سنورد أمثلة محصورة بما جرى خلال الاسبوع الماضي فحسب، وليس على امتداد وقت طويل، وهي تسمح بتلمس الأمر بشكل يتجاوز الإحساس العام القائم بقوة لدى عموم الناس، وإن كان بشكل مبهم، عن درجة التخلع اللاحق بكل الشؤون، بما فيها القواعد السياسية الناظمة للحُكم وحتى اللياقات الدبلوماسية المضجرة، وأي نوع من الاعتداد بالقيم المتوافَق عليها، وأي هاجس بانقاذ المظاهر.
-    منظِّم سباق الدراجات الإيطالي (الـ"جيرو")، وهو الأهم عالمياً مع سباقين سواه (دورتا فرنسا وإسبانيا للدراجات) يقرّر أن الدورة الحالية 2018 ستنطلق من.. إسرائيل، حيث الموعد يطابق العيد الـ70 لإنشائها. كيف ولماذا؟ يجيب الرجل أن ليس في الأمر أي اعتبار سياسي، بل الحصول على تغطية إعلامية مذهلة (وهو يكذب طبعاً، ولكنه لا يكترث ابداً بمقدار التماسك المنطقي لخطابه). وحين تَلح عليه الاسئلة يرفع عينيه إلى السماء ويقول "أف"، ثم "هكذا وكفى"، ثم أن المسابقة ستحمل عنوان "التعايش والسلام" الخ.. ولكنه قبل أن يصل إلى هذا الجواب الذي ينمّ عن حرجه، يقول أشياء من قبيل أن السلطات الاسرائيلية تتولى تنظيم وضبط كل شيء وهو لا يتوقع أي عقبات (يمر السباق في القدس ويجول في شوارعها وفق خط سير يمتد على مسافة 10 كلم، ويُحَيّي أثناء مروره الكنيست الاسرائيلي)، ثم يكمل سيره عبر فلسطين المحتلة، حيث سيمر بحيفا يوم 5 أيار/ مايو متجهاً الى تل أبيب ثم الى النقب حيث سيستقل المتسابقون الطائرة من إيلات للوصول الى ايطاليا واستكمال سباقهم، الذي سينتهي هذه المرة في الفاتيكان وليس في ميلانو كالعادة! بل ويقول أنه "قد تحدث احتجاجات في ايطاليا حيث حرية التعبير مطلقة"، وليس في إسرائيل، فـ"إسرائيل هي.. إسرائيل". ويقول أيضاً "أن لا مشكل لفرق البحرين والامارات في الحضور الى اسرائيل، والمشاركة في السباق منذ بدايته، وهو ما نوقش معها"! بينما تقول وزيرة الرياضة الاسرائيلية أنها "فخورة بتنظيم هذا السباق العالمي الهام كما نظّمت قبله مباراة كرة السلة الأوروبية". ويبدو الرجل في كل ذلك نزقاً بسذاجة، ولعله تلقّى هدية قيمة ويخشى من فقدانها.. فقد ظهر أن السلطات الاسرائيلية تغطي الكلفة الاستثنائية، وهي مقدرة بـ12 مليون دولار، يذهب 4 ملايين منها الى الهيئة المنظمة.


اقرأ أيضاً: BDS وكسب معركة الضمير


-    الأمير متعب بن عبد الله، القائد السابق للحرس الوطني شديد القوة في البلاد، خرج من سجنه الذهبي في فندق "ريتز" بالرياض بعدما وافق على دفع مليار دولار الى خزينة الدولة. يقول ولي العهد أنه يتوقع جمع مئة مليار دولار بهذه الطريقة. يقولها لنيويورك تايمز. ويعتبرها طريقته الناجحة في محاربة الفساد، حيث "سبق أن جرت محاولات ولكنها بدأت بالكادحين"، ولذا فشلت. وهو يقول ــ دائماً لنيويورك تايمز التي تبدو فائقة الإعجاب بأقواله وأفعاله ــ أن المفاوضات سائرة مع المحتجزين من علية القوم، ولكن 4 في المئة منهم "أنكروا تهم الفساد الموجهة إليهم وأبدوا رغبتهم بالتوجه الى القضاء". لا يضير ولي العهد أن تشبه حملته ضد الفساد ما يمكن وصفه بالسطو أو الخاوة: "حريتك مقابل مالك"، وهو ما كان دارجاً في سلوك القبائل، التي تغزو وتغنم، وهو سلوك قد أصابه التحديث هنا.. والأهم أن هذا الأسلوب لا يزعج الصحيفة الأميركية العريقة. وهناك مفاجأة ثانية مثيرة: بحسب نيويورك تايمز نفسها تلك، فإن اللواء حبيب العادلي، وزير الداخلية المصري السابق لمدة 14 عاماً أيام مبارك، الذي اعتقل بتهم فساد كبرى وتعذيب وتصفيات الخ.. هو على ما يبدو المستشار الخاص لولي العهد السعودي. لعل الشاب اعتبر أنه من الافضل اللجوء الى "أهل الخبرة" في المجال! وكانت المحكمة في مصر قد قضت في 2011 بحبس العادلي لمدة 7 سنوات بعد إدانته بالاستيلاء على المال العام بمبالغ قدرتها التحقيقات بمليار و800 مليون جنيه، في القضية المعروفة إعلامياً "بفساد وزارة الداخلية".. ثم بُرِّء وأزيل الحجز عن أمواله وأفرج عنه في 2015. تقول الصحيفة الأميركية أن حملة ولي العهد السعودي جرت بناء على نصائح أسداها له "مسؤول أمني مصري كبير سابق"!


اقرأ أيضاً: "غريزة" ترامب الاصلية!


-    ولا بد في السياق من الإشارة الى جواب الرئيس الأميركي ترامب على رئيسة الوزراء البريطانية التي انتقدت استعادته ونشره لفيديوهات انتجتها جمعية بريطانية ("بريطانيا أولاً") تنتمي الى اليمين الفاشي وتعادي المسلمين والمهاجرين. قال لها، وهما أعز حليفين: "لا تركزي عليّ، اهتمي بشؤونك وبالارهاب المتعاظم في بلادك". هكذا "كاش" كما يقال بالدارجة.
-    واخيراً هناك حادثة لا تخص بلادنا مباشرة، ولكنها بالغة الدلالة: وزير الزراعة الالماني يصوت لمصلحة التجديد للمبيد الحشري الذي يحتوي على مادة "جليزوفات" في البرلمان الاوروبي، وهو تصويت مرجِح سمح بتجديد رخصة استعماله في أوروبا لخمس سنوات مقبلة. حدث ذلك بعد نقاشات وصراعات استمرت عامين وتكشّفت عن فضائح رشى للنواب والوزراء الاوروبيين بواسطة لوبيات تعمل لصالح الشركة المنتجة، بالغة النفوذ، وهي "مونسانتو" الشهيرة. يقول الوزير إنه لم يستشر أحداً في هذا التصويت المخالف لقرار الحكومة الالمانية المتخذ قبل أيام في اجتماع مخصص للمسألة، ولم يتباحث مع انجيلا ميركل في الأمر، ولا يهمه موقف وزيرة الصحة في الحكومة نفسها، المعادية للتجديد بحكم أن التهمة الأساسية للمادة هي أنها مسرطِنة، حيث لا يعتبر الوزير الأمر من اختصاصها. هكذا "كاش" هو الآخر. وميركل تقول أنها غير موافقة على هذا التصويت ولا على النتائج المترتبة عليه، ولكن "الحادث طُوي" بلا محاسبة ولا إعفاء ولا من يحزنون، لأسباب تتعلق بالتوازنات السياسية بين الاحزاب الالمانية المتفاوضة على تشكيل الحكومة المقبلة. وكل ذلك معلن للناس عموماً، ضحايا السرطانات وسائر الاختلالات التي يتسبب بها "غليزوفات".. ويبدو أنه لا يهم!


اقرأ أيضاً: عصابات


يثير الحادث الأخير (بطريقة جلية ربما أكثر من كل الأمثلة التي سبقته ولكن التي "تشبهه" بالعمق)، مسألة كيفية اشتغال المؤسسات، وماهية الصلة بين الديمقراطية والتمثيل مثلاً، واستمرار وجود مفهوم المصلحة العامة، ومسألة الحرص على مظاهر لائقة (على الأقل) الخ... وأما الموضوع فليس استهجان هذه الحال السائدة أو حتى مناهضتها، بمقابل كل الذين يُحبَطون لأنهم يعتبرون أن الخراب معمم الى درجة يصعب تخيل مخارج منها، ويتبنون نظريات "الكارثة الكبرى".. بل هو في إدراك التغييرات العميقة التي طرأت على عالمنا الذي بدا حتى وقت قريب مهندس وفق خرائط معلومة، والتأكد من أنه لم يعد كذلك، وبالتالي مغادرة الصيغ الجاهزة واليقينيات المطمئنة.. ما يستوجب إطلاق العنان لكل أشكال المبادرات الذاتية، سواء فردية أو جماعية، في مختلف الميادين من السياسة الى الفن، التي تريد أن تكون متحررة من العالم كما هو قائم وتريد أن تكون نقيضه. فهذا ما قد يؤسس للتغلب عليه، وهي "ضرورة" بالمعنيين الفلسفي والقيمي، كما هي ضرورة شديدة الواقعية.