يحفظ الكثير من شبان الأحياء الفقيرة المحيطة بالمدن التونسية أغنيات الراب التي تمدح ''القنب الهندي" وتشتم ''البوليس" بعبارات عنيفة ونابية أحياناً، وهي تجتذب أغلبهم لقدرتها على إعادة التركيب اللغوي والموسيقي للمعيش اليومي البائس للشبان العاطلين عن العمل، والخائفين من المستقبل، والحاقدين على النظام وعلى كل شيء. فمغنو الراب، بملابسهم وحركاتهم الجسدية ولكناتهم المميزة، يترجمون التجربة الاجتماعية لمن يعيشون على هامش النظام. وبشكل أو آخر، يضع مغنو الراب أنفسهم على هامش النسق، وفي وضعية يكنّ لها حراس "الثقافة الراقية" وكهنة "الذوق العام" العداء والشك والاستبعاد.. وهو موقف الجهاز البوليسي خصوصاً الذي يرى في الشتائم التي يوجهها له مغنو الراب من خلال أغانيهم مساً بهيبته وتحطيماً لمعنوياته، ويعتبرها وقاحة. وهو ما أدى إلى زج مغني الراب المكنى ''ولد الكانز" ("ابن 15") في السجن بسبب أغنيته ''البوليسية كلاب": "كان جيت ولد سليم شيبوب.. يا رئيس يا محامي يا بوليس يا مستشار.. كيف ما بكيتو بابا بوك منشعل فيه النار.. هذيا الحوما قندهار، الكاس فاض.. يدي اليسار شيطان رجيم يدي اليمين أبو عياض..خدمو بييا.. هِزّوني للجبانا..".
وقد أطلق سراحه بعد التضامن الذي لقيه من منظمات المجتمع المدني ومن زملائه مغنو

الراب. وفي الوقت ذاته، امتنعت الشرطة في الصيف الماضي عن تأمين حفل المغني المكنى "كلاي ببجي" بسبب أغانيه الناقمة على الشرطة والتي يستعمل فيها كلاماً نابياً.
لفهم هذه "العلاقة المتوترة" والكره المتبادل، لا تكفي القراءات التي تركز على البعد "التمردي" لأغاني الراب بما هي تعبيرات موسيقية تشكلت في الفضاءات الحضرية المقصية اجتماعياً ورمزياً عن المركز، بل ينبغي تفحص السياقات وصيرورات الإقصاء التي تجعل من ''الراب" وسيلة وتجربة فنية حضرية احتجاجية، تنمي دينامية استبعاد متبادل بين ''الهامش'' و''المركز'' بكل حمولات هذا الأخير التي تحيل في السياق التونسي إلى التسلط والهيمنة والاحتقار الممارس ضد الجماعات غير المنضبطة. من هذا المنظار، يرمز جهاز الشرطة في عيون مغني الراب إلى ''المركز'' باعتباره جلّ ما خبروه وتعرفوا عليه من النظام، والذراع القوي الذي يكرس الظلم والشعور القاسي بالضيم، ويختزل الهامش بالجريمة والعنف وكل ما هو خارج عن القانون داخل عوالم المدن التونسية الكبرى التي بدأت تعرف تفاوتات مجالية واجتماعية ظاهرة.

 

الحومة والقمامة والقنب الهندي

 

''حوماني'' هي إحدى أشهر أغنيات الراب التي نالت ملايين المشاهدات على موقع يوتيوب ولاقت رواجاً كبيراً بين شبيبة الأحياء الشعبية. تصف الأغنية المعيش اليومي لشباب ''الحومة'' (الحارة الشعبية) الغارقين في الملل بفعل البطالة وغياب الأفق، وكيف أن هذا الواقع يجعلهم يقضون يومهم في تدخين الحشيش مشدودين إلى الحومة، مكانهم البائس المليء بالتلوث والفقر والمرض. تُصوِّر الأغنية بطريقة فنية مميزة من يعيشون في الحومة كـ''الزبالة" المرمية، يعيشون خارج الزمن، غير معنيين بالوقت، يقومون متأخرين ولا ينظرون إلى ساعاتهم. فمبتغاهم هو قتل الوقت وانتظار اللاشيء. تقول مقاطع من الأغنية ''قاعدين نعيشوا كالزبلة في بوبالة.. تي فقري نقري ما نعرف منقالة.. تي فقري نقري مما.. ما نقوم بكري مما.. هوني خنقة برشا غمة".

 

لفهم "العلاقة المتوترة" والكره المتبادل، لا تكفي القراءات التي تركز على البعد "التمردي" لأغاني الراب بما هي تعبيرات موسيقية تشكلت في الفضاءات الحضرية المقصية اجتماعياً ورمزياً عن المركز، بل ينبغي تفحص السياقات وصيرورات الإقصاء التي تجعل من ''الراب" وسيلة وتجربة فنية حضرية احتجاجية..

 

تنتهي الأغنية الى حالة من العدمية الكبيرة التي تشير إلى أن كل المنافذ أغلقت، ولم يعد ثمة إمكان لشتم أي كان، وحتى الحشيش تغيّر طعمه ولم يعد يجدي، وتَوقّف عن إعطاء المتعة الكافية، بل توقفت القدرة على المقاومة وليس من خيار إلا القبول بالواقع المر. في مقاربة مشابهة تدين أغنية "مزاطيل" ("مساطيل"، من هم في حالة نشوة بفعل الحشيش) للمغني أحمد العبيدي المعروف بـ"كافون"، الظلم الذي يتعرض له مستهلكو "الزطلة" والذين صاروا يشكلون الأغلبية في السجون التونسية، إذ يتعرضون للإيقاف المتكرر التي ينتهي برميهم في أتون اليأس. تدين أغنية "مزاطيل" النفاق وإزدواجية ممارسات السلطة، حيث تتغاضى عن أبناء المتنفذين ممن يتعاطون المخدرات "الفخمة"، وتلاحق مستهلكي "الزطلة".. وتمدح حالة المتعة التي تحققها الزطلة لمن هم يائسون. ويدعو ''كافون" على نحو ساخر، وهو قضى عقوبة سجنية بسبب استهلاكه للحشيش، الرئيس السابق منصف المرزوقي إلى أن يترك شرب "الكوديا" (وهي مشروب محلي رخيص ومنخفض الجودة)، وأن ينضم إلى مستهلكي الزطلة.


اقرأ أيضاً: مستويات الراب العربيّ.. تأسيساً ومزجاً وربطاً


كل ذلك يحيل إلى المضمون السياسي لأغاني الراب، حيث تختفي بين لعبة الكلمات والنسق الموسيقي السريع ــ الذي يزاوج بين الروك والجاز والموسيقى المحلية ــ الهويات السياسية الجديدة للفئات الشبابية، فتتراجع شعبية أغاني "الشيخ إمام" و"مرسيل خليفة" لصالح هذا النمط الغنائي الجديد المترافق مع موجة عالمية، ولكنه ليس مجرد محاكاة لها بل يرتبط انتاجه بطفرات المدن التونسية التي لم تعد تلبي رغبات وإنتظارات الشبيبة فيما يتعلق بالولوج إلى العمل والترفيه والرضا عن الذات. فهي صارت مدناً تضيق بشبانها من خلال اللاعدالة في توزيع الموارد المدينية. والفضاءات المهمشة كثيراً ما تصنع خطابها الخاص وهو خطاب احتجاجي في غالب الأحيان يعطي لأبنائها هوية ومعنى. وخطابات الشبيبة من خلال الراب صارت جزء من ثقافة شبابية احتجاجية تكتسح العالم في ظل المنظومة النيوليبرالية التي يبدو أن الفئات الشبابية هم أكبر ضحاياها.

 

ثقافة العداء للشرطة

 

المجال الحضري هو مجال التباينات الاجتماعية، وفيه تتصاعد ثقافة شبابية معادية للجهاز البوليسي المتهم بالمساهمة في تعميق الإقصاء والإحساس بالضيم لشبيبة تضطر للانزواء في أحيائها التي صارت "جغرافيات غضب"، هروباً من التعامل معها بريبة وإخضاعها للمراقبة المستمرة والتضييق عليها.


اقرأ أيضاً

 

من دفاتر السفير العربي

 

الموسيقى والغناء.. سجل خاص للتغيرات السياسية


يلعب البوليس دوراً اجتماعياً يتمثل في قمع كل أنماط العيش "اللانظامي" للشبيبة المنحدرة من أحزمة المدن الفقيرة، وتمثل أغنيات الراب الشكل الفني الأكثر ملاءمة للاحتجاج عليه بوصفه رمزاً لمنظومة اجتماعية واقتصادية وثقافية قمعية. والعداء للبوليس هو جزء من ثقافة ما يعرف بـ"فنون الشارع".. لأن "العصا الغليظة" تعوِّض عن مَواطن الشغل.

 

حنق وغضب

 

الأغنية الأخيرة لكلاي ببجي حملت عنوان "فوضى" إثر امتناع قوات الأمن عن تأمين حفلته في مدينة المهدية الساحلية. تنتقد الأغنية سلوك البوليس بكلمات فجة، ولكنها تحيل في الآن ذاته إلى أن هذه "الشبيبة الغاضبة" لم تعد تعنيها الخسارات حيث تتهاوى الحدود بين السجن والحرية، بين الموت والحياة. تساهم أغنيات الراب في تشكيل "مخيال جماعي" لشبيبة لم يعد أمامها سوى البحث عن "خلاصها الخاص" الذي يتخذ في الغالب سلوكيات هروبية لعل أشدها قسوة هو الموت في عرض البحر المتوسط في رحلة مقاومة من أجل حياة مختلفة في الضفة الشمالية، أو الموت في ساحات "الجهاد" العالمي. بالمقابل لا تملك السلطات أي استراتيجية، ويفتقد الفاعلون السياسيون لأي مشاريع تمنح الأمل.
.. لم يبق للشبيبة سوى المقاومات اليومية والصغيرة التي تبدأ من تدخين الحشيش والجلوس لساعات طويلة عند مداخل الأحياء. صار الراب "المانفستو" الجديد الذي يجب أن يُصغى إليه جيداً لكي يتم إدراك أن الصراع الذي تخوضه الشبيبة التونسية الجديدة هو صراع من أجل "الاعتراف"، وذلك في ظل تهاوي الوسائط الاجتماعية القديمة وتآكل أشكال التضامنات التقليدية.



تجد الشبيبة الغاضبة من خلال أغنيات الراب نفسها وجهاً لوجه مع الوجه الأمني للدولة، في ظل الخيارات الاقتصادية السائدة وتعطل البدائل الاجتماعية. ويظل الراب ليس مجرد فن وإنما الصوت الأكثر إبداعية للمقموعين ولمن هم قابعون في ''العالم السفلي" للمجتمع التونسي المسكون بمخاضات وتحولات كبيرة.