خلال الأربع سنوات الأخيرة، طرحت في تونس اسئلة "جديدة" تتعلق بالسكن: فهل أزمته مشابهة لازمة المليون عقار المعد للبيع دون مشترٍ في اسبانيا؟ الأرقام في تونس اشارت الى نصف مليون. اي دور ستلعبه البنوك أمام تعثّر المقترضين في تسديد الديون العقارية؟ هل هي عروض سكنية لا تستجيب لطموحات المستهلك بسبب اقتصارها على الأبنية الشاهقة وسط ضوضاء المدن، او لكونها معزولة وبعيدة...

"سوق ودلاّل"

تلك هي وضعية السكن في تونس، الكلمة تعني لكلٍ سوقه وكلٌ يغني على ليلاه. ذلك هو التعبير الذي يستخدمه الجميع كلّما جرى تناول الموضوع. غلاء أسعار الإيجار يضاف اليه قلّة المرافق المعدّة له
رغم التزايد المهول في المشاريع العقارية. فسيفساء مبنية على التناقض احيانا. يعترضك حين تدخل مدينة تونس، تنامي عدد الأبنية الشاهقة الحديثة الإنجاز، فتتوجّه نحو شركات الإيجار أو البيع لتصطدم أولا بالأسعار المرتفعة للغاية، وثانيا بمحدودية العرض مقابل الطلب. وقد مضى على الاستشارة الوطنية الأخيرة حول السكن أكثر من ثلاثة عقود. وقد أشار وزير الإسكان خلال شهر آذار/ مارس المنقضي، في إطار حديثه عن المئة يوم الأولى من عمل الحكومة الجديدة، الى أنه لا يمكن الاستجابة إلاّ الى 12 ألف طلب سكن اجتماعي من مجموع 30 الفاً. ارتفعت أسعار الإيجارات بأكثر من ثلاثين بالمئة منذ أربع سنوات، وتقدم لهذه الظاهرة مبررات عدة، منها ارتفاع عدد الطلاب بالجامعات، وخصوصاً استقرار أكثر من مليون مواطن ليبي على الأراضي التونسية في مدينتي صفاقس وتونس العاصمة، حيث تكاثر "السماسرة" أي الوسطاء.. وتنوعت الخدمات. فهناك نوعان، الأول هو الإيجار بالليلة والتي تصل احيانا الى ثمانين دينارا لليلة الواحدة خاصة في الأحياء الفخمة والآمنة من العاصمة كأحياء الحدائق والمنارات والمنازه، والضواحي حولها كحلق الوادي والمرسى وسيدي بوسعيد، والثاني، الشهري يتراوح بين الثمانمئة والألف وخمسمئة دينار في الأماكن نفسها، وذلك لمنازل لا تتعدّى غرفتين ومطبخا.
انعكس ذلك الوضع غير الخاضع لقوانين تهيكله على الطلاب الذين اصبحوا غير قادرين على الاستئجار. يظهر ذلك في تونس العاصمة أساساً التي استقبلت في السنة الماضية 49510 طلاب بنسبة إيواء عموميّ (جامعي) ضئيلة لم تتجاوز 16.6 في المئة، وذلك على الرغم من وجود المبيتات الجامعية العمومية. إلا أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجي تمنح حق السكن للطلبة الذكور لسنة واحدة، وللإناث لسنتين، في حين تبقى المبيتات الجامعية الخاصّة غير قادرة على استيعاب إلا جزء بسيط، ممّا يجعل الطلاب يبحثون عن الايجار في الأحياء الشعبية والبعيدة عن مقار الدراسة، وهو ما يكلفهم عناء التنقل لمسافات طويلة.

تضاعفت الأسعار منذ سنة 2011 حوالي خمس مرات في العموم. انتقلت اسعار المتر المربّع الجاهز من 400 دينار إلى ألفي دينار. وبالطبع، تختلف الأرقام من مكان لآخر، فحسب الدليل العقاري التونسي لسنة 2014، يصل سعر المتر المربع الواحد بحدائق قرطاج والمنازه الى 1900 دينار، ليتأرجح في صفاقس الجديدة بين 1100 و1250 دينار. لم يشمل الارتفاع شراء العقارات السكنية فقط بل شمل الايجار كذلك. ويعود ذلك في مرحلة اولى الى غلاء كلفة موادّ البناء، كالاجر والاسمنت والحديد.. والى ارتفاع فوائد القروض السكنيّة التي تصل الى حدود الاثني عشر في المئة من قيمة القرض. وهكذا يصيب السوق الكساد ليصل عدد المساكن الشاغرة الى أكثر من 500 ألف مسكن تتوزّع اساسا في المدن الكبرى كتونس العاصمة ونابل والشريط الساحلي، بحسب تقرير نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2014. والعجز عن الشراء يقابله عجز عن تسديد القروض العقارية التي تنبئ بأزمة تهدد القطاع البنكي، وخاصة بنك الاسكان الذي تجاوزت نسبة قروضه الموجهة للنهوض العقاري الأربعين بالمئة من مجمل معاملاته البنكية.
الغموض الذي يكتنف هذا القطاع يجري وسط تكتم سلطات الإشراف في ظل ارتفاع عدد المستثمرين العقاريين الذي بلغ 2800 مستثمر عقاريّ، وفي ظل تنامي عمليات البناء الفوضوية التي تقدر بـ29 الف مسكن كل سنة، والتي ضربت عرض الحائط بالتقسيمات العقارية التي أوجدتها الدولة من أجل تسهيل النفاد للسكن الاجتماعي.

.. والتخطيط العمراني

لم يكن الاقتصاد هو العنوان الوحيد لأزمة السكن المطروحة للنقاش في تونس، فهيكلة المجال الحضري والتخطيط العمراني في ظل التحولات التي تشهدها البلاد مهم، خاصة في ظل منوال تنموي يقوم على إنعاش اقتصاد المحافظات الداخلية عبر بناء مناطق صناعية جديدة قادرة على استيعاب جيوش العاطلين عن العمل. كان إعطاء الأولوية القصوى للمشاريع الاقتصادية دون الرجوع الى مخططات التهيئة العمرانية قد ولّد في الماضي البناء الفوضوي وتشكيل أحزمة من الأحياء الشعبية التي أصبحت ثقيلة الوطأة الآن، خاصة في مجال رسم خريطة البنية التحتية كالطرقات وقنوات الصرف الصحي والعديد من المرافق الأساسية كالمستشفيات والمدارس ووسائل النقل العمومي. من ناحية ثانية، اطلق على المخططات السكنية التي أقيمت حول المناطق الصناعية في الماضي، كالشريط العمراني الذي اقيم حول المناطق الصناعية في المدن الساحلية وفي مدن الحوض المنجمي حول مصانع شركة فوسفات قفصة، "التخطيط البيروقراطي"، فهي انجزت دون العودة الى الخصوصيات المحلية ودون لحظ الخصائص التراثية والاجتماعية للمكان وللسكان، ذلك أن التحولات السكنية، من ناحيتيها الاقتصادية والاجتماعية، تتطلب تدخلا اكبر من الدولة، عبر بلورة سياسات عمرانية تعيد النظر في نتائج الاستثمار العقاري لتجنب أزمة محتملة، وحتى لا ينقرض السكن الاجتماعي لينبت مكانه سكن عشوائي.