صارت الهموم العربية أثقل من أن يتحملها كاهل المواطن العربي، سواء في المشرق او في المغرب.
بالأمس، كنا مثقلين بالهم الفلسطيني المقيم في قلب العجز العربي..
أما الهموم اليوم، فأثقل من أن تتحملها الامة المحكومة بالعجزة والعاجزين من حكامها.. إلا عليها.. بحيث أن هذا المواطن العربي لا يعرف من أين ستأتيه الضربة التالية: من سوريا الغارقة في دماء اهلها نتيجة الحرب فيها وعليها، أو من العراق الذي يغرقه الارث الثقيل للماضي وشبق متسلقي الحكم بالمصادفة.. والتعويض عن ظلامات الماضي، وضمنها مشروع الانفصال الكردي بعد اجتياح "الدواعش" واعلان "البغدادي" خلافته من الموصل، إلى التحرش التركي، إلى الازمة الاقتصادية التي فاقم منها النهب المنظم الذي قاده حكام المنفى الذين رغبوا في تعويض الذات على ما فاتها من ثروات! أم من اليمن التي تنهشها قذائف "الاخوة" السعوديين ومعهم "الاماراتيين" الذين يريدون وراثتها.. بقتلها! وسقطت ليبيا سهواً وتمزقت ارباً فتوزعتها الدول والقبائل المسلحة. وما زالت تونس ترتج تحت وقع مخاوفها من المستقبل في ظل رئيسها العجوز الذي أعادته "السلطة" شاباً نشيطاً.. ولو إلى حين، في حين تغرق الجزائر في غيبوبة رئيسها المريض حتى العجز، وعلى الرغم من ذلك فانه يرفض أن يستقيل أو يسمي من يمكن أن يخلفه..
أما مصر فغائبة عن السمع

نتيجة تفاقم فقرها وديونها التي تُغرق خزينتها، ويمن عليها المسؤولون في السعودية ودولة الامارات ببعض المساعدات و"الشرهات" التي لا تكفي شعبها الذي زاد تعداده عن المئة وخمسة ملايين مواطن (قبل كتابة هذه السطور)..
مَن لفلسطين الأسيرة، وكل دولة عربية غارقة في عجزها الذاتي وفي مشكلاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتي رأى اهلها العرب في التلاقي بين سلطة فتح في رام الله وسلطة حماس في غزة كثيراً من فولكلور مصالحات الاخوة ــ الاعداء.. وما أكثرها في بلادنا!

 

***

 

على أن الاخطر يتمثل في الإضعاف المستمر لروابط الاخوة والمصالح المشتركة وضرورة مواجهة العدو الدائم لهذه الامة في مختلف المجالات وميادين الصراع.. خصوصاً وقد اختفت المؤسسات التي كانت تجمع اشتات العرب (الجامعة العربية وما تفرع منها، مؤتمرات القمة وما تقرر فيها وبقي حبراً على ورق، معاهدات الدفاع المشترك التي حلت محلها معاهدات الصلح مع العدو الاسرائيلي ظاهرة او مبطنة).
ومع التقدير لما تم انجازه، ميدانياً، في العراق كما في سوريا، على صعيد المواجهة مع عصابات "داعش" ومشتقاتها ومثيلاتها في هذين القطرين كما في أقطار عربية أخرى (بينها مصر، حيث تستمر العمليات الارهابية ولو بشكل متقطع..)، فان الأوضاع التي خلفتها هذه العصابات المدججة بالسلاح والمزودة بمعارف تفصيلية بالمواقع التي هاجمتها فاحتلتها واعتصمت فيها حتى تم اجلاؤها بالقوة، تجعل "دول" الامة تكاد تغرق في غيبوبة الضياع حتى نسيان أو انكار الهوية.
.. مع التقدير لما تم انجازه ميدانياً، فان الأوضاع في المشرق العربي خاصة، وفي بعض المغرب كذلك لا تُطمئن، لاسيما اذا ما تذكرنا كلفة الحرب على الارهاب في البشر كما في الاقتصاد، والأهم في الاجتماع: فواقع الأمر أن عدداً من الدول العربية ذات الموقع القيادي تاريخياً، العراق وسوريا وليبيا ومعها اليمن، ومصر من الجهة الأخرى وإن إختلفت الأسباب، يغرق حتى العنق في أزمات إقتصادية خانقة، بينها مؤشرات هبوط قيمة نقدها، والتهجير الواسع (بالملايين) الذي ضرب عمرانها، وجعل حوالي النصف من عدد سكانها يتوزع كلاجئين في الداخل وفي الخارج.. ويعلم الله كم يعود من هؤلاء المهجرين قسراً إلى بلادهم ومتى ومن سيبني مدنهم وقراهم المهدمة، ومدى تأثير هذه الغربة القسرية عليهم كما على الأجيال الجديدة من أبنائهم الذين أجبروا على الحياة في "المنفى".. لا يهم أن كان قريباً او بعيداً، فالتعاسة واحدة.


اقرأ أيضاً: نحو نهايات عصر الدم العربي المهدور؟


للمناسبة: إن عدد المنفيين قسراً ونتيجة الحروب في بلادهم وعليها يزيد بالتأكيد عن عدد الذين نفوا أنفسهم من بلادهم بقوة الفقر وقهر البطالة والعوز ليعملوا في أي مجال تعيس في الخارج (عمال نظافة، سائقو سيارات اجرة، عمال بناء بينما بيوتهم مهدمة، خريجو جامعات يقبلون بأي عمل يسد الرمق..). هذا في الوقت الذي تفتح فيه البلاد العربية الابواب على مصراعيها للخبراء الاجانب يرسمون لها سياساتها المالية والاقتصادية والتعليمية، ويقررون لها موقعها على الخريطة الدولية، ويحددون خطوط التواصل في ما بينها انطلاقاً من "المركز" في واشنطن القريبة حتى التلاحم مع العدو الاسرائيلي في تل ابيب.

 

***

 

لقد اندثرت " السياسة العربية". صارت واشنطن هي مركز القرار العربي.
في أي شأن عربي، وازاء أي تطور سياسي في المنطقة العربية، ينتظر القادة، ملوكاً ورؤساء وأمراء فضلاً عن الوزراء و"المراقبين" و"المصادر المطلعة" و"كتّاب" البيانات السياسية والتعليقات الصحافية الموجهة، ينتظرون الناطق باسم الخارجية الاميركية، أو الكتّاب المختصين بشرح المواقف الاميركية حتى يقرروا ما يقولون وكيف يتصرفون.
أن الدول العربية بمعظمها تُحكم من واشنطن وضمنها تل ابيب، وبعضها الآخر يتقاسم النفوذ فيها وعليها واشنطن وموسكو وطهران.
لقد ارتهن القرار العربي المستقل على مستوى "الدولة"، لا يهم أن تكون غنية أو فقيرة، قوية أو ضعيفة، في المشرق أو في المغرب، إلى عواصم القرار دولياً.
إن أي مواطن عادي يستطيع أن يحدد لك "تبعية" أي من الملوك أو الامراء أو رؤساء الدول العربية (ومعهم رؤساء الحكومات والعديد من الوزراء والنواب، فضلاً عن كبار رجال الاعمال ومرتِّبي الصفقات). وبديهي أن أكثريتهم تتخذ من واشنطن بالبيت الابيض والخارجية ووكالات الاستخبارات (سي أي ايه وما تفرع عنها) المرجعية والموجِّه ومصدر القرار.
بل أن التبعية قد ضربت ايضاً الاحزاب السياسية، والهيئات الاقتصادية، ووصلت إلى الجمعيات والهيئات الاجتماعيةNGO) ) التي عرفت الطريق إلى المنظمات الدولية المتخصصة التي ترفع راية العمل الاجتماعي في حين أنها مسيسة، وهي تملك قدرات مالية ممتازة، وتعرف كيف وأين توظفها ولأي هدف.


اقرأ أيضاً: زيارة إلى البلاد التي تسأل ذاتها.. هل انت مصر؟!


لقد بات العمل السياسي محظوراً في مختلف ارجاء الوطن العربي. ومن هنا تمّ التحايل على المنع عبر الانتماء إلى هذه المؤسسات الدولية بالأطفال أو بالمرأة أو حتى بالشباب.. مفترضة أن الدول المعنية لا تهتم بذلك كله، وأنها مشغولة عن شعبها، رجالاً ونساءً وأطفالاً، أصحاء أو مرضى، أيتاماً أو مشوهين بالولادة. ومن هنا تتقدم المنظمات الدولية لتحل محل الدولة في مسؤولياتها.
لم يعد النفوذ الاجنبي واستتباع الدول وارتهان ارادتها يتمثل في القواعد العسكرية و"المندوب السامي" الذي له الكلمة الفصل في شؤون الدول التي تحتلها وتتحكم فيها، بالرئيس والحكومة والمجلس النيابي وسائر المؤسسات.
صار للهيمنة قواعد أخرى ووجوه أخرى ومجالات أخرى أبرزها الاقتصاد والمال ضمناً والاجهزة الامنية والجيوش.. وليس سراً أن "الدولار" هو إمبراطور الكون، وان الولايات المتحدة تطبع من الدولارات ما شاءت، وتفرض رقابتها على الحركة الاقتصادية والنقدية في مختلف دول العالم. وعلى أساس سعر الدولار تحدد أسعار المنتجات والثروات الطبيعية كالنفط والغاز (فضلاً عن المعادن) الخ..
ومع الأسف، فان الدول العربية على اختلافها مرتهنة في عملتها وأسباب إنتاجها (النفط والغاز أساساً) للدولار الاميركي: فالولايات المتحدة الاميركية هي المنتج الاكبر، والاتحاد الروسي لم يستطع بعد أن ينافس جدياً ويتحكم بأسعار هذه المنتجات بقدر ما تستطيع الولايات المتحدة الاميركية.
كذلك فان هذه الدول مرتهنة في تسليح جيوشها وقوى أمنها الداخلي إلى الغرب عموماً بعنوانه الاميركي..
ولقد ذهبت الاحلام التي وفرتها مصرــ عبد الناصر للعرب ذات يوم، للعرب جميعاً عبر قدرتها على انتاج السلاح (والتصنيع عموماً) والاستغناء عن المعونة الاجنبية التي لا يمكن أن تكون بلا شروط.

 

***

 

أن كل شعب عربي مُثقل بهموم معاشه وتأمين مستقبل أفضل لأبنائه، بالدراسات العليا وغالباً خارج وطنه، لان الشهادات المحلية لم تعد تحظى بالاحترام المطلوب.
لقد خرج العرب من "السياسة".
وليس امراً مفرحاً أن تكون دنيا العرب قد خلت تقريباً من الاحزاب والحركات السياسية التي كانت شعارات ورايات تلتمع فيها أحلام شعوبهم وتمنياتهم بحياة أفضل.
لقد حل العسكر والعائلات المستقوية بالنفط في مقاعد الحكام، بلا برامج واعدة، بلا نظام للمحاسبة، وبلا مرجعية شعبية لقراراتهم. حتى القبائل كان لها شيوخ وامراء وأهل رأي.. أما اليوم فالحاكم الفرد، مطلق الصلاحيات، هو المرجعية، هو مصدر القانون ومنفذه..



ولعل هذه الحقيقة بين أسباب انفضاض الناس عن العمل السياسي واستطراداً عن الاحزاب وسائر التنظيمات الشعبية، بما فيها النقاش.
إن الحكم في أي بلد عربي محتكَر لشخص واحد، تسنده طائفة او قبيلة، لا فرق بين أن تكون مدنية أو عسكرية.
ولهذا فتراجع الامة مستمر، وتمزقها حتمي. فالإقليمية هي الأقوى، والعشائرية هي الركيزة وحزب الحاكم طائفته، مهما كان الشعار!
لكن هذا الواقع ليس قدراً.. ومنطق الحياة يؤكد أن التغيير آتٍ، لا محالة.