قبل أسابيع، نُشر في السفير العربي مقال قصير ومثير حول ولادة جريدة «عنب بلدي» في داريا السوريّة. وبعد ذلك بأيام، في منتصف آذار/مارس، قرأنا خبر استشهاد أحمد شحادة، مدير تحرير الجريدة. قصّة هذه الولادة الصحافيّة المبشّرة تركت أسئلة كثيرة عن الإنتاج الثقافي عامةً، والصحافي خاصةً، في ظلّ ظروف عصيبة، وفي ظل حالةٍ سياسيّة خاصّة، وأسئلة عن حالنا في داخل الأراضي المحتلة عام 1948 بهذا الصدد. فلننزل جنوباً إذن، بمرآة الصحافة التي تحكي قصّة مجتمع. لننزل جنوبا إلى فلسطين في الأسابيع الأخيرة فقط، حيث تدور النميمة حول فكرة وقْف أقدم الصحف اليوميّة الفلسطينيّة الصادرة حتّى اليوم.. حيث يُهدَّد أهم المواقع الإخباريّة والسياسيّة بالإغلاق.. حيث يُعتدى على صحافيي بعض القنوات خلال إحياء ذكرى يوم الأرض (لأنهم يخدمون «المؤامرة») أمام عدسات الكاميرات الإسرائيليّة.. جنوبا حيث تصدر صحيفة يوميّة منذ العام 2007 من دون أن يعرف عنها أحد، توزّع في أماكن محدودة بعدد قليل من النسخ، وتربح أموالاً طائلة من الإعلانات الحكوميّة بفضل ارتباطات مالك الجريدة بالإسرائيليين. أو حيث تتوقف مجلة ثقافيّة وفنيّة لمدة عام من دون أن يشعر أحد بغيابها، غير العاملين فيها. هذا إلى جانب عشرات الصحف المحليّة التي هجرت كل اهتمام ثقافيّ أو سياسيّ، وركّزت على مشاكل يوميّة وبلديّة من دون أن تضعها في سياقها الواسع. عشرات الصحف التي تصدر أسبوعيا وتوزّع مجانًا (كل الصحف في الداخل، على الإطلاق، توزّع مجانا) وتمتلئ بمئات الأخطاء المطبعيّة واللغويّة والصحافيّة، ناهيك عن الكوارث السياسيّة التي تعكس حال مجتمعٍ أنهكته تناقضات الهويّة.

بانيت: قصّة نجاح مأساويّ
وفي هذا الوضع الصحافيّ المريب، سنحكي قصّة نجاحٍ هائل غيّر وجه الصحافة داخل الخط الأخضر، وربما في كل فلسطين. قصة الموقع الإخباري Panet، أسسه شخص يدعى بسّام جابر، وهو صحافيّ بدأ مسيرته مراسلاً رياضياً لإذاعة «صوت إسرائيل بالعربيّة» يغطي ألعاب كرة القدم من الملاعب.
لنتوقف لحظةً عند «صوت إسرائيل» هذه. أنشأت الحكومة الإسرائيلية في العام 1956 هذه الإذاعة بهدف أعلنته رسمياً في المرسوم الحكوميّ: «بث الدعاية الإسرائيليّة إلى دول الجوار». صوت إسرائيل هذه لم تكن بوقاً لأسرلة الفلسطينيين داخل إسرائيل فحسب، ولا لنشر الدعاية الإسرائيليّة في الأقطار العربيّة فحسب، بل كانت أيضاً أداة تستخدمها أجهزة المخابرات الإسرائيليّة (الموساد والشاباك) للتواصل مع جواسيسها في البلدان العربيّة. واحدة من الحالات الشهيرة هي حالة منير روفا، العميل الإسرائيلي في العراق الذي هرب في العام 1966 بطائرة ميغ 21 إلى إسرائيل، بعد أن تلقّى عبر الإذاعة الضوء الأخضر لتنفيذ العمليّة.
في العام 2002، كان الفلسطينيون في الداخل يلملمون جراح استشهاد 13 شاباً منهم، استشهدوا في أحداث أكتوبر 2000، تزامناً من انطلاق الانتفاضة الثانية. كانت عمليّة بناء الجمعيّات الأهلية في أوجها والصحافة قد أخذت دوراً مركزياً في المشهد حتى أغلقت السلطات الإسرائيلية «راديو 2000»، وهي إذاعة لعبت دوراً مهماً في إخراج الناس إلى الشوارع، وفي التعبئة الجماهيرية للنزول والاشتباك مع الأمن الإسرائيليّ. في هذه الظروف، أطلق بسّام جابر موقع انترنت جديدا تابعاً لجريدته «بانوراما»، وأطلق على موقعه اسم PANET .
وكما تجري العادة عند افتتاح أي مشروع إعلاميّ جديد، تكثر الأسئلة حول طاقم العمل، فهويّة القائمين على المشروع تحدد الكثير من ملامحه وتوجّهاته. لكن في حالة PANET، لا تهم هويّتهم الشخصيّات بقدر ما يهم ارتباطهم العائلي، فمشروع إعلامي يدور حول عائلة، يعكس عقليّة ليست أقرب ما يكون للشفافيّة والمهنيّة على مستوى العمل، وليست أقرب إلى التحديث والتقدميّة على مستوى القيم.
فبينما يترأس بسّام جابر تحرير الموقع، تقع الملكيّة الرسميّة للموقع تحت اسم زوجته عايدة، أما ابنته فريدة فتترأس تحرير الجريدة المطبوعة. ابنه شادي هو المدير التقني للموقع، وابنه الآخر، سامي، مقدم في تلفزيون الانترنت التابع للموقع (إلى جانب مقدميّ البرامج المخضرمين: والده ووالدته) في الوقت ذاته، تشغل زوجة فادي، نوّارة، منصب المحررة المسؤولة في الموقع. ونوّارة نعرفها من الخبر الذي احتل رأس الصفحة الأولى للموقع ليومٍ بأكمله، ولاقى نحو 500 تعليق: «سامي جابر يختار الآنسة المهذّبة نوّارة لتكون شريكة حياته». أما الأخ الآخر فادي - فمغرم بسباق السيّارات، وقد افتتح له والده ملحقاً أسبوعياً في الجريدة حول السيّارات، وعندما كبر فادي وصار له ملحقه الخاص تزوّج من نسرين، التي وصفها العنوان الرئيسي للموقع بـ«صاحبة الصون والعفاف»، وفي العام 2011، افتتحت نسرين موقعاً اخبارياً للنساء اسمه «نسوان.نت»، وهو موقع مهتم بالحفاظ على البشرة والعريس والحمّى الغذائيّة، إلى جانب الزوايا الاختصاصيّة «مطبخ حوّاء» و«حمل وولادة».
لماذا نخصص كل هذه المساحة لمشروع إعلامي يفتقر الى الحدّ الأدنى من الأسس الصحافيّة؟ لأن إحصائيّات وصوله للجمهور صادمة: 1,200,000 دخول يوميّ لموقع الانترنت، أغلبيّتهم الساحقة من داخل فلسطين. للتذكير، عدد فلسطينيي الداخل اليوم 1,300,000 فقط. إحصائيّات أخرى تشير إلى أن 85 في المئة من البيوت الفلسطينية في الداخل تتصفح موقع بانيت يومياً. إحصائيّات أخرى تشير إلى أن هذا الموقع سبق كل المواقع الإسرائيليّة (بما فيه موقع جريدة هآرتس وجريدة معاريف)، ما عدا موقع جريدة يديعوت أحرونوت.
إذناً، لنفحص ما هي العناوين التي تلقّاها 85 في المئة من المجتمع الفلسطيني في الداخل في الأسبوع الأخير: وفاة مسنّ بعد وفاة زوجته بأسبوعين، طالبات مدرسة يشاركن في مهرجان للرسم في المسجد الأقصى، اعتقال شخص بسبب نفوق كلبه، القدّاس الأسبوعي في كنيسة الروم (أسبوعي؟ ما الخبر إذاً؟)، زيارة أطفال في الصف الأوّل لمصنع منتوجات الحليب، مقابلات مع خمسة أشخاص على القهوة حول الفنادق المفضلة لديهم في الأردن وسيناء، وحملة تخفيضات في أحد المجمّعات التجاريّة، وعشرات العناوين عن المعتمرين. هذا كله إلى جانب افتتاح زاوية المفقودات التي يحتل عنوانها «مقدسيّ يبحث عن مفاتيح سيارته»، وزاوية «قلوب حائرة»، وزاوية «تفسير الأحلام». هذه هي العناوين الرئيسية التي تحتل رأس الصفحة الأولى لأكبر وأهم صرح إعلامي فلسطيني. هذه ليست نكتة.
عندما انطلق، كان هو أوّل موقعٍ إخباريّ عربيّ يحمل في عنوانه خاتمة «co.il» الإسرائيليّة. هذه ليست مصادفة، هذه رمزيّة تعبّر عن نهج. هذه الصحافة المشوهة تعكس المنشود إسرائيلياً من تشويه للمجتمع وللثقافة العربيّة. وقد حققت الصهيونية إنجازاً في هذا المجال عبر ما نسمّيه في فلسطين بـ«ثقافة Panet»، التي أصبحت تعتمدها أغلبية الصحف الساحقة. هذا النوع من الصحافة لا يكتب، بل ينسخ ويلصق ما يصله عبر البريد الإلكتروني من عشرات البيانات الصحافيّة كل يوم. ينشرها دون مراجعة أو تدقيق أو تحقق من المصدر، ودون تعليق أو تحليل أو توسّع أو سياق. أحد الزملاء في قسم الإعلام التابع لمؤسسة فلسطينية يحدثنا كيف أرسل بياناً فيه خطأ مطبعيّ يحوّل كلمة ما إلى شتيمة: «كلّهم نشروا الخبر كما هو، كلّهم على الإطلاق!» يقول الزميل. في حالات أخرى نشرت الصحف ومواقع الانترنت بيانات صحافيّة من دون أن تحذف التذييل: «لتفاصيل أخرى يمكن الاتصال على...». وأسهل المقالب التي يمارسها الشباب هو أن يكتبوا خبراً محرجاً عن صديقهم ويرسلوه إلى هذه المواقع. هذه حالات مضحكة، لكنها لا تعود كذلك حين نذكر أن جزءاً كبيراً من البيانات الصحافيّة يصدر عن الشرطة الإسرائيليّة، أي عن الناطق بلسان الجيش أو مؤسسات حكوميّة مختلفة، ونحن نبتلع الخطاب، ليس بسبب توجيه خبيث مثلما كان الأمر في «صوت إسرائيل»، بل بجريمة الإهمال وانعدام المهنيّة التي نرتكبها بحق أنفسنا.

ما سرّ هذا النجاح؟
صحافة Panet التي تنتهجها عشرات مواقع الانترنت الاخباريّة والصحف، تعتمد على الصور في الخبر. وما نقصده على سبيل المثال، إضافة أكثر من مئة صورة لخبر من سبعين كلمة. صور كثيرة لا علاقة لها بالموضوع ولا بالخبر، صور أشخاص مرّوا من المكان، أو مجموعات مراهقين يطلبون من «الصحافي» تصويرهم، وعندما نقول «الصحافي» نقصد عشرات الصحافيين المنتشرين في جميع أنحاء فلسطين، المؤهّل الوحيد الذي يحتاجون اليه هو أن يمتلكوا كاميرا وسيّارة.
تقدّم هذه الثقافة للجمهور أخباراً عن حارته وبلدته، عن مدرسة أبنائه وعن زفاف ابن عمّه، بكلمات قليلة جداً وبسيطة جداً، وكيل مديح لا أول له ولا آخر. إنها تشبع في المتلقّي غريزة النجوميّة وغريزة الظهور على الشاشة، هذا ما فهمه رجال الأعمال هنا. مجتمع فاقد لملامح التمدّن ومتقوقع في الحلقات الاجتماعيّة المتأخرة، في العائلة والعشيرة والحيّ، ويريد اصطناع النجوميّة ولعب دور البطولة في فيلم نعيش فيه كل الوقت بأدوارٍ ثانويّة وهامشيّة.
سرّ آخر لرواج موقع بانيت، ليس فقط في داخل فلسطين بل في بعض البلدان العربيّة أيضاً، هو أن الموقع (وغيره ممن التحقت بنهجه) استغل الوضع السياسي القائم وامتناع الشركات في الوطن العربي عن التوجّه إلى محاكم إسرائيلية في قضايا الحقوق الإبداعيّة، فأخذت هذه المواقع تنشر آلاف الأغاني والأفلام والمسلسلات العربيّة ضاربةً بعرض الحقائق حقوق النشر القانونيّة. في العام 2008 كشفت صحف عربيّة عن قضيّة رفعتها شركة «روتانا» عبر شركة إسرائيلية ومكتب محامين إسرائيليين ضد موقع بانيت في المحكمة الإسرائيليّة. والهزلي في تلك القضيّة أن موقع بانيت انقلب، بين ليلة وضحاها، إلى رأس حربة في مناهضة التطبيع (لأن روتانا لجأت الى محكمة اسرائيلية) لبضعة أيام.
في ثقافة بانيت، الإعلانات هي كلّ شيء: في فحص لصحيفتين محليّتين وصحيفتين أسبوعيّتين وجدنا ثلثيّ صفحات الجريدة محتلة من الإعلان، وثلثها فقط مواد صحافيّة. وحتى الإعلانات في هذه الصحف إعلانات بدائيّة تفتقد الحد الأدنى من الإبداع والتفكير.

ما تبقّى لنا
تبقى الصحف الحزبيّة: يوميّة «الاتحاد» (جريدة الحزب الشيوعي) الصادرة منذ العام 1944، أسبوعية «صوت الحق والحريّة» (جريدة التيار الإسلامي) الصادرة منذ العام 1989، وأسبوعيّة «فصل المقال» (جريدة التيار القومي) الصادرة منذ العام 1996، هي الوحيدة التي تحافظ على توجّه سياسي، لكنها تبقى وحيدة في عالم ودّع الصحافة الحزبيّة منذ عقود. الصحف الحزبيّة تبقى محصورة بين أعضاء الحزب ودوائر أصدقائه، ولا تدخل البيوت مثل غيرها من الصحف، كما أنها قدّمت تنازلات مهنيّة كثيرة، بالأساس بسبب محدودية قدراتها المالية.
دور الصحافة مفقود. ولا يوجد حتى الآن من يحمل مشروعا صحافيا مستقلا، بالأساس بسبب العبء الماديّ. الفجوة كبيرة بين هؤلاء الذين يملكون المال، وهؤلاء الذين يملكون القدرات الصحافيّة والتحريرية والإداريّة. الجريدة الحزبيّة تقمع، والتجربة تشهد بعشرات حالات الخلافات التي أدت إلى فرض رأي المكتب السياسي للحزب على رئيس التحرير. وهناك من جهة أخرى من يسأل، بحق، عن جدوى الجريدة أصلاً في عصر يسطو فيه الانترنت على كل شيء، وهل يمكن أصلاً تحدّي الثقافة السائدة؟
حالة «بانيت» هي حالة غريبة لم نجد تعريفاً لها في قواميس الصحافة. هذه ليست صحافة صفراء، هذه ليست صحافة تجاريّة، ولا هي صحافة محليّة. لكنها حالة استطاعت أن تجذب مئات الآلاف لأنها عرضت ما يريدون رؤيته: أنفسهم على الشاشة، في بلدٍ يعجز فيه الإنسان عن أن يحقق ذاته.