اندفاع الملايين غاضبين إلى الشوارع، انكسار جهاز القمع الرهيب، فشل كل محاولات السلطة لفض الميادين، اضطرار مبارك لترك الحكم، ثم الإصرار بعد ذلك على تقديمه للمحاكمة، وإقالة رئيس وزرائه أحمد شفيق، واقتحام مقرات مباحث أمن الدولة... تلك المشاهد وغيرها الكثير من ثورة "يناير 2011" تبدو اليوم باهتة وبعيدة. فبعد مرور عام كامل على الثالث من يوليو، تمكنت الثورة المضادة من إحراز سلسلة من الانتصارات ومن دفع الوضع إلى ما قبل 25 يناير 2011. والأسوأ أنها نجحت بالفعل في فض الناس من حول الثورة. ولكن ما كانت الثورة المضادة لتنجح إلا عبر نقاط الضعف المميتة في الثورة نفسها، والتي ما لم تفهم وتعالج فإن انتصار الثورة المضادة سيترسخ.

ما كان يمكن البناء عليه

الحشد الهائل الذي توفر خلال الثورة كان موحدا بالفعل حول هدف إسقاط النظام. ولكن لم تبدو هناك رؤية موحدة للخطوة التالية، أو حتى لمفهوم إسقاط النظام نفسه، فهل هو إسقاط لمبارك فقط أم لأبعد من ذلك؟ بمجرد خروج مبارك من المشهد، لم يعد أمام الثوار أي هدف تالٍ أو فكرة واضحة عن الخطوة التالية. أعطى خلع مبارك دفعة معنوية قوية للثورة، ولكنه في الوقت نفسه أعطى فرصة للثورة المضادة لالتقاط أنفاسها وإعادة ترتيب أوراقها ومعاودة الهجوم. غياب تنظيم ثوري قوي ومتماسك ومنتشر وقادر على تنظيم هجوم الثورة، ووضع البدائل أمامها حرم الثورة من انجاز الإطاحة بالنظام، وطرح بديله. وهو أيضا حرم الثورة من الاستفادة من الإمكانيات الهائلة التي أفصحت عنها خلال الثمانية عشر يوما، حين احتلت الجماهير الثائرة الميادين، وظهرت إمكانيات ضخمة جعلت مهمة استكمال الثورة وتقديمها بديلا عن النظام أمرا واردا. فعلى سبيل المثال:
1- كان تشكيل اللجان الشعبية التي حاولت توفير الأمن في الأحياء والمناطق بعد انكسار جهاز الشرطة، بداية يمكن البناء عليها. فرغم الطابع التلقائي لتلك اللجان، إلا أن إمكانية ربطها ببعضها البعض، وتطوير دورها من توفير الأمن إلى القيام بأدوار إدارية وسياسية في الأحياء والمناطق، كان من شأنه توسيع قاعدة الثورة في المجتمع ودعم تماسكها واستمرارها. ولعلها كانت أيضا تمثل بديلا محتملا لسلطة مبارك، لو هي اكتسبت طابعا دائما ومؤسسيا.
2- اتساع نطاق الإضرابات العمالية خلال الثورة كان من شأنه إعطاء الثورة بعدها الاجتماعي والاقتصادي، خاصة عندما بدأت بعض الإضرابات في احتلال مواقع العمل واعتقال مسؤولي الدولة الموالين للنظام بها... تلك الإمكانيات كانت موجودة بالفعل، إلا ان ربطها ببعضها وتجذيرها كان يتطلب تنظيما ثوريا يمكنه دفعها خارج الجزئية والمحلية، وهذا كان غائبا.

الإصلاحيون أسوأ ثوار

المكان الذي تركه التنظيم الثوري فارغا لم يظل كذلك. فقد كان الإصلاحيون مستعدون لسد هذا الفراغ على طريقتهم. فالحركات الإصلاحية تعتمد على تحقيق التغيير من خلال المشاركة في السلطة الموجودة بالفعل وبأدواتها. كان أكبر التنظيمات الإصلاحية وأكثرها تماسكا عند اندلاع الثورة هي جماعة الإخوان المسلمين. التحق الإخوان بقطار الثورة بتأخر، تحديدا عندما بدت قادرة على إحراز انتصار حقيقي. لم يمثل تنظيم الإخوان في أي لحظة أغلبية في ميادين الثورة، ولكنهم كانوا بالتأكيد التنظيم الأكبر والأكثر تأثيرا بالتالي. وبنظرهم، فقد كان 11 شباط / فبراير، أي يوم تنحي مبارك، اللحظة المواتية للانصراف عن الميادين والتحول لجني ثمار الثورة. وأما بالنسبة للثورة المضادة، فإن تنظيماً إصلاحياً ضخماً وصاحب نفوذ قوي، يمثل أفضل أداة لتعطيل تقدم الثورة في لحظة فقدان النظام السيطرة في الشوارع وتعرضه لهزة عنيفة كالتي تعرض لها نظام مبارك. رأى الإخوان في خروج مبارك من المشهد الفرصة السانحة للمشاركة في السلطة، وكان هذا مشروطا بالطبع بإخلاء الميادين ووقف الانتفاضة ضد النظام، وهو ما تم بالفعل. كان هذا هو المكسب الأول الهام للثورة المضادة: وضع التيار الإصلاحي العريض، وفي القلب منه الإخوان المسلمون، كحاجز بين الثورة والثورة المضادة. أصبح الإصلاحيون هم من يتكفلون بمقاومة تقدم الثورة وتأجيل أهدافها حتى يتسنى إجراء الاستحقاقات التي ستمكنهم من المشاركة في السلطة. ورغم إصرار الثوار على وضع أهداف تكتيكية، مثل إقالة شفيق وحل جهاز أمن الدولة ومحاكمة مبارك ورجاله، إلا أن ذلك لم يعطل المسار الإصلاحي باستحقاقاته المتتالية. ربما كان مشهد 23 كانون الثاني / يناير 2012 هو الأكثر تعبيرا عن دور القوى الإصلاحية في مواجهة الثورة. فهو يوم موعد انعقاد البرلمان المنتخب بعد الثورة، والذي حصل فيه الإخوان وحلفاؤهم على الأغلبية. نظمت القوى الثورية مظاهرة اتجهت نحو البرلمان أثناء انعقاده، ليس لمعارضته، ولكن لمطالبته باستلام السلطة من المجلس العسكري، بوصفه الجهة الوحيدة المنتخبة. وليس هذا مطلبا معاديا للبرلمان. ومع ذلك حشدت الجماعة أعضاءها لتكوين حواجز بشرية حول مبنى البرلمان لمنع المتظاهرين من الوصول. لم تضطر الدولة العميقة للدخول في مواجهة مع الثوار، بل تكفلت بذلك القوى الإصلاحية التي انتعشت طموحاتها للمشاركة في السلطة. ولم يحقق هذا إرهاقا وإضعافا للقوى المعارضة للنظام فحسب، بل مكَّن أيضا الثورة المضادة من استجماع قواها وبناء تحالفاتها والاستعداد للهجوم على القوى الثورية والإصلاحية على السواء.

خسارة الظهير الاجتماعي

كانت أكثر الاحتجاجات قوة وتأثيرا في السنوات السابقة على الثورة هي إضرابات واعتصامات العمال من أجل مطالبهم. وخلال الثورة نفسها، لعبت الحركة العمالية دورا حاسما في ترجيح كفة الثورة وإجبار مبارك على التنحي. وعقب الثورة، استمرت احتجاجات العمال في كل مكان في مصر. مثلت الحركة العمالية امتدادا للثورة على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي. طالب العمال في احتجاجتهم بتطهير المؤسسات الاقتصادية من فلول نظام مبارك، واسترداد الشركات التي خصخصها عبر صفقات فاسدة فضحتها أحكام القضاء، وتشغيل الشركات التي توقفت، إلى جانب طبعا حصول العمال على حقوقهم وتحسين أوضاعهم. هذه المطالب التي رفعها العمال جرى الهجوم عليها والتشهير بها، واعتمد الإعلام، الرسمي والخاص على السواء، مصطلح "الاحتجاجات الفئوية" كجزء من التشهير بالحركة العمالية والاجتماعية، ووصمها بالأنانية. إلى جانب الهجوم والتشهير، تعرضت الحركة العمالية والاجتماعية لتجاهل واضح من قبل قوى الثورة. حتى عندما أصدر المجلس العسكري قانونا يجرِّم الإضرابات أحيل بموجبه عمال الى المحاكمات العسكرية، فقد قوبل ذلك بفتور وعدم اكتراث. بدا بالنسبة للحركة العمالية أن الثورة التي شاركت فيها لن تحقق لها أهدافها في العدالة الاجتماعية، وأن القوى المقررة في الثورة تهتم أولا بجني الثمار لها هي. كان هذا كفيلا بعزلها عن الفئات والطبقات الاجتماعية صاحبة المصلحة الأكيدة في استكمال الثورة، وكشفها ما يجعلها تقف وحيدة في مواجهة الثورة المضادة.

الجولة القادمة

تطور أحداث الثورة المصرية ليست قدرا محتوما. لقد باغتت الثورة الجميع، في غياب تنظيم ثوري قوي ومتماسك قادر على لعب دور قيادي، يغير مسار الأحداث. ولكن السنوات الثلاث التالية كانت كافية لإحراز تقدم على طريق بناء هذا التنظيم، وردم جزء من الفراغ المتروك للقوى الإصلاحية. لم يحدث هذا بالطبع، ما دفع الناس في عمومهم للاستغاثة بتحالف الثالث من يوليو الذي قادته الثورة المضادة، وضم عددا من شركاء ثورة يناير، للتخلص من حكم الإخوان. كان هذا أكبر انتصارات الثورة المضادة على الإطلاق.
ولكن، ومع سيطرة الثورة المضادة، إلا أن العوامل التي فجرت الثورة قبل ثلاث سنوات ما زالت موجودة، بل وزادت قسوتها: القمع الأمني والاستبداد وغياب الديموقراطية، تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وزيادة الفقر والبطالة... والأهم أن سلطة الثورة المضادة لا تبدو قادرة على تقديم حلول حقيقية لقضايا كتلك. فرفع شعار "الحرب على الإرهاب" في مواجهة المطالب السياسية والديموقراطية، ورفع شعار "التقشف" في مواجهة المطالب الاجتماعية والاقتصادية، يعني ببساطة أن السلطة لا تنوي تقديم حلول حقيقية لما تعانيه الأغلبية ممن منحوا الفرصة للنظام الجديد. ويعني هذا أيضا أن جولات أخرى للثورة قد تكون في الطريق. ولكن ما لم يتحقق تقدم حقيقي حيال نقاط الضعف التي عانت منها الثورة في جولاتها الأولى، يجعل من الجولة القادمة فرصة أخرى ضائعة.