دفعت أحداث العام 1958 اثنين من أبرز الرحالة التشيكوسلوفاكيين، يرجي هانزيلكا (1920-2003) وميروسلاف زيكموند (ولد سنة 1919)، إلى زيارة لبنان، فانطلقا في رحلة بريّة طويلة في نيسان/ أبريل 1959 من العاصمة براغ نحو بيروت، حيث اقاما فيها لعدة أشهر كتبا خلالها ملاحظاتهما التي نشرت في صحف بلدهما ثم في كتاب صدر في العام 1961، بعنوان "الهلال المقلوب". بعد جزء أول، هنا الجزء الثاني ويليه جزء ثالث وأخير، ونكمل فيهما نشر مشاهداتهما التي احتلت الفصل الحادي والعشرين من الكتاب، وهو بعنوان "أناس بيروت الصغار".


 

بالقرب من مبنانا، خلف الزاوية، تقطن جارة بارعة الجمال. كلما مررنا بمنزلها تغضّ الطرف على استحياء متحاشية النظر إلينا. وللوصول إلى منزلها عليك أن تنزل على درج، فالمنزل أكثر انخفاضاً من الطريق. إلا أنه كان في السابق على الطريق مباشرة، وما حدث أنّه تمّ انشاء دار للسينما بنيت على الطرف المقابل من الطريق، ما رفعه نحو مترين، رصفت بالإسفلت وعبّدت، فغدا سقف منزل هذه الجارة على ارتفاع نحو متر ونصف المتر عن مستوى الطريق فقط. وعليك أن تكون حذراً حين تمرّ بالقرب منه، كي لا يرتطم رأسك بطرف السقف. وهل يمكنك أن تفعل ذلك مع وجود جارة بهذا الجمال؟

 

***

 

ليلى طفلة في الثالثة من عمرها، ذات عينين واسعتين وضفائر سوداء طويلة. لم يتسن للطفلة حتى النظر إلينا اليوم، إذ لم يكن لديها وقت وكانت مشغولة بما هو أكثر أهمّية منا. أخذت من يوسف صندله الخشبي، انتعلته وتقمّصت شخصيّة أمّها. عضّت شفتها السفلى، ثم وضعت بعناية حجراً تحت كعب رجلها اليمنى، وآخر تحت اليسرى. انتصبت وتمايلت ببطء خارجة من المنزل، ضامّة يديها إلى صدرها، تعلو وجهها نظرة رضى: انظروا أيها الصبية، كم تليق بي هذه السكربينة (حذاء نسائي). أليس كذلك؟ حسناً! ألستُ مثل أمي؟ أمس ابتاعت لنفسها سكربينة ذات كعب عال.

 

***

 

في شارعنا "كاراج ميكانيك" (ورشة لتصليح السيارات) وكندرجي (حذّاء) وخضرجي (متجر للخضار والفاكهة). وهذا الخضرجي، صاحب الحانوت والبسطة أمامه، شاب طويل القامة بات أحد أصدقائنا وبتنا نتناوب على التوجّه إلى بسطته لشراء التفاح والموز. وهو يحصل على التفاح من المزارعين مباشرة. ويمكننا القول إن تفاحاته رائعة بالفعل. فلبنان يصدّر التفاح إلى الدول العربيّة المجاورة، إلى عمّان وحتى إلى بغداد. تفاحاته ذات تناسق مذهل في الشكل، فواحدتها كبيرة جداً ذات لون أحمر قان موشّح. وهي تعصر كثيراً ورائحتها زكيّة. وتنتهي قاعدتها بخمس حدبات حادة منتظمة، متساوية حجماً، وذات ظلال جذّابة كأنّها لوحة فنّيّة.
عندما توجّهنا إلى صاحب البسطة في المرّة الثانية إثر وصولنا إلى الحي، قال لنا إنّه يرحّب بجميع المشترين ما عدا الأمريكيين. وكان يشير إلى مبنى منقارة المقابل له، حيث يسكن أولئك الأمريكيون. فبسطته، كما يقول، لا تناسبهم، فهي ليست فاخرة بما يكفي لجنابهم لذلك فإنّهم يتبضّعون في باب إدريس. وقد كانت لديه شكوك حولنا، فنحن نتحاور معه عبر اللغة نفسها كما يفعل الأمريكيون.
- اسمع يا خالد، أنت كذلك تتحدث بالإنكليزيّة، لكن جرّب أن تردّد وراءنا Tři sta třicet tři stříbrných stříkaček stříkalo přes tři sta třicet tři stříbrných střech [أرجوزة تشيكيّة تتضمن تقارباً وتنافراً في المقاطع الصوتيّة في آن، يتدرّب عليها أبناء اللغة لتصحيح اللفظ ويتعذّر على الأجانب تردادها، معناها الحرفي: ثلاثمئة وثلاث وثلاثون حقنة فضيّة مغروزة في ثلاثمئة وثلاثة وثلاثين سقفاً فضّيّاً].


اقرأ أيضاً: النزوح إلى بيروت.. خلطات عربية بنكهات متعدّدة


ضحك خالد بصوت مرتفع، فهو كأيّ أجنبي لن يستطيع أن يردّد هذه الأرجوزة حتى لو وهبته نصف المبنى المقابل. فبات على يقين أننا لسنا أمريكيين، قال: وصلتني اليوم الدفعة الأولى من ثمار المانجو، أتريدون أن تجربوها؟ عرض علينا خالد ذلك وهو يقوم بكثير من العناية بفكّ ورقة ذات علامة تجاريّة تحمل اسم المورّد عن إحدى الثمار، وأضاف: هذه ليست لبنانية بل مستوردة من الهند. ظهرت الثمرة بين يديه خضراء برّاقة تشبه بيضة نعامة. الثمرة الثانية التي فكّ عنها الورقة كانت أكثر اصفراراً، ما يعني أنّها أكثر نضوجاً وحلاوة. تابع: جرّب أن تتناول هذه في البيت، لكن احرص قبل أن تأكل المانجو أن تخلع كل ثيابك عنك وأن تبقى بالسروال الداخلي فقط!
بالفعل، المانجو ثمرة شديدة المكر، وإذا وقعت قطرة واحدة من عصيرها على قميصك، فستحدث بقعة لن يزيلها أي مسحوق في العالم. لكن للمانجو في المقابل مزايا قيّمة، إذ إنّها ملكة الفواكه على الإطلاق، فهي كلحم الديك الرومي الطري لكن على شكل فاكهة. ثمرة ذات سبع طعمات تستريح في قشرة سميكة. فبالقرب من بزرتها الكبيرة يمكنك أن تشعر بطعم التوت البري، وكلّما ابتعدت ستستطعم بالبرتقال. كما أنّها في الوقت عينه تذكّرك بالخوخ والمشمش والبرقوق، وبالقرب من قشرتها يأتيك طعم الأناناس المسبوق برائحة العرعر المخلوط بعبق الصنوبر البرّي. ونحن نتناول المانجو كما علّمونا في القاهرة يوماً، نحاول ألا نوسّخ أنفسنا بعصيرها، ولكننا لا نمارس طقس خالد فننرع ثيابنا كلها ونبقى بسراويلنا الداخلية. نقطع "بيضة النعام" بسكين حاد بشكل دائري من وسطها وصولًا إلى البزرة، ثم نقوم بتدوير كلٍّ من النصفين يساراً ويميناً حتى نفصل لحم الفاكهة عن عظمها، ونحفر بملعقة لننزع الشعيرات الطويلة عن النصف المحتفظ بالبزرة.
-    عظيم! صاح روبرت مسروراً بطعم المانجو، فهو يتناولها للمرة الأولى في حياته. لكن بصراحة، أعترف لكم، لست لأبادلها بالخوخ على أي حال.

 

***

 

المدينة لا تَنسى وصايا القرآن، وهي تعامل زائريها الذين يجوبون شوارعها تحت شمس الصيف الحارقة معاملة الحجيج. ولأنّ الفرق في المناخ ــ كما نشعر ــ بين الصحراء والمدينة ليس كبيراً، ففي كل حانوت من حوانيت بيروت مهما صغر حجمه رفٌّ عليه أباريق زجاجيّة كبيرة ذات زلومات على جوانبها. وهذه الأباريق مخصّصة للمارّة، الذين لا مال بحوزتهم ليشتروا ما يروي عطشهم من "الكوكا كولا" أو "السفن آب". ويمكن لأيّ شخص أن يتناول الإبريق عن الرفّ من دون أن يسأل صاحب الحانوت وأن يشرب حتى يرتوي. وكي تشرب عليك حمل الإبريق بكلتي يديك، ثم توجه الزلومة إلى شفتيك شرط ألا تلامسهما، ثم ترفعه مبتعداً به عن وجهك، وتميله قليلاً فينساب خط الماء بين الإبريق وفمك مشكِّلاً قوساً متدفّقاً يصب بين شفتيك المفتوحتين. وعندما ترتوي تقرِّب الإبريق بسرعة من وجهك، وترفعه فتوقف التدفّق بلحظة، كما لو أنّك قطعت القوس بسكّين. وهكذا، تعيد كأيّ حاجّ يجوب أزقّة المدينة الإبريق إلى الرفّ وتتابع مسارك بسلام.

 

***

 

يسمّى هذا النوع من الكعك في بيروت "كيك سيمسون". لكن "لماذا كيك؟"، أعتقد أنّها من اللفظة الإنكليزيّة cake، صحيح، لكنها لا تبدو مثل فطيرة. حسناً. ولماذا "سيمسون؟". أسئلة كثرة تدور وتشغل بها رأسك. أليست متّصلة بالسيّدة سيميون سيئة السمعة؟ أنا آسف. لا أعلم. "كيك سيمسون" مصنوع من العجين، وهو صناعة بيروتية خاصّة. [يخطئ الكاتبان في هذا السياق، وقد تكون عبارة "كعك بسمسم" قد بدت لهما "كيك سيميون"]. تشبه الكعكة الواحدة منه إلى حدٍّ ما كعكة براغ المنفوخة، لكنّها أكبر منها بمرّتين، وهي مطويّة على شكل نصف دائرة ومرشوشة ببذور الطحينة. القسم العلوي منها سميك قاس قساوة القلم الرصاص، ويزداد طرفاها طراوة وسماكة ليشكّلا عند التقائهما هلالًا، فتصير الكعكة كحقيبة يد.
يبيع الأولاد "كيك سيمسون" في الشوارع وعلى الكورنيش البحري. يفتحون الكعكة ببراعة مثل حقيبة اليد، ويضعون فيها قبضة من الزعتر (الصعتر) ويتقاضون سعر الواحدة خمسة عشر قرشاً (نحو ثلاثين هلوز لدينا). يوم أمس، توقف فتى يقود دراجة هوائية أمام مبنانا، ابتاع أربع حقائب، وضعها زوجين زوجين على قبضتي القيادة وضغط على دوّاستي الدراجة مبتعداً، فتراقصت الحقائب بين يديه.

 

***    

 

اسم الناطور مصطفى، وهو لاجئ فلسطيني له من العمر أربعة وعشرون عاماً، لكن مظهره يوحي بأنّه تجاوز الأربعين. يعيش مصطفى على الطبقة الأرضية من المبنى في ما يشبه الغرفة، مساحتها صغيرة جداً ولا أثاث فيها. ترتاح فرشة في إحدى زواياها، وقرب نافذتها الصغيرة الوحيدة تنتصب طاولة عليها هاتف داخلي، يتلقى عبره مصطفى الاتصالات فقط.
يحرس مصطفى المبنى ويلبي طلبات مختلفة من أصحاب الشقق ومستأجريها. طلبات صغيرة بمعظمها، كأن يأتي بغرض ما من المتجر القريب لأحدهم، أو بجريدة الصباح لآخر.. فيكون بذلك صلة وصل بين السكان والمدينة. وفي الشتاء تقع على عاتقه مهمّة تأمين التدفئة المركزية للمبنى.
-    لا يتوفر عمل آخر أفضل من هذا في بيروت. أنا لاجئ فلسطيني.. اللاجئون كثر في لبنان، أكثر من مئة ألف شخص. هنا، لا يحبّوننا، فنحن نسلب اللبنانيين الفقراء العاطلين عن العمل لقمة العيش.
يعيل مصطفى زوجة وطفلين، صبي في العاشرة وطفلة في السادسة من عمرها. تعيش أسرته في غرفة مستأجرة في ضاحية بيروت. هناك حيث الإيجار والمعيشة أخفّ وطأة منهما في العاصمة. لا تظهر الابتسامة على وجه مصطفى إلا نادراً.. هذا "العجوز" الشاب في آن، مملوء بالقلق وحزين للغاية. يزوره بعض الأحيان أناس، يدخلون غرفته الضيقة.. هم يشبهونه حزناً وقلقاً، فهم كذلك لاجئون فلسطينيون، يتناقشون أمورهم في ما بينهم بحرارة وحماس.
تظهر تصريحات رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم في الصحافة اليوم، يقول إنه سيدعم بكل الوسائل الممكنة جهود اللاجئين الفلسطينيين للعودة إلى بلادهم وإقامة الجمهورية الفلسطينية المستقلّة، بـ"المال والسلاح والمقاتلين". كلمات تظهر في العناوين العريضة على الصفحات الأولى للجرائد البيروتية. كل ذلك في سبيل عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، مئات الآلاف منهم يعيشون في ظروف مأسويّة على أراض غريبة، بينما غزّة اليوم تحت سيطرة المصريين والضفة الغربية تحت سيطرة الأردنيين، هي بقايا فلسطين العربية التي يجب أن يستعيدها أهل البلاد وأن يعودوا إليها.
-    ما رأيكما في ذلك؟ يسأل مصطفى بعدما التقى بنا على درج المبنى ــ السؤال عينه يمكنك أن تقرأه في عيون أصدقائه – هل لدينا أي أمل في العودة؟ هل سيساعدنا العالم في تحقيق ذلك؟ هناك، تركنا خلفنا كل شيء.. الممتلكات والأراضي، هناك وطننا.
اشتكى مصطفى أمس من أن راتبه لا يكفيه.. هو يكفيه فقط لتلبية احتياجاته الأساسية بطريقة أو بأخرى. هل أنتما مهتمّان بميزانيتي الشهرية؟ نعم؟ إذن اسمحا لي بأن أخبركما بعض التفاصيل.  أخذ مصطفى قطعة من الورق وكعب قلم رصاص، رسم بسرعة جدولًا أنيقًا على الورقة، كما تعوّد أن يفعل ليقدّم تقريراً شهريّاَ..

 

1 كلغ من الخبز يومياً 50 قرشاً 15 ليرة شهريّاً
1 كلغ من البطاطا 25 قرشاً 7.5 ليرة
2 كلغ من البندورة 50 قرشاً 15 ليرة
½ كلغ من اللحم كل يوم أحد 160 قرشاً 6.4 ليرة
½ تنكة زيت نباتي – 5 كلغ   8.5 ليرة
بصل، ملح، كبريت...   2 ليرة
إيجار غرفة لأسرتي بدون مطبخ أو مرحاض   40 ليرة
    المجموع 94.40 ليرة

 

أحصل شهريّاً على مئة وأربع ليرات، ومع البرّاني ولقاء الخدمات الأخرى، يغدو المجموع نحو مئة وأربعين ليرة. فمبلغ 45 ليرة يجب أن يكفيني لكل المصاريف الأخرى: الثياب والسجائر والمواصلات والطبابة... الضمان الاجتماعي؟ عمّ تتحدثان؟ هذا خيال. زيارة واحدة إلى الطبيب تكلّفني عشر ليرات.. أما الطبيب الاختصاصي فيتقاضى خمساً وعشرين ليرة.. المستشفى؟ تكلّف عملية استئصال الزائدة الدوديّة وحدها ثلاثمئة ليرة، وعملية قرحة المعدة خمسمئة ليرة. قبل فترة قصيرة، احتاج أخو حميَّ إلى عملية كهذه.. كان على جميع أقاربنا ومعارفنا المشاركة في جمع المبلغ المطلوب.

 

***

 

من سطح مبنى قانصو باتجاه البحر – شوران

 

الحق أقول لكم، هنا مبنى ينمو أمام أعيننا بالفعل. يقولون إنّه سيكون مدرسة، خلال ثلاثة أسابيع سيتم إنجاز بنائه ونشهد ولادته. وقد أنجز بناء طبقة منه بالكامل، ولا شيء مستغرباً في ذلك لولا أنّ من يقوم بذلك شخصان فقط: معلّم العمار (البنّاء) ومساعده. لو كان يوجد شيء من العدالة في هذا العالم لوضعت لوحة تذكارية على مدخل هذا البناء عند افتتاحه، ولكتب عليها "هذا المبنى المؤلف من خمس طبقات، المجاور لمبنى قانصو في بيروت، رفعته على كتفيّ أنا عبد المحمود زكي. وحدث ذلك سنة 1379 للهجرة (صيف العام 1959 للميلاد) والشاهد على ذلك هو الله الرحمن الرحيم".
وعبد المحمود زكي هذا ليس عملاقاً خرافيّاً في حال من الأحوال، وهو ليس ساحراً كذلك، بل مجرّد عامل بناء يتقاضى أجره يوميّاً. فهو يعمل من الصباح الباكر إلى الليل، يحمل على كتفيه المواد المطلوبة للبناء، ويخلق المبنى مع مساعد له. أي مواد؟ كل المواد من الأحجار الإسمنتيّة إلى أكياس الرمل والبحص (الحصى) والإسمنت، إلى خشب الرصّ.
بسرعة يعمل الآن، يحمل كلّ تلك الأشياء على الأدراج من المستودع القريب إلى الطبقة الثالثة وهي قيد الإنشاء. وكلّما ارتفع البناء طبقة يغدو عمله أكثر صعوبة. ها هو الآن قد بات على الطبقة الرابعة. يصعد ويهبط مثل آلة. يعمل في سروالين قصيرين ويغطّي كتفيه بأكياس خيش كي لا يتجرّحان بالأثقال التي يعتِّلها. كيس خيش آخر فوق حزمة من القشّ يشكّلان وسادته. قبل التوجّه إلى النوم يمدّ حصيرة مهترئة يضع عليها طعام العشاء. وعشاؤه عبارة عن حبتي بندورة (طماطم)، رغيف خبز وطبق من الفاصوليا المطبوخة. يتناوله ثم يهوي على الأرض ويغطّي جسمه بكيس خيش ثالث. ثم يسرح ببصره، ينظر إلى النجوم يريدها، ربّما، أن تنير غرفة نومه لأطول فترة ممكنة.
يبدو أنّ هذا المعمرجي (البنّاء) غاضب من الدنيا كلّها، وقد قرّر أن يقوم بكلّ شيء بنفسه. يعدّ جبلة الإسمنت بنفسه: يجبل بودرة الإسمنت بالرمل والماء بالرفش، يحملها على دفعات إلى حيث يُبنى الجدار، يرصّ الأحجار واحداً تلو الآخر واضعاً بينها كمّية الإسمنت اللازمة. بنفسه. حجر إثر حجر ترتفع الجدران، وهو يحمل الحجر بيمناه فيما ترفع يسراه بمشحف (مغرفة صغيرة مسطّحة) كميّة من الإسمنت حملها إلى قربه في صفيحة معدنيّة. كذلك يرفع الأعمدة، يبني الإطار الخشبيّ فيغدو مثل بئر ذي شبكة حديديّة وإلى جانبه سلّم، يحمل على السلّم صفيحة تلو أخرى يرمي بمحتواها في البئر إلى أن يمتلئ إسمنتاً.


اقرأ أيضاً: بيروت منزل العرب في السبعينات


كان من نصيب عبد المحمود ورفيقه أن أنهيا أمس رصّ الخشب على سقف الطبقة الرابعة من المبنى. أما اليوم فاستوجب شكلاً آخر من التعامل مع البناء، فمنذ الصباح الباكر وصلت شاحنة تجرّ جبّالة (خلّاطة إسمنت) وفرّغ العمال كميّة كبيرة من أكياس الإسمنت والأحجار. وتجمّعوا وانطلقت صافرة العمل. فصيلة مؤلّفة من ثمانية عمال انقسموا أزواجاً وانطلقوا، اثنان يحملان الأحجار على نقالات خشبيّة، آخران يحملان جبلة الإسمنت المخلوط بالرمل، عامل يريق دلاء الماء في الجبّالة وآخر يدلق الإسمنت في جرّة معدنية كبيرة.. وتدور الجبّالة وتدور.
وبالسرعة المجنونة عينها يعمل شخصان مألوفان ضمن الفريق، لكن على الطبقة العلوية من المبنى، حيث يُصبُّ السقف. اليوم لا يركض عبد المحمود صعوداً وهبوطاً على الأدراج، لكنّه يدفع أمامه عربة مليئة بالإسمنت المجبول على ألواح خشبيّة ممدودة، وبعد رمي الإسمنت على السطح الخشبي يقوم بدور الهزّاز: يغطّي الإسمنت المصبوب بعارضة خشبيّة ويقف عليها، ثم يهز جسمه فوقها ويضربها بقدميه الحافيتين كي يضمن أنّه لم يترك أيّ فراغ وأنّ الإسمنت قد رُصّ بشكل يرضيه. مساءً ستكون الأرضيّة الإسمنتيّة جاهزة ويفرغ العمال من صبّ السقف. فهؤلاء استأجرهم المقاول ليوم عمل واحد، يضعون بسرعة أغراض الجبّالة فيها ويربطونها بالشاحنة، ومع آخر أشعة الشمس يغادرون فغداً سيعملون في موقع بناء آخر. وسيعود عبد المحمود إلى حمل مواد البناء على كتفيه من جديد لكن على طبقة أعلى، وذلك حين يكون السقف قد جفّ ليغدو أرضيّة طبقة جديدة. سيتحرّك دائماً إلى أعلى، وستكون النجوم رفيقته لتضيء عرفة نومه.



الجزء الأول: من الهلال المقلوب.. أناس بيروت بعيون تشيكيّة


دراسة وترجمة عماد الدين رائف