تزامناً مع الاعتقالات الواسعة التي أجراها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ضد بعض الأمراء والمسؤولين السياسيين، أصدرت السلطات السعودية قائمة من 40 شخصية يمنية مطلوبة لأجهزتها الأمنية بتهمة الإرهاب، مقرونة بمكافآت مالية للمساعدة في الوصول إليها بلغت 430 مليون دولار.
الشخصيات اليمنية كلها تنتمي ل"جماعة أنصار الله" (الحوثيون)، وورد على رأسهم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، باعتبار تصنيف الرياض رسمياً للحوثيين كجماعة إرهابية قبل بداية الحرب الراهنة، إلى جانب الإخوان المسلمين والقاعدة وداعش. لكنها المرة الأولى التي يتم فيها تسمية شخصيات محددة من الجماعة في قائمة الإرهاب السعودية، بعد ضم بعض قياداتها إلى قائمة العقوبات التي أصدرها مجلس الأمن الدولي في 2014 ووسعها في 2015.

 

.. وحلفاء السعودية والامارات

 

لم تقتصر قوائم الرياض على خصومها من اليمنيين، بل شملت حلفاءها أيضاً. ويُعد الإخوان المسلمون أو فرعهم اليمني، "حزب التجمع اليمني للإصلاح"، أبرز الأحزاب والجماعات التي تحارب الحوثيين تحت مظلة التحالف العسكري الذي تقوده السعودية في اليمن، وتحت قيادة الرئيس هادي. إلا أن عدداً من أبرز قيادات "الاصلاح" صُنِّفت في تلك القوائم، كحسن أبكر القيادي الإصلاحي بمحافظة الجوف. وينطبق الأمر نفسه على "حزب

الرشاد" السلفي الذي أدرجت الرياض أمينه العام، عبد الوهاب الحميقاني، ضمن قائمتها للإرهاب العام الماضي، وهو وقبيلته وحزبه يقاتلون في صفها، والرجل فرّ إلى الأراضي السعودية مع قيادات "الشرعية" المقيمة هناك حتى اللحظة.
قبل أسابيع، تم تجديد وتوسيع قائمة الرياض / أبوظبي للشخصيات الإرهابية في اليمن، وهي صدرت باسم تحالف ضيق يتكون من دول الخليج الست وأمريكا التي كانت المبادِرة عبر وزارة الخزانة الأمريكية لاتهام حسن أبكر والحميقاني بتمويل الإرهاب سابقاً، إضافة إلى شخصيات أخرى كلها تعمل تحت مظلة الرئيس هادي والتحالف الذي تقوده السعودية. وقوبلت تلك القوائم بالاحتجاج ودفع المشمولين فيها تهمة الإرهاب عن أنفسهم.
إلا أن القائمة الموسعة الصادرة قبل أسابيع شملت للمرة الأولى شخصية موالية للإمارات وتتلقى دعمها منها باستمرار، كالقيادي بمقاومة تعز عادل عبده فارع (أبوالعباس) قائد الجبهة الشرقية، والذي ضمت قواته إلى اللواء 35 الموالي لهادي على الرغم من استمراره في تلقي مساعدات خاصة به وأموالاً من الإمارات بشكل مباشر. ومع هذا أقرت الإمارات تلك القائمة دون أية إجراءات مرافقة لها، كما يفترض عند إعلان أي قائمة من هذا النوع.

 

رافق القائمة الاخيرة إعلان السعودية قرارها إغلاق كل المنافذ اليمنية براً وجواً وبحراً بعد استهداف الرياض لأول مرة بصاروخ بالستي يمني أصاب جزءاً من مطار الملك خالد الدولي. وقد استحوذ هذا القرار على اهتمام اليمنيين وأثار غضبهم ضد السياسة السعودية تجاه اليمن، بمن فيهم المؤيدين للتحالف.

 

قائمة تلو أخرى يتم إرهاب اليمنيين بها باتهامهم بالإرهاب، سواء بنيت تلك القوائم على معلومات حقيقية أو على مواقف سياسية مناهضة، أو خدمة لأطراف ونكاية بأخرى. إلا أن أية إجراءات مفترضة ضد الأسماء المشمولة فيها لم تحدث حتى الآن، باستثناء إجراءات الخزانة الأمريكية القائمة على تجميد الأموال لمن شملتهم عقوباتها.
لم تصبح هذه القوائم، الإقليمية والأمريكية، متوالية على هذا النحو إلا منذ العام 2015 واندلاع الحرب المستمرة في البلد، على الرغم من أن أمريكا أدرجت شخصيات يمنية في قائمة المطلوبين المتهمين بدعم الإرهاب منذ العقد الماضي، كرجل الدين والقيادي في حزب الإصلاح عبدالمجيد الزنداني الذي رفض الرئيس السابق تسليمه لأمريكا يومها، وزار جامعة الإيمان التي يرأسها الزنداني لإلقاء خطاب ضمن حملته الانتخابية للرئاسة 2006 كنوع من التضامن معه، قبل أن يعود ويتهم الرجل وحزبه بالإرهاب بعد خروجهم ضده في انتفاضة الشباب 2011.
كما أن أمريكا لم تعتبر تنظيم "القاعدة في جزيرة العرب" جماعة إرهابية إلا في  كانون الثاني / يناير 2010، بعد سنوات من نشاط الجماعات الإرهابية منذ مطلع تسعينات القرن الماضي، ورصدها لعدد من الشخصيات المتهمة بالإرهاب في قائمة المطلوبين الذين يمثلون تهديداً لأمنها القومي، وقتلها المباشر لعشرات منهم في غاراتها بالطائرات دون طيار، منذ تنفيذها أول ضربة قاتلة لقيادي في القاعدة في تشرين الثاني / نوفمبر 2002 استهدفت "أبو علي الحارثي" وستة من رفاقه.. دون الاعتراف في حينه بقتله بطائرة أمريكية.


اقرأ أيضاً: تحولات العلاقات اليمنية السعودية خلال قرن


عملياً تعد القوائم الخليجية والسعودية تحديدا دون أثر مباشر باستثناء بعض الآثار المالية. لكن في الوقت الراهن، عندما أصبحت طائرات التحالف تتحكم بأجواء اليمن وتنتهكها متى أرادت، أصبح هؤلاء يشعرون بالتهديد على حياتهم من جهة، ومن جهة أخرى أصبحت علاقتهم بجماعاتهم أو بسلطة الرئيس هادي مثاراً لتساؤلات عدة.
عندما قامت الأزمة الخليجية الراهنة بين دول الخليج ودولة قطر، أصبح تصنيف قيادات الجماعات الدينية من اليمنيين يبنى على موقف أي منها من قطر. وبدورها فهذه الاخيرة تستطيع التأثير في صياغة قوائم جديدة، ويعيد إليها البعض وضع القيادي السلفي "أبوالعباس" في القائمة الصادرة قبل أسابيع، نكاية بالإمارات وإحراجاً لها باعتبارها الداعم الأساسي للرجل، وبعد أن وجهت الإمارات اتهاماتها لقطر بدعم الإرهاب. مع العلم أن قطر تتمتع بشبكة علاقات وتحالفات واسعتين داخل اليمن، وإن كانت تراجعت مؤخراً بفعل الأزمة الخليجية لدرجة إعلان "حزب الإصلاح" المصنف كفرع للإخوان المسلمين في اليمن دعمه للموقفين السعودي والإماراتي ضد قطر مؤخرا، بينما هو محسوب عليها خليجياً.

 

والحوثيون أخيراً

 

الجديد في قائمة الـ40 من القيادات الحوثية التي أعلنتها الرياض مؤخراً كان وضع مكافآت مالية قرين كل اسم فيها حسب درجته وتأثيره، تبدأ بـ 30 مليون دولار أمام اسم زعيم الجماعة، وتنتهي بـ5 مليون دولار أمام الأسماء الأخيرة في القائمة. وهذه القائمة قوبلت بتشكيك يمني حتى من قبل مناهضي الحوثيين، لأن أغلب قيادات الحوثيين الموجودة أسماؤهم في القائمة يتحركون في الأماكن العامة بشكل مستمر ولم تستهدفهم الرياض بضرباتها الجوية طيلة 3 سنوات من الحرب التي تخوضها في اليمن.
وكرد على القائمة، أبدى المطلوب الثالث فيها، علي محمد الحوثي، رئيس "اللجنة الثورية العليا" للجماعة، في تغريدة على تويتر استعداد جماعته لاستقبال أمراء آل سعود ممن يتعرضون لملاحقة محمد بن سلمان. لكن الجماعة لم تصدر بياناً أو موقفاً رسمياً من القائمة في حينه، لأن الإعلان الذي رافقها كان إغلاق كل المنافذ اليمنية براً وجواً وبحراً حتى إشعار آخر من قبل السعودية، بعد استهداف الرياض لأول مرة بصاروخ بالستي يمني أصاب جزءا من مطار الملك خالد الدولي. وقد استحوذ هذا القرار على اهتمام اليمنيين وأثار غضبهم ضد السياسة السعودية تجاه اليمن، بمن فيهم المؤيدين للتحالف.

 

مع إعلان كل قائمة ــ باستثناء الأخيرة ضد الحوثيين ــ يخسر التحالف العسكري بقيادة السعودية بعض حلفائه في اليمن، سواء من الإخوان أو السلفيين، بينما يستغلها "تحالف صنعاء" (صالح والحوثيين) للتشنيع بخصومه باعتبارهم إرهابيين. وكانت واشنطن في أوقات كثيرة ترسل طائراتها بدون طيار لقصف جماعات تقاتل ضد الحوثيين كجماعات إرهابية.

 

كان اللافت للنظر أيضاً أن القائمة السعودية خلت من أي شخصية تنتمي ل"حزب المؤتمر الشعبي العام" (برئاسة صالح)، وهو حليف الحوثيين في الحرب الجارية. ما اعتبره بعض المتابعين مؤشراً على وجود اتفاق من نوع ما بين صالح والرياض، فيما اعتبره آخرون محاولة لتكريس خلافات الحليفين وتعميق الشك وعدم الثقة القائمة في علاقتهما. لكن الرياض في الوقت نفسه استضافت اجتماعاً لقيادات مؤتمرية موالية لهادي في محاولة لشق الحزب رسمياً إلى حزبين بعد أن ظل حتى الآن حزباً واحداً بجناحين أحدهما موال للرئيس السابق والآخر لهادي الذي ترشح للرئاسة، وهو شغل منصب نائب رئيس الحزب وأمينه العام إلى أن أقاله صالح قبل أشهر من دخول الحوثيين إلى صنعاء (21 أيلول / سبتمبر 2015).
مع إعلان كل قائمة ــ باستثناء الأخيرةــ يخسر التحالف العسكري بقيادة السعودية بعض حلفائه في اليمن سواء من الإخوان أو السلفيين، بينما يستغلها "تحالف صنعاء" (صالح والحوثيين)  للتشنيع بخصومه باعتبارهم إرهابيين. وكانت واشنطن في أوقات كثيرة ترسل طائراتها بدون طيار لقصف جماعات تقاتل ضد الحوثيين كجماعات إرهابية، ما أوجد وجهة نظر تقول بأن أمريكا تنسق مع الحوثيين في عملياتها ضد الإرهاب بدليل أن غارات ال"درونز" استمرت في فترة احتجاز الحوثيين لهادي وسلبهم سلطاته مطلع 2015.
قائمة الـ40 الأخيرة هي الأوسع من حيث العدد، والأولى من حيث الهدف حيث ضمت قيادات حوثية حصرياً، ولم تقرها إلى جانب الرياض أية دولة باستثناء تأييد ضمني من قبل الإمارات.
وعلى الرغم من ردود الأفعال المتباينة من القائمة، إلا أن الاستخفاف والسخرية كانا أبرز سمات هذه الردود حتى من قبل المناهضين للحوثيين، خاصة وأن إصدارها تزامن مع قرارات سعودية تضر بمصالح كل اليمنيين.

 

ماذا عن الارهاب في عدن؟

 

تصدر هذه القوائم بينما يستمر الإرهاب بضرب عدن ومؤسساتها الأمنية دون أن يتم تصنيف من يقف خلف تلك العمليات في قائمة الإرهاب. بل تستمر الاشتباكات بين فصائل مسلحة في عدن، بعضها موالٍ لهادي وآخر للإمارات، ويسقط فيها القتلى، ولم يتم تصنيفها كعمليات إرهابية لمجرد أن بعض المتورطين فيها يتبعون التحالف وأبوظبي تحديداً، علماً أن جزءاً منهم ينتمون لتيارات دينية متشددة.
كل القوائم السابقة التي استهدفت حصرياً شخصيات موالية للرئيس هادي والتحالف يضر مباشرة بسمعة التحالف والشرعية ووضعهما الأخلاقي أمام اليمنيين والعالم. بالمقابل، فإن عدم اتخاذ أية إجراءات أو عقوبات ضد تلك الشخصيات حوَّل القوائم إلى مجرد مؤشر على اتجاه الصراعات البينية داخل دول التحالف وليس فقط بينها وبين قطر التي انسحبت من التحالف عند انفجار خلافاتها مع الإمارات والسعودية.



في علاقتها مع اليمن، كانت السعودية تسعى باستمرار لربط صورته بالإرهاب، في الوقت الذي كانت ــ وإلى جانبها دول خليجية أخرى كقطر وعُمان ــ تقوم بتنسيق عمليات إفراج عن معتقلين أجانب لدى القاعدة دون العودة إلى السلطات اليمنية، وهو ما حدث أكثر من مرة منذ 2012. وقبلها، قامت الرياض بكشف العملية التي عرفت ب"حادثة الطرود المفخخة" أواخر 2010، وأبلغت واشنطن قبل صنعاء، ما صعّد من وتيرة الخلاف بين البلدين يومها. وهذه السلوكيات تؤكد وجود علاقات لهذه الدول ب"القاعدة في اليمن"، وهي تستخدمها بشكل أو بآخر لأغراض سياسية. وقد تأتي القوائم الأخيرة في هذا الإطار ولو بشكل مختلف، وربما يُبنى عليها لاحقاً. فلكل دولة في التحالف أهدافها المختلفة على الأرض اليمنية.