إيران وتركيا تطوران علاقاتهما الثنائية على مستويات السياسة والاقتصاد والاستراتيجيا. وإيران وتركيا تعلنان أنهما ستتصديات لكل محاولة لاجراء تغييرات للحدود القائمة في المنطقة، وانهما ستعملان معاً، ومع حكومة العراق المركزية، لإحباط قيام دولة كردية في شمال العراق، باعتبارها تمثل خطراً على وحدة بلاد الرافدين وعلى مجمل المنطقة. وإيران وتركيا تعلنان أنهما ستباشران نقاشات بينهما لتذليل نقاط الخلاف فيما يخص الوضع في سوريا، وهي أبرز ما اصطدما حوله ــ وفيه ــ خلال السنوات الاخيرة.
هناك من نظّر لحرب داحس والغبراء، تلك التي ستجعل السنة والشيعة يتقاتلان الى ما شاء الله، وهناك من نظّر لاستحالة التقاء تركيا وإيران، باعتبار أن كل واحد منهما يمثل رأس ذلك الاستقطاب المجنون. وهناك من نظّر لسايكس بيكو جديد في المنطقة يؤدي الى اعادة رسم الحدود فيها وإعادة تعريف دولها.. بل وهناك من نظّر لتفتت المنطقة وزوالها كعصف مأكول..
إيران وتركيا محكومان من سلطات يميّزها العسف وشرور أخرى. لكنهما، كلاهما، يتصرفان بالاستناد الى موروث إمبرطوري استحضراه ليكون ركيزة طموحاتهما الحالية.. وغطاء مموِّه لتلك الشرور. وقد أتاح السيد مسعود البارزاني، بحماقة وضيق أفق مثيران للعجب، فرصة من ذهب لرجب طيب أردوغان وحسن روحاني لاستعراض قوتهما تلك.. فبديا حاميين للعراق، البلد العربي المتروك، والذي كان هو الآخر مركزاً امبرطورياً نافسهما وتصارع معهما على مرّ التاريخ، الى أن صار "مَزَقاً" وفق التعبير الدارج في لهجة ابنائه للدلالة على سوء الحال وانحطاطه.



بنزق وضيق ظاهران، يعلِّق الغربيون، من دبلوماسيين وصحافيين وباحثين، على زيارة أردوغان الى طهران البارحة باعتبار أجوائها مفعمة بالايجابية ولا يمكن مقارنتها بتلك التي سبقتها في 2015، أو بلقائه مع روحاني في تركيا في مؤتمر اسلامي في 2016. سيتبادلان التجارة بالعملات الوطنية لكليهما تفلتاً من ضغوط الغرب كما قالا، سيرفعان حجم ذلك التبادل الى ما قيمته 30 مليار دولار في 2018، ستزود ايران تركيا بالنفط والغاز مقابل معدات تورِّدها الاخيرة للأولى.. وهذا في البزنس، وهو مما يمكن التصريح عنه بيسر، بينما سبق قائد الأركان التركي بأيام رئيسه الى طهران.
لا داعي لنعي الجامعة العربية للمرة الألف، ولا لتسجيل مبلغ انشغال الدول العربية الكبرى بالسفاسف.. ولا لابداء القلق من غياب قطب عربي يوازن الجاران الجباران.. وكل ذلك صحيح. لكن وعلى الرغم منه، فلعلها فرصة ــ أولى؟ ــ تؤشر إلى إمكان تجاوز سيناريوهات رعب تخص منطقتنا سادت في السنوات الاخيرة، فتكون فاتحة لشيء من استعادة الصراع بالسياسة وليس بالقذائف والدمار العميم..