#«حتى أنا حرقت مركز»: أنا كذلك أضرمت النار في مركز للشرطة، وهو هاشتاغ انتشر في وسائط التواصل الاجتماعي بتونس، وفيه إقرار بارتكاب جريمة. لم يكن هناك فعل جرمي بل سخرية من التهم التي طالت نشطاء الحراك الاجتماعي في السنوات الأربع الأخيرة، والتي تنوّعت بين «قصد الإضرار عمداً بملك الغير باستعمال الحرق بمحل غير مسكون» و«الاعتداء على موظف أثناء أدائه لمهامه»، و«التهديد بما يوجب العقاب جنائياً»، و«حرق مراكز السيادة» و«تعطيل الأعمال» و«تعطيل السير» و«التحريض على العنف»... في ظلّ هذا المشهد الغريب، يتدارك الموقف المجلس الوطني التأسيسي ويصادق على القانون الأساسي المتعلق بأحكام العدالة الانتقالية في 2 حزيران/ يونيو 2014 حيث ينصّ فصله الأول على أنه «لا تخضع للمؤاخذة الجزائية الأفعال التي تم القيام بها من أجل تحقيق الثورة وإنجاحها في الفترة الممتدة بين 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 و28 شباط/ فبراير 2011. وبالنسبة لمن تمت مؤاخذته بحكم اتصل به القضاء من أجل ارتكاب أحد تلك الأفعال المذكورة في المدة المحددة، يتمتع بالعفو التشريعي العام ويسلم الوكلاء العامون لمحكمة الاستئناف كلٌ حسب اختصاصه شهادة في الغرض».
... يعيد الراوي سرد الحكاية نفسها، حكاية ثورة قامت في يوم ما، حيث الجغرافيا هي نفسها وكذلك الأسماء، والسجن، وحتى القوانين والتهم. فمنطقة «الهيشريّة» التابعة لولاية سيدي بوزيد تعتبر النموذج الذي شدّ انتباه كل التونسيين استغراباً ودهشة خلال شهر شباط/فبراير 2011 حين تم اتهام 52 فرداً بحرق مقرّ للشرطة، وتصدّرت «خالتي عانس» ذات الواحد والسبعين سنة المشهد، وهي المتهمة مع ابنيها بارتكاب جرائم الحرق والعنف. «الهيشرية» الواقعة جنوب مدينة سيدي بوزيد هي منطقة فِلاحية، ذات تربة عالية الخصوبة، منتجة أساسية للزيوت، ولكنها نالت نصيبها من التهميش السياسي والاجتماعي، فهي تفتقد الى الحد الأدنى من البنية التحتية كالطرق المعبّدة والمستشفى، ويعتبر غياب مقرّ للبلدية الشغل الشاغل لساكنيها الذين يتنقلون إلى معتمدية سيدي بوزيد الغربية التي تبعد أكثر من 45 كيلومتراً كلما أرادوا دفع فواتير الماء والكهرباء أو استخراج وثائقهم الرسمية. هذه الأسباب دفعت الساكنين إلى الاحتجاج خلال سنة 2011، وهي ما تدفعهم إلى الاحتجاج اليوم. انطلقت محاكمة المتهمين في أحداث 2011 في شهر أيار/ مايو الماضي وتم تأجيلها عدة مرات نظراً لأن قانون العدالة الانتقالية الذي صادق عليه المجلس الوطني التأسيسي لم يتمّ إصداره في مجلّة الرائد الرسمي التونسي، حيث التباطؤ الاداري سيد الموقف فتبقى «خالتي عانس» متّهمة رغم تبرئتها من قبل السلطة التشريعية.
تتالت التهم والمحاكمات وأصبح العدد في ارتفاع متزايد يوماً بعد يوم. كانت البداية بمحاكمة عشرة شبّان من جزيرة جربة خلال السنة الماضية بتهم تتعلّق بالمشاركة في الحراك الاجتماعي خلال سنة 2011، لتتسع الخريطة وتشمل رموز جغرافيا الثورة التونسية، وخاصة مدينة تالة ومنزل بوزيان والمكناسي ومدن الحوض المنجمي ليصل العدد الى اكثر من 150 متهماً ومتهمة. وفي مقابل ذلك، تراوحت الأحكام في حق المتهمين بقتل الشهداء وارتكاب جرائم في حق جرحى الثورة بين البراءة والسجن مع وقف التنفيذ، الشيء الذي أثار جملة من الاحتجاجات وصلت حد إعلان عائلات الشهداء والجرحى الإضراب عن الطعام. وحتى الأحزاب ذات الأغلبية النيابيّة أدانت الظروف التي جرت فيها المحاكمات، وطالبت بمحاكمة عادلة ومنصفة تعيد الاعتبار للشهداء والجرحى ولعائلاتهم.