انعقد في 6 شباط/فبراير الجاري، يومٌ ناهَض فيه التونسيون العنف والاغتيال السياسي. وفي حديقة الشهداء وسط مدينة القطار في ولاية قفصة، ارتفعت أغان شبابية وتجمهر الأهالي. كانت تلك هي الحفلة الفنية الأولى من نوعها في المدينة التي يكتظ فيها الشباب المهاجر سراً إلى أوروبا، والذي أعيد قسراً من لم يغرق منهم الى الولاية، التي عرفت أعلى نسب الهجرة في البلاد. لم يعهد المسافر القطار في مدينة "القطار"، بل هو يراه محملا بالفوسفات، الموحي بالمرض والتلوّث، يتحرك مرات عديدة في اليوم قاطعاً الولاية.
صودرت نصف مساحة "الواحة" وبنيت محطة القطار وسكّته. وهو قبلا كان يحمل المسافرين، إلا أنه ومنذ العام 1990 استبدلت عربات السفر بمستوعبات لحمل الفوسفات، وبقيت المحطّة صرحاً يؤرّخ لحكايا المسافرين وتاريخ الحارس، العم علي، المبتسم دوماً في وجه الجميع. في أيار/مايو 2012 اعتصم الأهالي لمدة شهر، وكان مطلبهم قطاراً للمسافرين، فأضحى الشعار رمزاً للنضال الاجتماعي.
من أهم منتوجات مدينة القطار الفلاحية الفستق والزيتون وبعض الخضروات، الى جانب واحة نخيل تنتج أنواعاً متعدّدة من التمور ذات الجودة العالية. الواحة هي رئة المدينة ومجالها الاقتصادي منذ سنوات، لكنها ضمآنة، أصابتها الشيخوخة، يبست ومات نخيلها واقفاً. مساحتها 530 هكتاراً. تقنية "المكايل الرومانية" في الري التي تزودها بالماء بقيت كمعالم اثرية وشواهد على تاريخ قديم مليء بالحياة. وكانت قديماً تسقى من عيون تنبع من جبل عرباط. جبل يقف حارساً للمدينة، الثاني طولا في تونس بعد جبل الشعانبي، بنيّ اللّون جرّاء مقاطع الصوّان التي تتناثر على جنباته، يعتبر مجال استقرار بشري، اذ به وُجد معلم "القطار" أقدم المعالم الدينية المكتشفة إلى حدّ الآن والتي تعود الى ما يقرب من أربعين ألف سنة قبل الميلاد. يجسد المعلم الاثري بناءً بسيطاً في شكل كومة مخروطية الشكل تتركب عناصرها من حجارة وعظام حيوانات وأدوات من الصوان. على مشارف الجبل يلتوي وادي "الطرفة" الذي ينتهي بهضبة "القلعة". يجلب الأهالي من الوادي حجارة الغرانيت لصنع الرحى كبيرة الحجم التي تُطحن بها الحبوب والتوابل، وأمّا صغيرة الحجم فتستعمل لطحن أوراق الحناء التي توضع فوق الرأس كدواء للصداع أو لتخضيب الشعر والأيدي. وأما هضبة "القلعة" فهي مكان تتبارك به النسوة اللاتي يعجزن عن الحمل، فيجلبن اليه الهدايا ويُضئن له الشموع.
"القلعة" اسم رافق كذلك الحراك الاجتماعي بالمدينة. ففي غياب وسائل الإعلام، تأسّست جريدة الكترونية تحمل اسم "راديو القلعة اف ام "، كانت ترصد وتوثق هموم الأهالي واحتجاجاتهم وكل الفعاليات، عبر الفيديو الرقمي والمقال الإخباري. المدوّن عماد، صاحب الموقع الإخباري والمصوّر والكاتب والمسؤول التقني عنه يقول: "الفضل ليس لي، كل الفضل للأهالي، هم مادّتي الاعلاميّة وكذلك لهذا الهاتف الذكيّ الذي يقدّم لي ما اطلبه منه تقنيّاً. وأمّا النشر فلكسر حاجز التعتيم الاعلاميّ عن مدينة تحتاج اهتماماً اكبر".