يفلت الريف دوماً ــ وعلى نحو ما ــ من كل الصور العامة التي تحكي عن الملامح المختلفة للحياة في مصر. فإن كان آباء اليوم يئنون من تلهي أطفالهم ليل نهار بهواتفهم الذكية التي تحملهم لتلك الفضاءات اللامحدودة، فإن هؤلاء ليسوا أطفال الريف وليسوا من بينهم. وإن طال هوس الصور "السيلفي" selfie   ليصيب فتيات اليوم حتى صرن يلتقطن صوراً  جديدة في كل موطئ قدم لهن، فإن كادر تلك الصورة لا يشمل البنت الريفية أيضاً. وإن همهم المسؤلون بأن مصر قطعت شوطاً في إمداد كل المدارس بوسائل التكنولوجيا.. فالاستثناء الريفي لا يحتاج إلى تأكيد، بل يفرض بذاته قاعدته الخاصة. لذلك يبدو أن الريف بحاجة ماسة لمن يعنى بتغطية شأنه ونقل تفاصيل صورته المغايرة.

 

رُسل المدينة

 

قديماً، لما كانت الحكومة المصرية تلتزم بتكليف (تعيين) خريجي كليات التربية، فقد كانت العادة أن يتم إرسالهم  أولاً للعمل في مدارس القرى البعيدة التي تقع على أطراف المدن، لسد العجز الدائم في أعداد المعلمين هناك، على أن يعود المعلم  بعد قضاء مدة محددة ثم يذهب الأحدث تخرجاً بدلاً منه، وهكذا دواليك. ومع توقف الحكومة عن التعيين الإلزامي لخريجي كليات التربية  (منذ 1998)، فقد صار يتم سد العجز بالاستعانة بالمعلمين المقيمين بتلك القرى ــ ما أمكن ــ  وبتفعيل ما يُعرف بنظام "الندب"، وهو تكليف بعض المعلمين بالانتقال من مدارسهم الأصلية للعمل في مدارس القرى البعيدة في بعض أيام الأسبوع ("ندب جزئي")، أو طوال أيام الأسبوع ("ندب كلي"). وفي ذلك، جرت العادة أن يتم الاستعانة بالمعلمين العاملين بمدارس أقرب المراكز لتلك القرى. استمر ذلك حتى ظهور الكتاب الدوري 17 لسنة 2016 والذي جاء بضرورة تفعيل القرار الوزاري 202 لسنة 2014، بما يتضمن ندب المعلمين لسد العجز في المناطق النائية مع عدم الانتباه لأى اعتبارات تخص بُعد المدرسة عن المربع السكني للمعلمين المنتدَبين، وذلك لثلاثة أيام غير متتالية أسبوعياً. وقد جاء في نص خطابات التكليف أنه في حالة "الاعتراض أو عدم تنفيذ الندب، يتم تحويل المعلم للشئون القانونية فوراً بالمديرية"، فما كان  من المعلمين المُختارين إلا الامتثال والتنفيذ.

 

أجواء الريف

 

يمتثل المعلمون بالتنفيذ بوجوه يملؤها الضجر مما ينتظرهم  من إعياء السفر المتواصل يوم بعد يوم ذهاباً وإياباً من المدرسة وإليها، يُضاف ذلك لإرهاق العمل الجديد الذي ينتهي بالمعلم الواحد عاملاً بين مدرستين، ويُزاد عليه التذمر الشديد من أجرة المواصلات التي تلتهم جزء من الراتب الضئيل. لكن أجواء العمل في الريف تفعل مفعولها الساحر في  تلطيف الاحتقان. مجرد أن يصل المعلم لمدرسة القرية تتلقفه الأراضي الخضراء بهوائها المنعش، فيغسل عينيه من قبح المدينة ويتنفس ملء رئتيه هواءاً نظيفا يطرد شحنات الغضب الملتهبة.

بشكل عام، تختلف المدارس الموجودة في المناطق النائية وأطراف المدن على نحو بارز عن تلك الموجودة في مركز المدينة. يتقلص هناك استخدام القانون في ضبط العلاقات بين العاملين ويسود الحديث عن الأصول والمصلحة والضمير. ولما كانت المدارس بعيدة والطرق المؤدية إليها وعرة وغير ممهدة، فإن معدل تردد المسؤلين عليها للإشراف والمتابعة لا يكون إلا بالقدر اليسير الذي يتيح للعاملين تطبيق الأعراف المتفق عليها دون التخوف من مغبة اكتشاف أية مخالفات قانونية يقترفونها.


اقرأ أيضاً: التعليم في الصعيد.. مشكلات "نموذجية" في طول مصر


ومن أشهر الأمثلة على ذلك، ما جرت عليه العادة لديهم بعدم مواظبة العاملين على الحضور اليومي  للعمل، حيث يتراضون فيما بينهم على أن يُمنح كل معلم  إجازة يوم أو أكثر، بخلاف الإجازة الأسبوعية الرسمية، ويطلقون عادة على ذلك اليوم اسم "الراحة"، وهو بالطبع لتوفير الجهد والوقت وكذلك مصاريف المواصلات. من جهة أخرى، فإن المعلم غالباً ما يستعيد ذكريات زمان ــ لما كان التلاميذ يحبون المدرسة ويحترمون المعلم ــ بمجرد أن تطأ قدمه حجرة الدراسة ("الفصل"). حيث ما زالت ثقافة احترام المعلم حاضرة بقوة أكبر كثيراً مما هى عليه في مدارس المدينة اليوم. تقول إحدى المعلمات، شابة انتدبت للعمل بإحدى قرى العامرية بالإسكندرية: "التلاميذ في القرى يقدّرون جهد المعلم، بل ويقدرون وجوده من الأساس، نظراً لأن مدارس القرى تعاني دائماً من عجز في أعداد المعلمين، فربما تبدأ السنة الدراسية وتوشك على الانتهاء أو تنتهي بالفعل دون وجود معلم بها لمادة دراسية أو أكثر". تستطرد: "لذلك شعرتُ بحب وتقدير التلاميذ لي، كنت أرى في أعينهم فرحتين، الأولى بوجود معلم للمادة، والأخرى بأنه يهتم حقاً بتعليمهم ويبذل قصارى جهده لمساعدتهم".

 

يتقلص في مدارس الريف استخدام القانون في ضبط العلاقات بين العاملين، ويسود الحديث عن الأصول والمصلحة والضمير. ولما كانت المدارس بعيدة، والطرق المؤدية إليها وعرة وغير ممهدة، فإن معدل تردد المسؤلين عليها للإشراف والمتابعة لا يكون إلا بالقدر اليسير الذي يتيح للعاملين تطبيق الأعراف المتفق عليها دون التخوف من مغبة اكتشاف أية مخالفات قانونية يقترفونها.

 

أما عن الدروس الخصوصية فهى موجودة كما هو الحال في المدن، ولكن التنافسية بين المعلمين القائمين عليها شبه غائبة، لأن أغلب المعلمين الذين يُستقدمون للعمل من أماكن بعيدة لا يسعهم البقاء طويلاً بعد المدرسة للانخراط في دوامة الدروس الخصوصية، لذلك فإنها غالباً من نصيب معلمي القرية نفسها، وهذا يحافظ على فرصة معلم الفصل في جذب انتباه التلميذ، الذي يسمعه بالضرورة إن كان اكفأ من معلمه الخصوصي. مدارس القرى غالبا تعمل بنظام الفترة الواحدة الصباحية، وغالبا ما تكون مشتركة (بها صفوف للبنين وأخرى للبنات)، ولا يسلم الأمر من بعض المعاكسات التي يرسلها البنون الصغار إلى زميلاتهم، اللاتي يظهرن امتعاضهن ويخفين ــ غالباً ــ الابتسام، لأنهن صرن آنسات مرغوبات.

 

الفتيات وخصوصية  الخبرات الريفية

 

تنسج بنات القرى حكايتهِن الخاصة، فوحدهن يعرفن التزام البيت بعد غروب الشمس، لأن سواد الليل يغطي شوارع القرية  تماماً، إلا من طاقات النور التي ترسلها أعمدة الإنارة المتناثرة على مسافات بعيدة، والكشافات التي يضعها بعض الأهالي أمام بيوتهم. هناك، لا خروج للبنات مع صديقاتهن للتنزه وتناول الطعام في المطاعم والمقاهي. بنات القرية لم يَخْبرن صور السيلفي  الشهيرة بتلك الشفاه الممدودة مع فنجان القهوة والشكولاته الفاخرة، لا حديث بينهن يُذكر عن  فيسبوك والسوشيال ميديا، بل حتى لا تليفونات محمولة، كأن الزمان توقف هناك! تحكي إحدي المعلمات - شابة عشرينية - انتدبت للعمل بإحدى القرى ببرج العرب بمحافظة الإسكندرية: "في آخر أيام العام الدراسي الفائت، التقطتُ بهاتفي المحمول مع تلميذاتي بعض الصور، ثم التفتُ اسأل أيٍ منهن لتفتح "البلوتوث Bluetooth" بهاتفها فأرسل لها الصور، فعمَّهن الصمت وصرن يبحلقن في عيون إحداهن الأخرى! ذهلتُ بشدة ورددت في نفسي، معقول.. ولا واحدة منهن معها هاتف محمول؟ فبادرت إحداهن: "عمّي عنده بلوتوث في تليفونه يا أبلة"! همهمت حينها بأي كلام: ليس ضرورياً يمكننا طباعة الصور لاحقاً!".


اقرأ أيضاً: خريطة الطبقة الوسطى المصرية في التعليم


والحق أنهن لسن بعيدات فقط عن الجيل الجديد من التليفونات المحمولة بما توفره من إمكانات غير محدودة  للبحث والتواصل، بل إن "متعة التسوق" ــ في "المولات" الكبيرة وال"هايبر ماركت" ليست من بين خبراتهن كذلك، فما زال السوق في القرى يُقام في يوم واحد بالأسبوع، يُعرف "بيوم السوق" وهو اليوم الذي ينتظره أهل القرية لشراء ضرورات الأسبوع كله من بسطات الفلاحات والباعة الجائلين. ولما كانت حياة التلميذات بسيطة إلى هذا الحد، فقد صارت المدرسة  متنفس ومتنزه لهن، بديلاً عن روتين الزيارات العائلية التي تمثل متنزههن الوحيد أغلب الوقت.

 

مواظبة التلميذات الريفيات على المدرسة لا تعكس بالضرورة درجة عالية من الطموح الدراسي والعلمي. فالأقلية هن اللواتي تطمحن إلى استكمال الدراسة حتى الوصول للمرحلة الجامعية

 

لذلك فأن معدلات التزام التلميذات بالمواظبة على الحضور اليومي إلى المدرسة في القرية أعلى كثيراً منه في مدارس المدن، بحسب ما أقرته تقديرات بعض المعلمين. المؤسف، أن تلك المواظبة لا تعكس بالضرورة درجة عالية من الطموح الدراسي والعلمي. فالأقلية، هن اللاتي تطمحن في استكمال الدراسة حتى الوصول  للمرحلة الجامعية، وهؤلاء غالبا ينتمين لتلك الأسر القليلة التي تؤمن بأهمية التعليم،  بينما النسبة الأكبر  منهن  ينتهي طموحهن الدراسي عند الالتحاق بالتعليم الفني "ثلاث سنوات بعد المرحلة الاعدادية"، هذا بخلاف نسبة معتبرة ممن يتوقفن بعد الإعدادية وأحياناً يتعثرن فيها ولا يحصلن على شهادة التعليم الأساسي. وهؤلاء عادة ما تُطوِق "دبلة الخطوبة" إصبعهن مبكراً بإحكام  منذ بداية المرحلة الإعدادية وغالبا يتأهلن للزواج بعد انتهائها (إن وفقن في اجتيازها)، وقبل السن القانوني للزواج! ربما لا تفيد ملاحظات المعلمين العابرة عن إيفائنا بإحصاء دقيق عن نسب زواج القاصرات، إلا إنه وفق للوارد بتقرير "المراهقات في مصر" – أبريل 2016، الصادر عن PRB (Population Reference Bureau)   فإن واحدة بين كل أربعة فتيات (ما نسبته 27 في المئة) تتزوج قبل بلوغ الثامنة عشر، وتتركز معظم هذه النسبة في المناطق الريفية. 

 

الفتيان وثقافة الكسب المبكر

 

للتلاميذ البنين ملامحهم الخاصة دوماً سواءً كانوا أبناء الريف أم الحضر.  أما ما يخص هؤلاء الأُوَل  فهو تورط أغلبهم في العمل المبكر، وفي ذلك فإن العقيدة السائدة بينهم هى التفاخر والتباهي  بالعمل مع الأهل (إن كان للأهل أراضي أو مواشي أو أياً من صور التجارة الخاصة)، بينما "العمل عند الناس" فهو مما يُعيَر به الأطفال الفقراء. ولما كان أغلبهم "كسيب" فإن التليفونات المحمولة  الغائبة  تماماً عن أيدي البنات، موجودة وبكثرة بين أيدي البنين.  كذلك ولإن "يومية" أحدهم في العمل قد تصل لمئة جنيه، فإنهم ينظرون لمعلميهم نظرة دونية خصوصاً من ناحية الكسب المادي، فالمعلم بالنسبة إلى كثير منهم هو هذا الشقيّ الذي يمُد يده إليهم (في الدروس الخصوصية) ليسد حاجته!

 

وفق الوارد في تقرير "المراهقات في مصر" فإن واحدة بين كل أربعة فتيات (ما نسبته 27 في المئة) تتزوج قبل بلوغ الثامنة عشر، وتتركز معظم هذه النسبة في المناطق الريفية.

 

تعلق إحدى المعلمات: "أردت أن أكافئ أحد التلاميذ المميزين بعد إجابته على أحد الأسئلة، فلم أجد معي حلوى، فأخرجت ورقة بخمسة جنيهات وكتبت عليها إهداء وقدمتها له، ولكني فوجئت بتلميذ آخر ضعيف دراسياً، يهب مندفعاً بكل جدية ويحلف بالله ألا أدفع شيئاً وأن يدفع هو المبلغ! كذلك خجل التلميذ النابه من قبول المكافأة، فاستبدلتها في المرة التالية بحلوى فقبلها، فأدركتُ ــ والحديث مازال للمعلمة ــ  كيف تختلف نظرة أولاد الريف للمكافأة المادية اختلافاً تاماً عن أولاد المدينة الذين يقبلونها بسعادة تامة ويطلبون المزيد"!  أما عن المستوى الدراسي، فاللافت أن مستويات التلاميذ البنين تتأرجح بين تطرفين، قلة من شديدي الاهتمام والمتميزين من ناحية، وكثرة من شديدي الضعف والمتأخرين دراسياً من ناحية أخرى، بينما تتدنى نسبة المتوسطين للحد الذي تكاد تتلاشى معه في بعض الفصول. المواظبة بالحضور المنتظم إلى المدرسة شأن أغلب التلاميذ، بل حتى أن بعض الظواهر المنتشرة في المدينة مثل الانقطاع التام للتلاميذ عن الحضور للمدرسة في الشهادة الإعدادية والثانوية ليس له أثر هناك، فالحضور منتظم وبكثافة عالية في كل الصفوف.


اقرأ أيضاً: تطوير التعليم في مصر.. وعود براقة وإرثٌ ثقيل ومُنجَزٌ قليل!


كذلك فإن ما جرت عليه العادة من  انقطاع التلاميذ عن المدرسة  قبل امتحانات منتصف وآخر العام  بفترة ربما تقارب الشهر (للتفرغ للمذاكرة والتهيؤ للامتحانات)، لا يتم في القرى إلا بأوامر المعلمين "المباشرة"!  أما عن التلاميذ فيرغبون في الحضور لليوم الأخير بلا انقطاع، يتساوى في ذلك البنين والبنات، بحسب ما أقر به بعض المعلمين. ومجدداً، فإن المواظبة ليست مؤشراً على التزام دراسي أو طموح علمي، وإنما في كثير من الأحيان لأن المدرسة مهربهم الوحيد من ضغط العمل الذي يوكل إليهم في حال بقائهم بالمنزل، أما عن طموحهم الدراسي فالقليل منهم يطمح لاستكمال دراسته للمرحلة الجامعية، والأكثرية يتوقون لشهادة تثبت ولو زوراً عدم أميتهم، لتسهيل أى إجراءات ورقية  يتطلب إنجازها وجود تلك الورقة، "الشهادة"!
ربما لا يفلت زائر للريف المصري الشجي من الانفكاك التام عن ذاك الأثر الروحي الذي يتركه الريف في النفوس، إذ يجسد الريف بخضرته وخصوبته ونمائه، صورة ملموسة للمعنى الواسع للخير. وما زال الخير الأصيل في الريف يقاوم الإهمال المستمر في كل الخدمات التي تصل إليه، وليس فقط التعليم، بيد أن تلك الأصالة الريفية تساهم في تفسير أن يأتي أغلب أوائل الجمهورية  كل عام من أبناء الريف.