في أسبوع واحد من شهر أيار/مايو المنصرم ذاع، على شبكات التواصل الاجتماعي خبران يخصان الكلاب في مصر. الأول عن كلبة نجح بعض نشطاء حقوق الحيوان في الحصول لها على هجرة إلى أميركا عند عائلة مضيفة، بعد أن فقدت جِراءَها بطريقة وحشية متعمَّدة في أحد شوارع مدينة الإسكندرية. والثاني عن افتتاح سيدة أعمال أول منتجع ترفيهي للكلاب الأليفة على مساحة 10 أفدنة، في موقع لم يحدد بدقة. وأرفق بالخبر بعض الصور الملتقطة للسيدة مع كلابها ضخمة الحجم، الغريبة عن البيئة المصرية، والتي يغلب الظن أنها مستوردة أو من سلالات أوروبية.
لمثل هذه الأخبار عدة زوايا يمكن تناولها تحليلاً وتفسيراً، ما بين تفسير نفسي سلوكي، وآخر حقوقي، وثالث اجتماعي طبقي استهلاكي، ورابع سياسي اجتماعي يحلّل مسارات علاقات القوة والعنف، وتعدّيها من الجوْر على الإنسان إلى العدوان على الحيوان خصوصاً والطبيعة عموماً. إلا أن الزاوية المهملة في الجدل المثار هي رؤية علاقة الناس بالحيوان في المساحة العمرانية للمدينة ودلالة التغير في نمط العلاقة / العلاقات على تغير العمران والمعمار.

الكلاب تعني حديقة وفناء

في شرق الإسكندرية – المتوسط طبقياً – نشأتُ في شارع قصير كان به أربعة منازل بها كلاب. لأسباب دينية شائعة، لا يرحّب بالكلب داخل المنزل، ورغم ذلك لم تُلتقط لي صور مع حيوانات أليفة في طفولتي إلا مع كلبة جيراننا المتدينين الذين تعرفت على الإخوان المسلمين عن طريقهم. فخلافاً للعداء السعودي الوهابي المتشدد ضد الكلاب، كان يشيع في أوساط المتدينين في مدينتي استثناء كلاب الصيد والحراسة من الحرمة / الكراهة الدينية. ولما كانت الإسكندرية مدينة عامرة بالسكان، خالية من ثقافة رحلات الصيد البري، فلم يكن لاقتناء الكلاب لدى المتدينين معنى سوى الحراسة. وبالفعل، كانت تربية الكلاب احتياجاً أمنياً في حدائق أو أفنية منازل من طابق واحد، في مناطق هادئة أغلب السنة، تقصدها السياحة الداخلية صيفاً لاقترابها من البحر.
لم يكن حي "المندرة" الذي ترعرعت فيه، بهذه الدرجة من التوحش أو شيوع اللصوص التي تجبر الناس على حراسة بيوتهم بالكلاب الرادعة، بل أيضاً كانوا يحتاجونها لحماية الدواجن وفراخها الصغيرة من ابن عرس. أمّا القطط فكانت ذات وظيفة في مكافحة الفئران، فضلاً عن كونها "لعبة" تربوية للأطفال مسموح بها داخل المنزل وعلى الأسِرّة والفُرُش. في بيت جيراننا، الذين لم يكن لهم أدنى صلة بالريف، لعبتُ مع الكلاب والقطط والأرانب والماعز والبط والأوز وأصنافٍ غير شائعة من الدجاج والحمام. وفي البيوت المجاورة لم ينقطع صوت العصافير على أشجار حدائقها، ولم تخطئ أنوفنا تمييز روائح الفل والياسمين في الربيع، ولم تكن أنظارنا تقع على أقل من عشرة أنواع من النباتات في اللقطة الواحدة.
كان وجود الكلاب في ظل ثقافة دينية محافظة – بلا تشدد – جزءًا من نمط عمران قام ارتجالاً ببناء بعض الشاليهات والفيلات والمنازل الخشبية قريباً من البحر، في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. يحكي الكبار عن شرق الإسكندرية وفراغه الفسيح حكاوي لا يصدقها من يرى فيها الآن ما يطلق عليه مناطق "الصين الشعبية". ورغم ذلك، كان الزحام يتسارع في المناطق القِبْلية، أي جنوب شريط السكك الحديدية، ذلك الذي أنشئ قديماً ليصل الملك إلى قصر المنتزه بسهولة، حيث لم يكن هناك طريق أسفلتي يربط شرق الإسكندرية بقلب المدينة الموصول بطريق القاهرة. أما المناطق الواقعة بين شريط السكك الحديدية والبحر، فهي ما يطلق عليها المناطق "البَحَرية" (بفتح الحاء في اللغة الدارجة). وهكذا، صار في شرق الإسكندرية "المندرة" بَحَري وقِبْلي، و "العصافرة" بَحَري وقِبْلي، و "سيدي بشر" بَحَري وقِبْلي، وكلها ضمن حي إداري واحد وهو حي المنتزه، الذي يضم العديد من المناطق الشاسعة الأخرى ريفاً وحضراً.
كان سلوك الأطفال الجمعي مع الكلاب تحديداً من بين سائر الحيوانات الأليفة ذا مؤشر طبقي. فالمناطق البحرية شاعت فيها علاقة خاصة مع الكلاب، فلا يألف الكلب سوى عدد محدود من المقربين. كانت الكلاب ذات أسماء تطلق عليها منذ الصغر، وكان يجري الاهتمام بتفاصيل دورة حياتها في التزاوج والإنجاب والوفاة. كان التهادي بالجراء الوليدة – بعد فطامها – هو الشائع، ولم يكن البيع والشراء سائداً رغم وجوده. وكان الطعام الأشهر هو أقدام الدجاج المسلوقة تُشْترى من محل الدواجن الحية، ولم يكن هناك ما يسمى بالطعام المجفف، كما لم يكن شائعاً تعليق لافتة تحذيرية من الكلاب على حدائق المنازل، إلا في حالة الفيلات الكبيرة ذات الكلاب الشرسة، وهو ما كان شائعاً في المناطق الأعلى طبقياً، في أحياء الرمل وسيدي جابر. كانت أنواع الكلاب السائدة هي ذات الأدوار الوظيفية، حيث كانت تربية الكلاب صغيرة الحجم كثيفة الشعر، أو ما كنا نطلق عليه "كلاب الزينة"، بمثابة سُبّة ذكورية في حق مربّيها.
أما في المناطق القِبْلية من حي المنتزه، كما في بعض المربعات السكنية الأقل طبقياً في المناطق البحرية، فكان الشائع مع الكلاب هو الملكية العامة أو الاستباحة العامة، بحسب ظروف الضبط الاجتماعي من الكبار. لم يكن للكلاب أسماء، ولم يكن للشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة سبيل لامتلاك الكلاب – شبه الخاصة – إلا فوق أسطح منازلها، حيث كانت منازل لعائلات ممتدة، ولا تزيد في أغلب الأحوال عن ثلاثة طوابق من دون أية مساحات خضراء أو فواصل فراغية بينها وبين المنازل المجاورة. وكان المبرر الذي يلح به الأبناء أحيانا على أمهاتهم (والأمهات تحديداً دون الآباء)، هو حماية الدواجن من ابن عرس، ولم يكن خافياً التطلع الطبقي للأبناء لمجاراة سكان المنازل ذات الحدائق في الشوارع والمناطق غير المكدسة. لكن الأغلب في سكن الكلاب كان الشارع، وفي طعامها مقالب القمامة العشوائية.

اختفت الكلاب حين استبيحت المدينة

لم يعد في شارعنا كلاب أليفة، ولم تعد المساحات المجاورة لشريط السكك الحديدية الداخلي مرتعاً لكلاب الشوارع، واختفى طائر الوطواط من سمائها منذ زمن بعيد. أخذ التنوع الحيوي، نباتاً وحيواناً، في الاضمحلال منذ أكثر من عقدين من الزمان، حين اختفى النمل الكبير (حرامي الحلة أو حرامي الزيتون) تحت قطران الأسفلت الذي حل محل الطريق الترابي المجاور لشريط السكك الحديدية. على جانبي الشريط الحديدي تم تعبيد طريقين من الإسفلت وإزالة عشرات الحدائق وبعض المنازل وسوق شعبية هائلة كانت قريبة من حدائق المنتزه الشهيرة. لا أحد يكره "التطوير"، ولا ينبغي لأحد كذلك أن يغفل عن العلاقة بين إزالة السوق ونقلها إلى مكان معزول عن السكان – في حينها – في المندرة القبلية، وبين "تنظيف" محيط عمارات الشيراتون المجاورة للفندق الفاخر والمطلة على البحر وعلى حدائق المنتزه. كان ذلك في عهد المحافظ إسماعيل الجوسقي الذي اشتهر، أو أشيع عنه، حصوله على شقة في كل عمارة فخمة مخالفة لقوانين البناء. مضى عهد الفساد ودخلت الإسكندرية عصر الإفساد..
تولّى المحافظة لواء المخابرات الأسبق، عبد السلام المحجوب، الذي يقال عنه إنه كان مسؤول التدريب الأمني لجمال مبارك نجل الرئيس المخلوع. في عهد المحجوب وحده، تم هدم أكثر من 400 قصر وفيلا أثرية وتراثية، منها 20 في يوم واحد، بحسب تقارير لجنة الحفاظ على التراث التي كان يرأسها محمد عوض، مدير معهد دراسات الإسكندرية والبحر المتوسط التابع لمكتبة الإسكندرية. اختفت ملامح أحياء كاملة، لاسيما منطقة "كفر عبده" التي كانت تضم أغلب السفارات والقنصليات قبل انتقالها إلى القاهرة، ومنطقة "لوران" وما يجاورها. وانطلق سُعَار عقاري يرى في أي منزل صغير تحوطه حديقه فرصة استثمارية هائلة لصنع ملايين مِن لا شيء تقريباً، خاصةً بعد انتشار التسويق العقاري الحديث القائم على بيع حصة كبيرة من الوحدات السكنية قبل الشروع في البناء.
بالتزامن مع استشراء التحرش الجنسي في شوارع القاهرة، كانت "قطع اللحم" المستباحة في الإسكندرية هي مساحاتها الخضراء وفراغاتها. تنافست العمارات في رؤية البحر فحجبت عن جيرانها لون السماء. هُدمت البيوت لتقام على مساحة العقار بالكامل، شاملة مساحة الحديقة، بنايات شاهقة، فغابت الشمس عن الشوارع الضيقة، وسكنت نسائم الريح، وارتفعت الرطوبة، وانكمشت الخصوصية، وطفحت المجارير التي لم تصمم لخدمة عشرات أضعاف السكان قبل عقد واحد.
لم تعد "الصين الشعبية" في المناطق القِبْلية وحدها، بل صارت نظيراتها البَحَرية مُتكَدَّساً عمودياً من مساكن الصين الشعبية الأغلى سعراً. ظهرت مشكلات جديدة تتعلق بركن السيارات، واختفاء مساحات لعب الأطفال والشباب في الشوارع مع غياب الأندية ومراكز الشباب، فانتشرت بؤر المخدرات في المقاهي ومحلات "البلاي ستيشن"، ولم يعد يرى الصغار في محيطهم نباتاتٍ كالتي كنا نراها، ولم يعرفوا صيد العصافير على أغصان الشجر ببنادق الرش كما عرفناها، ولم يبق لهم من روائحَ يستنشقوها في شوارع اشتهرت بعبير الفل والياسمين سابقاً، سوى المجاري الطافحة حالياً.
استبيحت المدينة بإشراف وتحريض من المسؤولين عن العمران فيها، وبآليات إفسادية متعمدة. صدر عن قناة "الجزيرة مباشر مصر" – قبل إغلاقها – وثائقي يرصدها ويشرّحها بعنوان "الكَحُول"، وهو اللقب المطلق على الشخص الذي يقوم بالدور المحوري في الفساد العقاري بالإسكندرية. كما نشأ نمط في البناء الخرساني السريع المحفوف بالمخاطر حمل اسماً منسوباً إلى المدينة المستباحة. اغتصبت المساحات، فلم يعد في المنازل متسع للكلاب الأليفة. أما أسطح منازل العائلات الممتدة فقد ارتفعت أكثر من عشرة طوابق عن ذي قبل، وصارت ملكية مشتركة لعشرات الأسر، ولم يعد بها سوى مكان لخزان المياه وأطباق استقبال البث الفضائي. لم يعد للشرائح الدنيا والمتوسطة سبيل لاقتناء الكلاب، وحتى الكلبة التي ولّدت جِراءَها في شارع رشدي بمنطقة كليوباترا العريقة، لم تسلم من قتلهم أمام عينيها بعصا خشبية مثبت بها بعض المسامير، على مسافة شارعين من موقع قتل الشاب خالد سعيد في صيف 2010 على يد الشرطة. ومن دون إطلاق تعميمات، يبدو أن قصة عمران الإسكندرية الأليمة يتسلسل فيها استباحة المكان، وغياب الحيوان، وتوحش الإنسان.