يبدو تفجّر ليبيا المستمر منذ سقوط نظام القذافي كسيرورة حتمية تتخللها مراحل من التسارع العنيف لهذا التفجر. وقد تسبب القتال بين الميليشيات المتنافسة للسيطرة على مطار العاصمة الرئيسي في دفع آخر البعثات الديبلوماسية إلى مغادرة البلاد على عجل. لم تتبق سلطة مركزية في ليبيا، وحالة الفوضى المعمّمة وبالغة العنف بين الجماعات المتناحرة في الداخل ترشح البلاد للتحوّل الى مركز لعدم الاستقرار الإقليمي. وتتميّز المرحلة الحالية من الأزمة بنشوء قواعد ميدانية مناطقية تتمفصل حول انتماءات قبلية وعشائرية، هي أحياناً انتماءاتٌ جهادية أيضاً. ولا تستهدف الميليشيات المتقاتلة الاستيلاء على السلطة المركزية كما في كل عملية سياسية، وإنما الاستحواذَ على بنى تحتية يمكنها أن تتولى «تأمينها» نظير مقابل مالي، هذا بالإضافة إلى هدف إثباتِ وجودها كأطراف سياسية فاعلة. لقد تحوّل المتمردون و«الثوار» إلى أعضاء ميليشيات لا يدينون بالولاء لغير زعماءَ محليين، قبليين أو دينيين أو الاثنين معاً. كذا، أصبح التحكّمُ في الموانئ والمطارات وحقول النفط ومواقع تصديره.. محلَّ مجابهات دامية قضى فيها عشراتُ المدنيين.

لا غالب ولا مغلوب

لقد بدأ تكوّنُ هذه الإقطاعيات الميليشياتية حالَ إنشاء المجلس الوطني الانتقالي. ويُذكر أن رئيسَه مصطفى عبد الجليل أولى مهمّة الإشراف على مطار معيتيقة وقاعدة طرابلس البحرية إلى لواء الزعيم الجهادي السابق عبد الكريم بلحاج. وبموجب «اقتسام التركة» هذا، رأينا ميليشيات مدينتي الزنتان ومصراتة - قبل أن تتناصبا العداء - تتوليان مسؤولية مطار طرابلس الثاني ومقارِّ الوزارات ومراكز إدارية أخرى، فضلاً عن ثكنات لقوات الجيش والشرطة التي تتشرذمت أيما تشرذم. وقد صمدت حتى 2013 هذه التسويةُ الهشة بين الزُّمر المدجّجة بالسلاح على الرغم من وقوع مناوشات متكررة بينها. أما خلال هذا الصيف، فتحوّلت المجابهاتُ المتواترة بين المجموعة المسلحة إلى نزاع مفتوح: تلك التي يقودها عبد الكريم بلحاج (والمتحالفةُ مع قوة «درع ليبيا» العائدة لمدينة مصراتة) من جهة، ولواءي «القعقاع» و«السويق» لمدينة الزنتان من جهة أخرى. ولم يسفر هذا الصراع الذي لا غالب فيه ولا مغلوب إلا عن هدنة هشّة، تخلّلها انفراطُ عِقد تحالف عبد الكريم بلحاج وميليشيا الزنتان التي حاولت افتكاكَ قاعدة طرابلس البحرية من أيدي قواته. ولم تتورع هذه الميليشيا عن إطلاق النار على متظاهرين عُزَّل حين طالبوا برحيل العصابات المسلحة من العاصمة الليبية (وأسفرت تظاهراتُهم بالفعل عن تسريع انسحابِها إلى أطراف المدينة).
وفي أيار/ مايو الماضي، أصبحت التسويةُ المؤقتة بين مختلف الفرقاء المسلحين في خبر كان، إثر الهجوم الذي شنته في بنغازي على المجموعات الإسلامية - وبخاصة منها «أنصار الشريعة» - قوّاتُ الجنرال خليفة حفتر، وهو ضابط انشق عن نظام القذافي ومدعومٌ أميركياً. وعلى الرغم مما يبدو من تبايُن سياسي شديد بين شرق البلاد وغربها، تدور رحى تناحر الميليشيات في كِلتا المنطقتين في الوقت ذاته، ما قد يكون نذيراً بانقسام ليبيا إلى قسمين: إقليم طرابلس (الغربي) وإقليم برقة (الشرقي). وييسِّر انقسامُ ليبيا انغراسَ مجموعات جهادية - طردها الجيش الفرنسي من شمال مالي - في التراب الليبي، حيث تعقد أحلافاً متينة مع أطراف محلية وتحظى بنقاط ارتكاز فاعلة لدى شبكات التهريب الإقليمية.

التدخل العسكري

يثير هذا الوضع بالطبع قلق البلدان المجاورة، كتونس المنشغلة بتوافد اللاجئين الفارّين من ساحات المعارك إلى أراضيها، ومصرَ والجزائر، اللتين تخشيان انتشار رقعة البلبلة الجهادية في سياق سياسي إقليمي مضطرب وفي مناطق تصعب مراقبتُها. وقد قامت السلطات الجزائرية، التي لا تزال تعيش تحت وقع صدمة الهجوم على موقع تيغنتورين الغازي في كانون الثاني/يناير 2013، بتدعيم انتشار الجيش على امتداد الحدود الجزائرية - الليبية المغلقة منذ ثلاثة شهور. وتفيد مصادر جادّةٌ عن قيام القوات المسلحة الجزائرية بعمليات عسكرية عدة داخل التراب الليبي ضد مجموعات جهادية. وقد استهدفت هذه العمليات، التي تمّت بالتنسيق مع القوات الأميركية والفرنسية، مجموعاتٍ تدين بالولاء لمختار بن مختار الذي انشق عن تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، والذي يُصوَّر على أنّه أحد مهندسي الهجمة الإسلامية على المنطقة الساحلية - الصحراوية.
وبعد طول صمت، كذّبت السلطات الجزائرية تدخّل الجيش الجزائري خارج الحدود، ولكنها في الوقت نفسه لم تعترض على نشر أخبار عن قيامه بعمليات مشتركة مع الجيش التونسي للقضاء على المجموعات الجهادية في جبل الشعانبي (القريب من الحدود الجزائرية). وقد استقبِل هذا التكذيب استقبالاً حسناً من قِبَل ملاحظين جزائريين كثيرين هم على دراية بالضغوط الأميركية والفرنسية لدفع الجزائر إلى «المساهمة في بسط الاستقرار في ليبيا بشكل مباشر»، أي عسكرياً بعبارة أخرى.
ويدرك هؤلاء الملاحظون أن أيّة مغامرة للقوات المسلحة الجزائرية في ليبيا لن تساهم في تهدئة الوضع في هذا البلد بقدر ما ستعقِّد المعطى السياسي فيه، وهو ما يهدد بارتداد الخطر على الجزائر وانتقالِ عدوى الاضطراب إلى نواحيها الصحراوية التي تعيش منذ سنوات توترات اجتماعية بالغةً. ويمكن القول إن تدخلاً عسكرياً جزائرياً - مصرياً مشتركاً على التراب الليبي (وهو أمرٌ تم التطرق إليه خلال زيارة الجنرال السيسي الخاطفة إلى الجزائر في حزيران/ يونيو الماضي) لن يكون من شأنه سوى تأكيدِ تقسيمِ ليبيا من خلال نشوء منطقتي نفوذ مختلفتين، إحداهما في الشرق والأخرى في الغرب، من دون أن يترادف ذلك بأي ضمان لمنع توسعٍ كارثيٍّ لمجال النزاع.
في 12 آب/ أغسطس الماضي، وبأغلبية ساحقة، صوّت البرلمانُ الليبي الجديد (المنتخب في حزيران/ يونيو الماضي في انتخابات لم يشارك فيها إلا 10 في المئة ممن يحق لهم الاقتراع، والذي يجتمع في طبرق لأنه عاجز عن الاجتماع في العاصمة، مما يقول الكثير عن هشاشته ولاسيما في ظل المشهد القائم) على دعوة المجموعة الدولية إلى التدخل في ليبيا، لكن استغاثتَه لم تُقابَل بغير الصمت. ويعتقد الكثيرون بأنّ النظام الجزائري لن يجني أيّة فائدة سياسية تُذكر من تنفيذ مهامّ قذرة لمصلحة حلف الناتو.
بالمقابل، بمقدوره أن يلعب دورَ وسيط سياسي بين الفرقاء الليبيين، مستغلاًّ علاقاتِه داخل المجتمع الليبي التي ترجع إلى فترة حرب التحرير (أول مركز عملياتي لمخابرات جبهة التحرير أنشئ في طرابلس) والتي تشمل، بطبيعة الحال، علاقات مع كوادر في نظام القذافي البائد.
وعدا العمليات النوعية التي تُنفَّذ ضد المجموعات الجهادية العابرة للحدود، يبدو جلياً أن لا عزمَ للجزائر في الظرف الحالي على التدخل في ليبيا. إنّ الحرب الأهلية الليبية مسألةٌ داخلية ينبغي أن تُحلّ سياسيَّاً لتجنب تمزّق أوصال هذا البلد وسقوطِه تحت سيطرة مجموعات من قبيل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). ويُنظر إلى هذا الاحتمال بعين الجدّ، إذ تغذيه أخبارٌ مؤكدة عن عودة جهاديين ليبيين إلى البلاد بعد مشاركتهم في المعارك في سوريا. ولا يثير قلقَ دول المنطقة احتمالُ «صوملة» ليبيا فحسب. ما يثيره هو أيضاً احتمالُ نشوء كيان كداعش على أرضها. لهذا السبب بالتحديد، من المستعجل والحيوي المشاركة في محاولات إطلاق حوار سياسي في ليبيا، حيث تسبب التدخل العسكري الغربي لا في تدمير نظام القذافي فحسب، بل في سحق المجتمع الليبي أيضاً.

(ترجمه من الفرنسية ياسين تملالي)