استُفْتِح العام الدراسي في مصر الذي بدأ في 23 أيلول/ سبتمبر الجاري، بتصريحات لوزير التعليم المصري  وصف فيها العاملين بالتعليم بأنهم "حرامية"، قائلا أن "نصفهم حرامية والنصف الآخر حرامية وغير أكفاء"! وهي تصريحات مسجلة  لم يستطع الوزير تكذيبها. والرجل تولى منصبه قبل أشهر قليلة، وكان قبل ذلك وتحديداً منذ العام 2014 يتولى رئيس المجلس الرئاسي الاستشاري للتعليم التابع مباشرة لرئاسة الجمهورية.
تصريحات وزير التعليم هذه جاءت بمناسبة أول حديث متخصص له فى الجريدة الأسبوعية "أخبار اليوم". ونظراً لخطورة كلامه، تجنبت الصحيفة وضعها فى مكان بارز ولم تصاحبها عناوين وإنما تركتها في متن النص. ولكن تصريحات الوزير غزت فيسبوك، وانتشرت كالنار فى الهشيم عبر روابط المعلمين المستقلة ودفعت بعضهم الى الذهاب للنائب العام وتقديم بلاغ ضده.. بينما أصدرت النقابة الرسمية للمعلمين بيان تأييد له.
وبعد ذلك بايام قلائل عقدت جمعية عمومية للنقابة تمّ فيها إقرار ازالة الحراسة القضائية عن النقابة وإجراء انتخابات قريبة. والمعروف ان نقابة المعلمين فى مصر هى من أكبر النقابات عدداً وأقلهم فاعلية بشكل يجعلها تكاد أن تكون غير موجودة على أرض الواقع.
وقد تدخلت صحيفة يديعوت احرونوت الاسرائيلية معتبرة أن الموسم الدراسي في مصر "سيكون مستعراً". إلا أن الأزمة

التي أثارتها تصريحات  الوزير كانت أكثر سخونة في الدول العربية، وبالذات منها تلك التي تستقدم معلمين مصريين. ففي الكويت كتب بعض الصحافيين يلفتون النظر الى ما قاله الوزير المصري ويتساءلون عن تأثير هذا "التقييم" على مستوى التعليم فى الكويت، وقد تناول أحدهم المساوىء القائمة فى مرحلة التعليم قبل الجامعي وانتشار الملخصات والدروس الخصوصية..  كما أن بعض المعلمين المصريين في الكويت تنبهوا للتداعيات على أوضاعهم وعملهم التي يمكن أن تترتب على تصريحات الوزير وطالبوا بتدخل رسمي حتى لا تتهدد وظائفهم.

 

أضعف مرتبات للمدرسين

 

وفى الإمارات، أخذت الأزمة شكلاً آخر، هو التعاطف مع المعلمين في مصر بمواجهة التصريحات الغريبة لوزيرهم. ففي تصريحات لنقيب المعلمين بالامارات أفاد أن المعلم المصري يحصل على أقل الرواتب  مقارنة مثلاً برواتب المعلمين فى دولة الإمارات نفسها. وهو ما اكدته أيضاً دراسة رسمية خرجت هذا الاسبوع من "الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء" قالت إن العاملين فى قطاع التعليم هم في أدنى الفئات فيما يخص المرتبات، معززة ذلك بالارقام.
تصاعد الضجة بشدة داخل وخارج مصر أدى الى استدعاء الوزير الى جلسة في مجلس الوزراء، خرج بعدها رئيس مجلس الوزراء بدلي بتصريح يؤكد احترام المعلم المصري. ولكن لم تتم اقالة وزير التعليم على خلفية زلة اللسان تلك كما حدث من قبل مع وزراء العدل مثلاً.

 

النص الدستوري يحدد أنه على مخصصات التعليم قبل الجامعي أن تكون بحدود 4 في المئة من الموازنة السنوية العامة، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، بل تنخفض النسبة هذا العام الى ما قدر ب 2.6 في المئة.

 

وفي تلك التصريحات جانب أخرى طمسته الضجة إذ قال الوزير أن وزارة التعليم ليست بحاجة الى هذا العدد الكبير من المعلمين (يبلغ عدد المعلمين1.3 مليون معلم، ويرتفع  الى 1.7 مليون شخص إذا ضم الى الرقم إجمالي الإداريين والاجهزة المعاونة). وقد قال الوزير انه واقعياً فهناك حاجة الى 20 في المئة فقط من هذه الإعداد.  وهو ما يكشف غياباً كبيراً عن الواقع، خاصة بما يخص التعليم الحكومي المجانى في القرى والنجوع. وقد اعترف الوزير بأنه لم يزر أي مدرسة في مصر، قائلاً: زرت مدارس كثيرة فى الخارج اثناء عملى ولا اعتقد ان الامر مختلف هنا!
وهو تناول خطط تطوير نظام التعليم المصري، أو كما قال، إحداث "انقلاب تام" فيه، وأن النظام الجديد سيبدأ تطبيقه من العام الدراسي القادم2018، وإن كان لا أحد يعرف عنه شيئاً، سواء من بين الخبراء أو الاساتذة  أو المتخصصين، إذ أن الافكار العامة التى يطرحها الوزير نوقشت فى غرف مغلقة، ولا يعرف من هم الذين وضعوا خطة التطوير..
كل ما أعلن حتى الآن هو أن التعليم سلعة يجب ان يسدد مقابلها. ولذلك زادت الرسوم الدراسية في المئة للمدارس الحكومية، وقال الوزير بأنه لم يكن هناك بديل آخر. ومن جهة أخرى رفعت المدارس الخاصة مصروفاتها بشكل غير مسبوق ووصل ببعضها، وبقرارات وزارية، الى نسبة زيادة 68 في المئة، وهو ما جعل الكثير من أولياء الامور يتغاضون عن تصريحات الوزير للتركيز على ارتفاع المصروفات برضى الوزارة الصريح أو الضمني، باعتبار سكوتها. وقد أعلنت بعض روابط المعلمين أن هناك مدارس وصلت مصروفاتها السنوية الى 400 ألف جنيه للتلميذ، أى 25 ألف دولار فى العام لاطفال في الحضانة.
وكان من مفارقات العام الدراسي أنه بدأ في بعض المدارس بشكل مبكر هذا العام، وبلا تقيد بالقرار الوزاري الذي حدد الموعد.
ولاحتواء الموقف، صرح وزير التعليم أنه بصدد إعداد دراسة عن أجور المعلمين لرفعها للرئيس. ومن الافكار التى يطرحها أن يتم تقنين أوضاع المراكز الخصوصية ("السناتر" التعليمية) بحيث تخضع للترخيص من جانب الوزارة، وبذلك يمكن تمويل مرتبات المعلمين، وبالذات الجدد منهم، والتي لا تصل الى 60 دولار شهرياً، أي أنها لا تصل الى الحد الأدنى المعلن للأجور في مصر وهو 1200 جنيهاً، (وهو يحدود 70 دولار في الشهر).



يظل الحديث يدور بقوة ولكنه يبقى في دائرة مغلقة ويصبح مادة للاستهلاك المحلي، بينما جهود الاصلاح تواجه عقبة مصدر التمويل، على الرغم من أن الإجابة موجودة في نص دستوري يحدد أن على مخصصات التعليم قبل الجامعي أن تكون فى حدود 4 في المئة ‏سنوياً من الموازنة العامة، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، بل تنخفض النسبة هذا العام الى2.6 في المئة يذهب 90 في المئة منها لبند الأجور، وأما ال10 في المئة الباقية فتتوزع على تمويل الكتاب المدرسي والمباني التعليمية وتكاليف إجراء امتحانات شهادة البكالوريا..