلة الحالية التي قد تؤدي إلى انعدام وقوع الحرب لألف استحالة، من المثير للاهتمام بجميع الأحوال رؤية كيف جرى بناء التخيُّلات التي تلف هذه المنطقة. تخيُّلات غذّاها غموض مفترض يحجب الشبكات المتعدِّدة التي تجوبها (تلك التي تعمل في مجال التهريب وتلك العسكرية والإجرامية)، والنشاطات التي تقوم بها تلك الشبكات. لقد حصل ذلك قبل وقت طويل من سقوط نظام القذافي في ليبيا، وتداعياته التي تجسّدت بالحصول على كميات كبيرة من أسلحة ثكناته العسكرية، أو إعادة صياغة بعض التحالفات في ضوء الاضطراب المستمر في ليبيا، أو أيضاً حملات التسليح والتمويل المنظَّمة بعناية من قبل بعض بلدان الخليج. هكذا تحوّلت هذه المنطقة إلى موقع للمخاطر الضبابية، العصيّة على الفهم، والتي يمكن تفسير صعوبة تتبعها أو توقّعها من خلال غموضها الذي يروَّج له على أنه الخاصيّة الرئيسية، والمادية خصوصاً لهذه «المساحة الرمادية الخارجة عن كل سيطرة». غموض يسرع المحلّلون «الاستراتيجيون» للجزم عن بُعد بأنه جليّ، والى اعتباره العامل الرئيسي للخطر. وهو معرفاً هكذا يصبح الميزة التي تتيح انتشار تنظيم «القاعدة» في المنطقة.


غموض مزعوم حول منطقة معلومة

إنه لمفارقة ولأمر معبِّر أن يتمّ إضفاء طابع خُرافي على الغموض المزعوم لهذه المنطقة، بينما هي من المناطق الأكثر خضوعاً للرقابة. لكن تلك الرقابة لا تمارس من قبل الدول الوطنية، إذ تبقى هذه المنطقة بالنسبة لها مساحة غير واضحة وقابلة لدعوات الضم والإلحاق، بل هي تمارس من قبل السكان المحليين الذين يعبرونها بشكل مكثَّف، حتى ولو كانت معالمها تتغيّر. إنّ تجاهل هؤلاء السكان هو ما يحجب الرؤية في هذه المنطقة، ويُغرقها في عتمةٍ ظاهرية. مع العلم أنها تمتلك بنية مكانية قائمة على ركيزة اجتماعية شديدة القدم، ومعرَّفة تماماً.
وهكذا، فإنّ المسارات (أي المسالك والطرق) القليلة الممكنة لم تتبدل كثيراً منذ العصور الوسطى التي تعرفت على أهمها. وكانت السيطرة على هذه الطرق من أجل ضمان التبادل التجاري أو مساحات الرعي، أمراً حيوياً بالنسبة للقبائل حتى عندما بات الربح شبه منعدم. واليوم، فالاتجار غير المشروع والمربح جداً، والذي يأخذ طابعاً إجرامياً متعاظماً، يؤجّج المنافسة من أجل إحكام السيطرة على هذه المنطقة. وعلى الرغم من أنّ نمط البداوة فقد الكثير من انتشاره، وأنه بات أحياناً مقتصراً على الأطلال، ومع أنّ الصحراويين باتوا في غالبيتهم حضريين، ويسكنون في مدن كبيرة، إلا أنهم أعادوا بناء نمط من «الاستقرار البدوي» الذي يجعلهم يمخرون غباب المسالك السالفة نفسها فيما بين المراكز الكبيرة التي يتوزعون عليها. وهم يستطيعون بهذه الطريقة أن يُحكموا سيطرتهم، أو أن يشاركوا في تبادلات ملزَمة بأن تجري خارج إطار الدول ـ الامم المتعادية، وحتى بالضد منها. فعداواتها توفر بذلك الفسحة المناسبة للتهريب وللإتجار غير الشرعي. وهذا التهريب ليس ظاهرة هامشية ولا حصيلة نشاط فاعلين هامشيّين، وهو بالتالي ليس غامضاً نهائياً، إذ إنّ مجموعات محلية ودولاً تنخرط فيه.
وإن كانت المجموعات السكانية المحلية تؤدي دور الناقل من خلال شبكات علاقاتها القويّة والقديمة، فإنّ انخراط دول في التهريب يتخطّى الفوائد التي يجنيها عملاؤها وكبار ضباطها الذين يقتطعون خوات كبيرة من «حق استخدام الاراضي». ويشكل التهريب عنصراً أساسياً ومدروساً في الاستراتيجيات الأمنية لهذه الدول، التي تتسامح معه أو تقوم غالباً بتغذيته عن طريق أجهزتها الأمنية، وهو يستخدم كوسيلة لاختراق المنطقة. فهذه الدول تؤمن بذلك لنفسها ولاءات مفيدة بين السكان، لمراقبة حدود أراضيها، ولاختراق واستقطاب المجموعات المنشقّة في الدول المجاورة لها، لحماية نفسها من خطر عدواها، أو لاستخدامها كورقة دبلوماسية رابحة.
هناك حقيقة عضوية يدركها ويمارسها كل من المهرّبين والمناضلين السريين والأجهزة الأمنية الحكومية: إن تخفي النشاطات ليس أمراً مجرداً بل هو مرتهن بدرجة التجذُّر في البنية التحتية والاجتماعية التي يمكن أن يستفيد منها الفاعلون. وتبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحاً في منطقة الصحراء، القاحلة وقليلة السكان، وهي تكشف أكثر من أي مكان آخر هؤلاء الذين ينتشرون فيها. لا يعمل المهرّبون وتنظيم «القاعدة في المغرب الاسلامي» كعناصر خارجية خاضعة لديناميات خاصّة بهم، بل هم ينشطون في إطار جغرافي ـ اجتماعي صارم وقسري هنا أكثر منه في أي مكان آخر.

قوانين المكان

مثلما هو حال التهريب، فإنّ الانتشار الحالي للإسلاميين في منطقة الصحراء ليس نتاجا جديداً أو عفويا. يعود تاريخ حضور الاسلاميين في تلك المنطقة إلى منتصف تسعينيات القرن الماضي، حين اعتمدوها كقاعدة انكفاء للاستراحة أو للتموُّن. وكان هؤلاء ظاهرين للعيان بالنسبة لكل المواطنين هناك، وخصوصاً للأجهزة الأمنية التابعة لدول المحيط الصحراوي الذين تركوا هؤلاء ينسجون شبكتهم في الأسواق الصحراوية الرئيسية الناهضة، وقد تفاوضوا معهم إما من أجل حماية أنفسهم منهم، أو بهدف استخدامهم وتوظيفهم، تاركين لهم المجال والوقت لعقد التحالفات مع القبائل الممسكة بزمام التجارة، ومع المهرِّبين.
ليس من قبيل الصدفة أنّ كلّ الذين يُظهرون اليوم قدرات في المفاوضات مع إسلاميي منطقة الصحراء، هم أنفسهم، على الأقل من خلال علاقات القربى بينهم، متحدِّرين من هذا الوسط. وقبل وقت طويل من انخراط منطقة الصحراء في موجة العنف الاسلامي، كانت هناك ممرّات للتهريب تحرص كل واحدة منها على عدم التعدي على مجالات الممرّات الأخرى: ممرات المهرّبين، وممرات العسكريين وممرات الإسلاميين. وهذه كلها مرتكزات مهّدت الطريق للمجموعات المسلّحة التي نقلت نشاطاتها الى المنطقة، جزئياً بسبب فشلها في شمال الجزائر، وقد أنجزت تجذُّرها من خلال الانغراس في القبائل عبر عقد المصاهرات، وإعادة توزيع أموال التهريب. وهذا التجذُّر هو ما يوفّر اليوم لتنظيم «القاعدة في المغرب الاسلامي» قدرةً عملانية، يجدر بالمقابل عدم الوقوع في خطأ المبالغة بتقديرها. ففي الواقع، لا يتعلّق تجذُّر هذا التنظيم إلا بفصائل، أو حتى بأفراد، وروابطه مع «الطوارق» أو «الموريين» أضعف مما هي مع بعض القبائل التي تُسمّى «عربية»، والعاملة في التجارة، والتي كانت سابقاً تمارس نشاطاً تهريبياً كبيرا.
ولكن تجذُّر تنظيم «القاعدة في المغرب الاسلامي» في منطقة الصحراء مبنيّ على توازنات غير مستقرة. فليس هناك أكثر تغيراً ووقتية من الولاءات القبلية، حيث «بداوة التحالفات» فضيلة تؤمّن بقاء الجماعات والأفراد على قيد الحياة. ولا يوجد ما هو أقل استقراراً من التوازنات داخل هذه الجماعات نفسها التي يسيّرها «نظام فوضوي». المهرّبون وحتى الدول ـ الامم، الذين سبق وظنّت أنّها كسبت ولاءات المجموعات، اكتشفت خيباتها ودفعت الثمن من جيبها. إنّ انخراط تنظيم «القاعدة في المغرب الاسلامي» داخل هذه الجماعات أمر مؤقت بمقدار ما بدا سهلاً. وقد شجعه عوز السكان حصراً، وهو ما يصبح أمراً لا يُطاق حين يُضاف إليه عامل تهميش هؤلاء السكان من قبل السلطات المركزية. إذ يكفي أن تُعطى هذه الجماعات آفاقاً اجتماعية، وخصوصاً احتراماً لاستقلاليتها الذاتية ولهويتها، حتى تقلب تحالفاتها بالكامل، وتلفظ «القاعدة في المغرب الاسلامي» في رمال الصحراء.


الصحراء، ذلك البحر الآخر

يلقى الخطاب الاسلامي صدى أكبر لدى السكان في منطقة جنوب الساحل، الذين، بفعل اللعبة الزبائنية التي تؤديها السلطات المركزية هناك، يحتكرون جميع مناصب السلطة في بلاد «الطوارق»، ويحتلّون الجزء الأساسي من المناصب في الشركات التي تقوم باستخراج اليورانيوم. وكان ذلك أحد أسباب الانتفاضات العديدة التي قام بها «الطوارق» الذين يعتبرون أنفسهم مقصيّين في بلدانهم. ومثلما كان حاصلاً في موضوع التجارة العابرة للصحراء، لا يستفيد «الطوارق» إلا من فتات التهريب، خصوصاً كناقلين للبضائع وأحياناً كنهابين للقوافل، وذلك بهدف فرض تفوّقهم على هذه المساحة. كما أن منطقة الصحراء لا تقدّم نمطاً من الصراع مثلما هو الوضع في العراق، حيث أمكن لتنظيم «القاعدة» أن يتمفصل على الصراع المذهبي. وهذا يتجاوز المسألة المأساوية للإرهاب، ليذكّرنا وبقوة، أنّ الصحراء، التي كان فرناند بروديل يصفها بأنها «البحر المتوسط الآخر»، هي عنصر أساسي من نظام المنطقة، ولا تزال كذلك على الرغم من الحقبة الاستعمارية التي أرادت جعلها مجرد حد فاصل، وجعل دولها عبارة عن إقاليم مُلحَقة ذات وظائف استراتيجية فحسب.