كانت عروس بحرٍ غنّت لشاطئه فيروز، ثم صارت عجوزاً مثقلة بالحنين إلى ذكريات الصبا. كان جمالها يكمن في علاقاتها الودودة بأهلها وزائريها، كل بحسب ما يستحق. للزائر كرم الضيافة وأبهى المناظر، ولأصحاب المدينة حقوقهم في ملكية مساحاتهم فيها، حتى لو لم تكن مطلة على البحر، حتى وإن كانت آسنة في أوحال الشتاء القارص في غيبة حكومة تخدم مواطنيها وتشيّد مرافق حياتهم. تبدّلت الأحوال كثيراً، ونشبت العراكات بين السكان وبين الزائرين الموسميين، وشهدت شبكات التواصل الاجتماعي مؤخراً خطاب كراهية جهوي ضد الريف وثقافة الريف، بلغ درجة الزينوفوبيا أو الرُهاب من الآخر، لا فرق في ذلك بين ريف وحضر. نسي أهل الإسكندرية أن المصطافين لم يخربوا مدينتهم، بل فعلها الجنرال والمقاول والكَحُول (وهو "وسيط" من نوع خاص).

كيف بدأ العسكر الخراب؟

احتل الإنجليز المدينة بعد أن دمروا أجزاءً كبيرة منها بالقصف البحري في مطلع العقد التاسع من القرن التاسع عشر، وعرفوا من تاريخها القديم أن تربتها هشة، وأن أقدامهم لا تطأ أرضاً بقدر ما تطأ أسقف مدينتين تحت ركام زلازل هدّمت – في ما هدّمت – منارتها العتيقة، التي كانت من عجائب الدنيا السبع. أخذوا حذرهم، فتوسعوا في البناء الأفقي لتوزيع ضغط البنيان على التربة، وجعلوا للبناء على كورنيش المدينة شفرة معمارية موحدة، أقلها الالتزام بارتفاع محدود يليق بمدينة ساحلية ذات تربة ضعيفة. مرّت الأيام والسنون، وتحررت مصر من نير الاستعمار، واستبدل أهل الخبرة بأهل الثقة، وازداد السكان بالخصوبة والهجرة الداخلية، وبدأ العمران يتوسع شرقاً خارج المساحة القديمة.
في الشرق الأقصى من الإسكندرية، تقع ضاحية "أبي قير" ذات الطبيعة الريفية البحرية آنذاك، حيث الصيادون ذوو الثقافة الريفية أكثر منها الحضرية، الذين كانت الإسكندرية بالنسبة إلى موقعهم سفراً يستدعي الترتيب المسبق. وبين أبي قير والإسكندرية مساحة شاسعة من أخصب الأراضي الزراعية، اقتُطِعت منها عشرات الأفدنة ليقام عليها قصر المنتزه وحدائقه المحيطة في العهد الملكي، ثم مساحة رملية أكثر اتساعاً وجدباً، أقيمت عليها لاحقاً أكواخ وفيلات ومصايف كان أغلبها إما مملوكاً للأجانب أو لزائري الإسكندرية في الصيف فقط من الميسورين من القاهرة أو من المحافظات الأخرى.
لم يطرأ على ساحل المدينة شيء ذو بال، إلا بعض العمائر التي بدأت تظهر بعد منطقة الرمل – الأرستقراطية سابقاً – وبين قصر المنتزه، أي في مناطق سيدي بشر وميامي والعصافرة والمندرة. لكن حتى منتصف الستينيات من القرن الماضي، كانت رؤية البحر متاحة لسكان المنازل معدودة الطوابق في المناطق القِبْلية (أي الواقعة جنوب خط السكك الحديدية الواصل بين وسط المدينة وشرقها). في أواخر الستينيات، استدعت الضرورة الحربية والأمنية أن تقام قاعدة الدفاع الجوي الوليدة بين أحراش منطقة طوسون باشا المطلة على البحر غرب أبي قير، ثم أقيمت لاحقاً الكلية البحرية إلى جوارها. ولأسباب عسكرية بالمقام الأول، تمّ مدّ خط السكك الحديدية الداخلي شرقاً، فبعد أن كان ينتهي في المنتزه أضحى واصلاً إلى أبي قير، التي صارت جزءاً لا يتجزأ من المدينة. وكان الغرض الرئيسي هو نقل الجنود إلى مكان خدمتهم في منطقة طوسون. حتى حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، كان مقرّ قيادة المنطقة الشمالية العسكرية ممتداً من موقعه الحالي قريباً من محطة قطار سيدي جابر الشهيرة حتى طريق الكورنيش في منطقة مصطفى كامل (أقرب لوسط المدينة). انتهت الحرب، ووقِّعت معاهدة السلام، وبدأ الانفتاح الساداتي، فانطلقت معه موجة "الاستثمار العقاري العسكري" تجرف المدينة، بماضيها وحاضرها ومستقبلها.
كانت البداية هي اقتطاع مساحة كبيرة شاغرة تابعة لقيادة المنطقة الشمالية، لم يعد لها قيمة عسكرية بعد الحرب والمعاهدة، فتحوّلت إلى فرصة عقارية مميّزة لبناء عمارات ضخمة للضباط، مطلة على البحر. كانت عمارات مصطفى كامل لضباط القوات المسلحة أول خرق لقواعد البناء على الكورنيش، فظهرت أبنية قاربت العشرين طابقاً في سابقة معمارية لم تشهدها المدينة من قبل. أما ما خفي من القصة فيحكيه الأثريون في المدينة الذين شهدوا تعطّل أعمال الحفر والبناء بسبب الآثار اليونانية والرومانية الهائلة التي كانت تحويها هذه الأرض. ببساطة شديدة، أقيمت مدينة الضباط على أنقاض مدينة الموتى البطلمية الرومانية، "نيكروبوليس"، أي مساحة هائلة من المقابر التي اعتاد البطالسة أن يبنوها خارج أسوار المدينة (بمساحتها القديمة المحدودة). في ليلة ظلماء، بلغ الضجر والحنق مداه من القيادة العسكرية، فقرروا عدم الالتفات إلى استغاثات هيئة الآثار، وصدر القرار بصبّ الأساسات الخرسانية صباحاً. حمل مَنْ استطاع ما استطاع أن يحمل من تماثيل وأوانٍ وغيرها، وتركت مساحة محدودة تم تسويرها ذراً للرماد في العيون، وأقيمت الغابة الخرسانية على البحر مباشرة، وتركت منطقة الحفر لهيئة الآثار.
أعجب مستثمرو العسكر بالمدينة العقارية الأولى، فانطلقوا إلى طابية (برج او قلعة) عسكرية أثرية في منطقة سيدي بشر كان يعلوها مدفع الإفطار الرمضاني الذي كان يطلق قذيفته في البحر مؤذناً بغروب شمس أيام الشهر الفضيل. هُدمت الطابية وأقيم مكانها "فندق المحروسة" لضباط القوات البحرية، وشيّدت حوله غابة أسمنتية شاهقة مخصصة لسكن ضباط القوات المسلحة ومصايفهم. تعددت الفنادق والعمارات المملوكة أو المنتفع بها حصراً لضباط الجيش وتناثرت بطول الكورنيش، وأمست ارتفاعاتها فوق المعتاد وفوق الـ "كود" المعماري وفوق القانون، ففتح الباب للمدنيين كي يرتفعوا بعماراتهم، وبدأت الصفوف الأولى تحجب رؤية البحر عن الصفوف التالية.

مقاول فاخر وكَحُول فاجر

خارج أسوار المدينة القديمة، ومن بعد "نيكروبوليس" الشرقية، انعدمت الشواطئ الرملية الطبيعية تقريباً في كورنيش منطقة الرمل حتى الطابية، باستثناء شاطئ ستانلي وكبائنه الشهيرة. بين الطابية المهدومة وحدائق المنتزه تمتد شواطئ الإسكندرية الأكثر شهرة، سيدي بشر وميامي والعصافرة والمندرة. كنا، صغاراً، نعرف أن الخط الصخري الواصل بين جزيرة العصافرة الصغيرة وشواطئ حدائق المنتزه عامر بحيوان قنفذ البحر، أو "الرتسة" بالنطق الدارج، وكنا ننتظر صفاء السماء وهدوء الأمواج كي نصطاد الرتسة بقليل من الغطس الحر، لنخرج بما اصطدناه ملتهمين لحمه البرتقالي تحت شماسٍ كنا نأتي بها من منازلنا في المناطق البَحرية. وحين تتلبد السماء، ويشتد الريح، فتهيج الأمواج، كنا نستبدل السباحة البعيدة صوب عرض البحر بهواية ركوب الأمواج. فجأةً، وجدنا الشواطئ الفسيحة تتآكل، ثم أتت المعدات البحرية الضخمة وألقت بمكعبات أسمنتية هائلة فوق الخط الصخري الغاطس بين جزيرة العصافرة والمنتزه، إنقاذاً للشاطئ المتآكل بحاجز أمواج صناعي.
مرت سنوات عديدة، وكان الظنّ الغالب أن الشاطئ يتآكل لأسباب بيئية كبرى.. ربما احتباس حراري وربما تغيرات مناخية أخرى. ثم اكتشفنا أن شواطئ شرق الإسكندرية تتآكل بسبب الردم الصناعي في أقصى الغرب لإقامة منتجعات سياحية فاخرة على مسافة 90 كيلومتراً في طريق مطروح. أقيمت سلسلة القرى السياحية "مارينا" على الساحل الشمالي، وشيّدت فيها الجزر الصناعية وحواجز الأمواج المتصلة بالشاطئ، ومرفأ اليخوت، وغيرها من أعمال استدعت إلقاء مئات الآلاف من أطنان الحجارة والصخور والرمال ومواد البناء في البحر، فغضب البحر في اتجاه الرياح التقليدية، وذهبت الأمواج تنخر في شواطئ شرق المدينة.



أما على البرّ، فكان جنرالات النيوليبرالية يحْكمون المدينة إدارياً وتنفيذياً. فإذا كانت شلة نجل مبارك قد استولت، هي وشلة أبيه، على عشرات الآلاف من الأفدنة على الساحل بين الإسكندرية ومطروح، فأهدروا قيمتها الزراعية والتنموية الفريدة في منتجعات تظل شاغرة أغلب السنة، وإن كانوا قد اعتدوا على البحر فأضرّوا المدينة، فإن جنرالات الحكم التنفيذي كان لهم باع في تدمير عمران الإسكندرية من داخلها.
أتى جنرال المخابرات السابق، عبد السلام المحجوب، محافظاً للإسكندرية أواخر التسعينيات من القرن الفائت، ليبدأ عهد التجميل الأجوف للمدينة. اهتم بالكورنيش وأشهر المناطق، وانطلقت في عهده "القبور" الشاهقات إلى ارتفاعات غير مسبوقة في شوارع ضيقة وعلى تربة هشة، أحياناً تكون طينية في شرق المحافظة. قام الجنرال المحجوب بنفسه بتعليم صغار المقاولين كيفية التلاعب والالتفاف على القانون، بإرسال الاستغاثات إلى المحافظة والأحياء بأسماء سكان وهميين يقطنون الطوابق العليا من العمارات المخالِفة، فتقف قرارات الهدم، ثم يدفع المقاول غرامة زهيدة وتتم المصالحة، وتدخل المرافق كاملة من ماء وكهرباء باعتراف رسمي من المحافظة.
تضخمت الأرباح، وانطلقت طبقة جديدة من المقاولين الناشئين لا تُبْقي فيلّا ولا تذر بيتاً منخفض الارتفاع، فعقدوا الشراكة مع المُلاَّك، وساوموا المستأجرين، وهدموا البنيان، وجرفوا الحدائق، وتنافسوا في رؤية البحر فحجبوا عن جيرانهم لون السماء وضوء الشمس وعلة النسيم. كثرت الدعاوى القضائية، فتواطأ أطراف الفساد العقاري جميعاً، مقاولين وتنفيذيين وشرطة ونيابة، على خلق ظاهرة "الكَحُول"، أي المغفّل الذي يوقع ببصمته أو بخطه الرديء على ما لا يعرف مضمونه. في الحقيقة، لم يكن الكَحُول مغفلاً، بل كان شريكاً واعياً في الجرائم، وإن كان هو نفسه – رجلاً أو امرأة – ضحية الفقر والجهل والتهميش. أتوا بفقراء يحملون بطاقات هوية من أعماق قرى الصعيد، ولا يستدل على عنوانهم الحقيقي في ضواحي الإسكندرية، فأغروهم بالمال، وجعلوا الأوراق الرسمية باسمهم حتى حين، مع ضمان إعادة الملكية للمقاولين بأوراق رسمية أيضاً وقعوا عليها سلفاً. تصدر الدعاوى القضائية باسم الكَحُول، وتصدر عليه العقوبات، ويأمن المقاول من المحاسبة وهو الذي يعرفه مهندس الحيّ وضابط الشرطة الفاسدان كما يعرفه السكان والجيران (وإن لم يملكوا إثبات ذلك)، إنِ انهارت العمارة على رؤوسهم، كما حدث بالفعل مراراً.
خرِبَت المدينة في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. تشارك في ذلك الجنرال الحاكم والمقاول الثري والكَحُول الفقير. اختنق الهواء، واختفى الخضار، وديست الأزهار، فأظلمت الشوارع في الظهيرة، وطفحت المجاري، وهدمت الآثار، واستبيح التراث الإنساني والمعماري الفريد، واختُطفت المدينة من مالكيها، وسُلبت منهم الذكريات. تتوافد على شوارع الإسكندرية جحافل من مصطافين لا يهتمون سوى بخطف لحظات المتعة في يوم واحد قبل أن تعود بهم الحافلات إلى بؤس قراهم ومدنهم الأقل حظاً من المدينة العامرة الخربة، غير مكترثين لسكانها المقيمين الذين التفتوا عن مخربي مدينتهم إلى العراك الموسمي العبثي مع الزائرين. انتهى الجنرالات من المدينة فانطلقوا يبيعون أراضي الصحاري الشاسعة، محتكرين السواحل والمناجم والرمال في ربوع مصر الفسيحة، واطمأن سوليدير إلى علو همة أقرانه في الإسكندرية كي لا يبقى لفيروز ما تغنيه هنا أو هناك. انتهت الجنيهات من أيادي "الكحاويل"، وعادوا إلى حيث ينتمون، تلاحقهم أحكام قضائية تدينهم بالسجن. وها هي الإسكندرية كما علّمت المدن جمال العمران تعلمها قبح الخراب في وصفة سهلة: استبداد جنرال، وفساد مقاول، وانتهازية كَحول لم يعد بعد اليوم مغفَّلاً.