يجري في جنوب مدينة السليمانية بإقليم كُردستان العراق نهر، لا تنطبق عليه مواصفات الأنهار الطبيعية، ويفتقد إلى ثلاثة أشياء رئيسية لا يمكن دونها إعتبار المياة صالحة للحياة: الشرب والسباحة وصيد السمك. إنه نهر "تانجرو"، الذي لا منبع طبيعي له، إنما يصب على بعد 64 كيلومتراً في مياه سد دربنديخان الطبيعية النقية، حيث تشكل مصدر حياة لأكثر من مليوني إنسان في كل من محافظة السليمانية ومنطقة كرميان ومحافظة ديالى.

يتكون نهر "تانجرو" من المياه الثقيلة، أي مياه الصرف الصحي والإستخدام المنزلي، وتدخل فيه جميع مخلّفات المؤسسات الصحية والصناعية. يتجه النهر بلونه الرمادي، والأسود أحياناً، نحو بحيرة دربنديخان ويخترق بروائحه الكريهة ولمسافات كبيرة رئات سكان القرى والبلدات التي يعبرها. كما يخترق الأراضي الهشة التي يمرّ فيها مستخدَماً كمورد لزيادة كميات المياه الجوفية ولزراعة الخضرة الموسمية.
على بعد أمتار من النهر، تبرز تلة عملاقة لدفن نفايات المدينة، ناهيك عن مخلفات معامل زيوت السيارات في المنطقة ذاتها. يلفت الإنتباه رجل مسن يقطف الخيار والبطيخ في بستان تسقيه تلك المياه. أقتربت منه وسألته عن إمكانية تناول الخضرة والفواكه المسقية بمياه قذرة، يجيبني بأن المياه إنْ جرت فلا خوف منها، معتمداً على تصور شعبي سائد بأن جريان المياه كفيل بنظافته. على بعد نصف كيلومتر جنوباً

من ذلك المشهد، يعتمد سكان قرية "جقلاوة" على آبار تتغذى على المياه الرمادية تلك لزراعة الخضرة وللشرب والإحتياجات المنزلية، كما تشكل مصدر دخل عائلي لهم، حيث يبيعون يومياً آلاف الليترات من تلك المياه إلى مدينة السليمانية.

 

أصحاب المشاريع الصناعية ومصافي الوقود ومعامل زيوت السيارات يستخدمون نفوذهم لرمي المخلفات في المكان نفسه الذي تدفن فيها نفايات المدينة المتصلة بالمياه الرمادية، فيما يفترض معالجة كل تلك المواد الكيميائية الخطرة وفقاً لشروط علمية وعلى نفقة الشركات ذاتها.

 

لا يريد أصحاب الآبار وسكان القرية الحديث أمام الصحافيين، والسبب أنهم لا يثقون بالصحافة ولا يرون جدوى من التقارير الإعلامية التي نُشرت عن أوضاعهم، ذلك انها لم تحرّك الجهات الحكومية والرسمية المسؤولة عن حماية حياتهم من الأمراض والتلوث. يقول صاحب بئر لم يقبل ان تُلتقط له صورة ولا أن يذكر إسمه: سبَّبت لنا هذه المياه الوسخة أمراضاً كثيرة، ولكن ماذا نفعل؟ انها مصدر أساسي لحياتنا، نشرب من هذه الآبار ونبيع منها. فمن هي الجهات التي تشتري وتنقل المياه بقاطرات إلى المدينة؟ يتهرّب مني بحجة الإنشغال قائلا: يشترونها لسقاية الحدائق، لا أعرف تماماً.


اقرأ أيضا: التمر العراقيّ يروي سيرة خراب البصرة


تصل قاطرة في الوقت الذي ينهي فيه صاحب البئر كلامه، ويبدأ السائق بتعبئة قاطرته. يقترب مني ويسألني عن الجهة الإعلامية التي أعمل لصالحها وكأنه يريد التأكد من هويتي السياسية. وحين قلت له بأني صحافي مستقل ومهتم بالمياه وبحق الناس في الحصول على تلك الصالحة للشرب وللزراعة والإستخدام المنزلي، اشترط عليّ أن لا ألح عليه لمعرفة المزيد إن هو كشف ليّ سرّاً: "تذهب مياه هذه الآبار إلى مسابح في المدينة" قال لي.
خطوات قليلة شمالاً تنتشر على ضفتي هذا النهر حقول البقدونس والكرفس والرشاد والفلفل والكُرّات.. وتُباع هذه الخضار في أسواق المدينة التي شهدت أقسام منها في السنوات الأخيرة إنتشار مرض الكوليرا. أنه إذاً الساقي والقاتل في آن معاً.

 

سد دربنديخان

 

بحسب مدير سد دربنديخان فإن "مخلفات البلدات من مياه الصرف الصحي، ومخلفات المنطقة الصناعية كالمعامل ومصافي الوقود، وحتى المواد التالفة، أثرت على نوعية مياه السد وبشكل خاص في فصل الخريف حيث تقل نسبة المياه وتزيد كثافة القذارة، تحديداً الفلزات الثقيلة التي يصعب تنظيف مياه السد منها". وقد تمّ تحذير حكومة إقليم كردستان ومحافظة السليمانية من المخاطر الصحية التي تشكلها مياه "تانجرو" على حياة الناس وعلى نوعية مياه سد دربنديخان، لكن ليس هناك حتى اليوم أية خطوة عملية لإصلاح الوضع.

 

على بعد أمتار من النهر، تبرز تلة عملاقة لدفن نفايات المدينة، ومخلفات معامل زيوت السيارات في المنطقة ذاتها. تسقي حقول البقدونس والكرفس والرشاد والفلفل والكُرّات.. وتُباع هذه الخضرة في أسواق المدينة التي شهدت اقسام منها في السنوات الأخيرة إنتشار مرض الكوليرا.


ووفقاً للمادة رقم 8 لسنة 2008 المتعلقة بحماية وإصلاح البيئة، فإن جزءاً من مسؤولية تلوث البيئة ومصادر المياه يقع على عاتق دائرة البيئة لمحافظة السليمانية، أانها تستطيع وضع حد للتجاوزات وعدم الإلتزام بالقوانين المتعلقة بالبيئة. ولكن بعد زيارات ميدانية للموقع، والحديث مع السكان والمزارعين ومع مسؤولين في دائرة البيئة، تبين ان أصحاب المشاريع الصناعية ومصافي الوقود ومعامل زيوت السيارات يستخدمون نفوذهم لرمي المخلفات في المكان نفسه الذي تدفن فيها نفايات المدينة المتصلة بالمياه الرمادية، فيما يفترض معالجة كل تلك المواد الكيميائية الخطرة وفقاً لشروط علمية وعلى نفقة الشركات ذاتها.
جزء آخر من مسؤولية معالجة هذه المياه وحماية السكان من أضرارها الصحية يقع على عاتق مديرية البلديات في المحافظة التي تتميز بالكثافة السكانية. ولكن تخلو خزانة المديرية المذكورة من المال، وذلك بسبب الأزمة الإقتصادية الخانقة التي تستمر منذ 2014. نفهم تالياً ان معالجة هذه الآفة البيئية وحماية حياة المواطنين منها، لا تحتل الأولية في حسابات البلدية والمحافظة والحكومة.
والغريب هو أن الدائرة المذكورة لا تملك قاعدة بيانات لقياس نسبة مياه الصرف الصحي الجارية في النهر القاتل، وتعتمد في إعطاء أية معلومة عن ذلك على كمية المياه الصالحة للشرب التي يتم توفيرها لسكان المدينة وهي تتراوح بين 150 إلى 200 الف متر مكعب يومياً. وتدخل نسبة 75 في المئة من هذه الكمية إلى نهر "تانجرو" الرمادي بسبب عدم معالجتها وإعادة تدويرها... يذكر ان حدائق المدينة وأشجارها تسقى بالمياه الصالحة للشرب.


اقرأ أيضاً: العراق.. مدنٌ لا تحيا ولا تموت


هناك إمكانية لتحويل تلك المياه إلى مياه نظيفة من خلال محطة تصفية حديثة على غرار محطة "خربة سمرا" في المملكة الأردنية التي تعتبر من أفضل مشاريع معالجة مياه الصرف الصحي في الشرق الأوسط، وهي تقوم بإعادة تدوير المياه الثقيلة لسكان محافظتي عَمّان والزرقاء وتحويلها إلى سد الملك بن طلال. وصار الآن بإمكان الأسماك والكائنات المائية ان تحيا بشكل طبيعي في النهر الذي ينبع من المحطة بعد التصفية.
ان جريان هذه المياه الثقيلة في قلب مناطق مأهولة بالسكان، يعد إنتهاكاً لحقوق الناس الصحية والغذائية، وبقاءها دون معالجة وتنقية يؤدي إلى كارثة بيئية، كما تنتشر بسببها الأمراض والأوبئة بين السكان في مناطق واسعة في العراق. وهو على ذلك انتهاك لحقوق الطبيعة والأنهار بسبب التلوث المتعمد الذي يسببه لبحيرة دربنديخان، ناهيك عن تلوث مصادر غذاء وإقتصاد وصحة مناطق واسعة أخرى في كرميان وديالى. يقتضي واقع نهر تانجرو المزري، اللجوء إلى معالجة سريعة وفعالة قبل ان تحدث كارثة تتحمل مسؤوليتها كل من حكومة العراق الإتحادية وحكومة إقليم كردستان.