علاقة قرطاج/ افريقيا بأوروبا قديمة جداً، ولها ألف وجه. الوجه "الأبرز" هو بلا شك الغزوات والحملات والفتوحات، وما نتج عنها من انتصارات وهزائم وأحقاد وعقد تفوّق ونقص. لكن هناك أيضاً "حوار الحضارات" و"التلاقح الثقافي" والمبادلات التجارية. وبما أننا نعيش عصر "البزنس"، فقد اخترنا أن نركّز على مسألة العلاقات الاقتصادية التونسية ــ الأوروبية. وبما أن العلاقة تقاس بآلاف السنوات، سنكتفي بالتاريخ المعاصر (بداية من النصف الثاني للقرن العشرين).

هذه العلاقة/ الشراكة ما انفكّت تتجدّد وتتوثق، ويبدو أنها في طريقها نحو مرحلة جديدة قد تكون مصيرية للاقتصاد التونسي. شراكة يفترض بها أن تكون نديّة، وأن تضمن ازدهار الاقتصاد التونسي وتطوره. لكن الواقع أثبت أن حسابات الحقل والبيدر ليست متطابقة. شراكة يُجمِع أولي الأمر في تونس ــ مهما اختلفت ايديولوجياتهم ــ على أنها أغلى ما تملك البلاد ولا يجب أن يُفرّط فيها.. تشبه الزواج الكاثوليكي، لا طلاق فيه، وقد "تخونها" تونس قليلاً مع بعض الجيران والأصدقاء العابرين..

 

نشأة وتطور هذه الشراكة

 

تعود أولى الاتفاقيات بين الطرفين إلى ستينيات القرن العشرين، أي بعد سنوات قليلة من استقلال تونس (1956) وتَكوّن المجموعة الاقتصادية الأوروبية (1957). تطوّرت العلاقة

من عقود تجارية محدودة إلى اتفاقيات تعاون، ثم إلى اتفاق شراكة وتبادل حرّ، وصولاً إلى مرتبة الشريك المميز التي أسندها الاتحاد الأوروبي لتونس سنة 2012. التركيز على المحطات المفصليّة ومضامينها، مع تحليل الظرفية التاريخية التي تتنزل فيها يوفر التوضيح.

 

- اتفاقية الشراكة بين تونس والمجموعة الاقتصادية الأوروبية 1969

 

وُقّعت هذه الشراكة من أجل إنشاء منطقة تبادل حرّ بين الطرفين، لكنها في حقيقة الأمر وسّعت الاتفاق الثنائي القائم بين تونس وفرنسا ليشمل بضعة بلدان أوروبية أخرى. كان الاتفاق تجارياً ومحدوداً، ونصّ على تمكين تونس من معاملة تفضيلية وتخفيضات جمركية على بعض السلع التي تصدّرها للدول الأوروبية، مقابل تمتّع هذه الأخيرة بامتيازات مبدأ "الدولة الأعلى أفضلية".
جاءت هذه الاتفاقية في السنة نفسها التي قرّرت فيها تونس التخلّي عن نمط انتاج شبه اشتراكي، يقوم أساساً على دور الدولة والتعاضديات الفلاحية والحرفية والتجارية. وكان الجانب الأوروبي يؤكد أن هذه الاتفاقية تهدف أساساً إلى مساندة تونس المستقلّة حديثاً، ومساعدتها على النهوض اقتصادياً واجتماعياً. لكن يجب ألاّ ننسى أنها أتت في أوج الحرب الباردة والاستقطاب ما بين المعسكر الغربي الرأسمالي والشرقي الاشتراكي.

 

- اتفاقية التعاون بين المجموعة الاقتصادية الأوروبية وتونس سنة 1976

 

مثلّت هذه الاتفاقية تطوراً حقيقياً في العلاقة بين الطرفين. فقد اتسعت لتشمل، فضلاً عن التجارة، جوانب اقتصادية أخرى، مالية وصناعية وتقنية واجتماعية. دعم هذا الاتفاق الامتيازات التي يتمتّع بها كلا الطرفين، خصوصاً تونس التي أصبحت تتمتع بتخفيضات جمركية تتراوح قيمتها ما بين 20 و100 في المئة، وتشمل 80 في المئة من منتوجاتها الفلاّحية (الزراعية) المصدّرة إلى أوروبا.
رسخت اتفاقية التعاون أوروبا شريكاً أولاً للاقتصاد التونسي. وسلكت تونس منذ سنة 1970 نمطاً اقتصادياً ليبرالياً قائماً على تشجيع الاستثمار الخاص، المحلي والأجنبي خصوصاً، وتدعيم إنتاج المواد الفلاّحية والمعمليّة الخفيفة الموجَّهة للتصدير، والسياحة الرخيصة الموجّهة أساساً للأوروبيين.

 

- اتفاقية الشراكة والتبادل الحرّ بين تونس والاتحاد الأوروبي سنة 1995

 

تعتبر إلى اليوم المحطّة الأهم في تاريخ العلاقات الاقتصادية بين الطرفين. وتندرج ضمن مسار الشراكة الأورومتوسطية. فبعد نهاية المدة الزمنية لاتفاقية سنة 1976 وملاحقها، وتطبيقاً لمبادئ اتفاقية "GATT" المتعلقة بالتعريفة الجمركية والتبادل الحرّ، قرّر الطرفان التفاوض حول الشكل الجديد للشراكة الاقتصادية بينهما.
تم توقيع الاتفاقية في تموز/ يوليو 1995، ودخلت حيّز التنفيذ في كانون الثاني/ يناير 1998. ركّزت الاتفاقية على تحرير المنتجات الصناعية والمعملية، في حين أجلت التفاوض حول تحرير السلع الفلاّحية والطاقية والخدمات والصفقات العمومية. في 2008، صارت منطقة التبادل الحرّ واقعاً، وبدأ التحرير الشامل للسلع الصناعية والمعملية وإعفائها من الرسوم الجمركية.

 

المراهنة على الاستثمارات الأوروبية، وعلى الإنتاج المعدّ للتصدير إلى أوروبا، صنعت اقتصاداً هشاً ومكبّلاً، كما أنها عمّقت الاختلالات التنموية بين مختلف المناطق التونسية.

 

ولدت هذه الاتفاقية الجديدة في مناخ تغييرات مهمة في العالم وأوروبا وتونس. فهي تأتي مباشرة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وبداية عصر الهيمنة الأميركية والنيوليبرالية. وفي أوروبا، تزامنت مع ظهور الصيغة الجديدة للاتحاد الأوروبي سنة 1993، بدول أكثر ومؤسسات مختلفة. أما في تونس، فأتت بعد سنوات قليلة من انقلاب زين العابدين بن علي على الحبيب بورقيبة، وانضمام تونس لمنظمة التجارة العالميّة (1994)، وتبنّيها "إصلاحات هيكلية" نيوليبرالية فرضها صندوق النقد الدولي.

 

- حصول تونس على مرتبة الشريك المميز للاتحاد الأوروبي سنة 2012

 

هذه "الجائزة" استحقتها تونس - حسب المسؤولين الأوروبيين - نظراً للتغيّرات السياسية الكبرى التي شهدتها في كانون الثاني/ يناير 2011، ودخولها في مسار الانتقال الديمقراطي وبناء دولة القانون، وإحداث آليات الحوكمة الرشيدة. يعني أن تونس أصبحت "تتقاسم" القيم نفسها مع أوروبا، مما يستوجب توفير دعم مالي وسياسي لها حتى تمضي قدما. لم تأتِ الاتفاقية بمضامين جديدة على مستوى الرؤية لأشكال الشراكة الاقتصادية، لكنها خصّصت عدّة مساعدات ومنح لتطوير الاقتصاد التونسي وملائمته مع المواصفات والمتطلبات الأوروبية. تزامن هذا التطور في العلاقات مع صعود الإسلاميين للحكم في تونس، وإظهارهم لمشاعر الودّ نحو تركيا ودول خليجية. وفي ليبيا المجاورة سقط نظام معمر القذافي ومعه أجهزة الدولة، مما جعل البلاد مرتعاً للمقاتلين السلفيين ومعبرا للمهاجرين غير النظاميين.

 

هوامش على دفتر الشراكة

 

- الاتحاد الأوروبي هو اليوم الشريك الاقتصادي الأول لتونس. فهو يتحكّم بأكثر من 60 في المئة من حجم المبادلات التونسية. في سنة 2015 مثلاً، استأثرت أوروبا بـ74.5 في المئة من مجموع الصادرات التونسية و55.7 في المئة من مجموع الواردات (مع فروقات كبيرة في قيمة وجودة السلع المتبادلة). عدد المؤسسات الأوروبية في تونس يتجاوز 3 آلاف مؤسسة، تشغِّل قرابة 300 ألف تونسي، وتمثّل أكثر من نصف الاستثمارات الأجنبية المباشرة. كان من الطبيعي أن ينتج عن هذا الارتباط الكامل للاقتصاد التونسي بالسوق الأوروبية تبعيّة سياسية تجعل المسؤولين ورجال الأعمال التونسيين يتزلفون لأوروبا لتجزل العطاء، وحتى يتجنّبوا غضبها واستتباعاته الاقتصادية.
- الشراكة بين الطرفين، وعلى الرغم من الشعارات الرنّانة حول التعاون بين ضفتي المتوسط، تبدو غير منطقية ولا عادلة. فمن جهة، دولة صغيرة باقتصاد محدود وضعيف التنافسية، ومن جهة أخرى تجمّع لدول عظمى واقتصادات ضخمة ومتطورة. وأغلب ما تنتجه تونس مواد فلاحية، وبعض المواد الصناعية ذات الجودة المنخفضة، في حين تنتج أوروبا تقريباً كلّ شيء وبمواصفات عالية تصعب منافستها.

 

الشراكة شبه الحصريّة جعلت تونس تدير ظهرها لعمقها الافريقي والمغاربي العربي، وتترفّع عن الشراكات مع دول الجنوب و"العالم الثالث" عموماً، كما أنها حرمتها من تكوين "سلّة شركاء" تمكّنها من الحصول على عروض أفضل..

 

- هذه الشراكة شبه الحصريّة جعلت تونس تدير ظهرها لعمقها الافريقي والمغاربي العربي، وتترفّع عن الشراكات مع دول الجنوب و"العالم الثالث" عموماً. كما أنها حرمتها من تكوين "سلّة شركاء" تمكّنها من الحصول على عروض أفضل، وتحريك المنافسة لتحسين شروط التفاوض.
- الشركات المصدّرة كلياً، والمملوكة أغلبها لأوروبيين، لا تتمتع فقط بالتسهيلات الجمركية والضريبية، بل تستنزف احتياطي البلاد من العملة الصعبة. فهي تتمتع بحق تحويل أرباحها في تونس إلى الخارج بالعملات الأجنبية. في حين لا يتمتع المواطن العادي الراغب في السفر للخارج إلا بمنحة سياحية محدودة جداً، وما انفكت قيمتها تتراجع بحكم تدهور الدينار التونسي في سوق الصرف. كما أنه يعجز على شراء سلعة مادية أو رقمية رخيصة على الانترنت، بالعملة الصعبة، لأن ذلك يمثل خطراً على التوازنات المالية للدولة التونسية!
- المراهنة على الاستثمارات الأوروبية، وعلى الإنتاج المعدّ للتصدير إلى أوروبا، صنعت اقتصاداً هشاً ومكبلاً، كما أنها عمّقت الاختلالات التنموية بين مختلف المناطق التونسية. فمن الطبيعي أن يختار المستثمر الأجنبي المدن التي تتمتع بأفضل البنى التحتية، والتي تتوفّر على شبكات نقل معقولة، خصوصاً تلك التي تكون قريبة من الموانئ والمطارات. لذا تركّزت أغلب المصانع والورش في المناطق الساحلية، مقابل عزلة شبه كاملة للمناطق الداخليّة المهمّشة أصلاً.
- تزامنت مراحل الشراكة مع متغيّرات سياسية واقتصادية مهمّة في تونس والعالم. وكأن كلّ تطوير للعلاقة كان مجرد إعادة احتواء وتطويع لتونس، وترسيخ دورها كإحدى الحدائق الخلفيّة لأوروبا.


إقرأ أيضاً: تونس وصندوق النقد.. الطريق لتفكيك دولة الرعاية الاجتماعية


- الشراكة قائمة على التبادل الحرّ للسلع لا البشر. فإلى اليوم يدخل الأوروبيون تونس من دون تأشيرة، في حين يتوجّب على التونسيين أن يكونوا مشهورين أو مقتدرين مالياً، أو عباقرة، أو متزوّجين بسيدات أوروبيات (غالباً متقدمات في السن)، حتى يتحصّلوا على تأشيرة دخول فضاء "شنغن"، بعد إجراءات معقّدة، وأحياناً مذلة. ولا تكتفي أوروبا بغلق الأبواب أمام مواطني دولة بمرتبة شريك مميّز، بل أنها تطلب من السلطات التونسية أن تعمل كخفر سواحل لأوروبا لتحمي القارة العجوز من تدفق المهاجرين واللاجئين الأفارقة والعرب.
- اتفاقية الشراكة التي وقعت سنة 1995 نصت في بابها الأول على احترام مبادئ الديمقراطية والشفافية والحوكمة الرشيدة. لكن كلّ هذه كانت مجرد شعارات. فقد كانت أوروبا تشيد ب"المعجزة الاقتصادية التونسية"، وكانت تستقبل الجنرال بن علي بكل ترحيب، وتفرش له السجّاد الأحمر، رغم أنه يترأس نظام ديكتاتوري بوليسي، ويتحكم مع عائلته وأصهاره في اقتصاد "مافيوزي". ويتذكر الجميع كيف كانت وزيرة الدفاع الفرنسية سترسل قنابل مسيلة للدموع إلى تونس يوم "14 يناير 2011"، ساعات قبل خروج بن علي من الحكم.

 

القادم أخطر؟

 

من عجائب هذه الشراكة أنه كلما حظيت تونس بمكانة أرفع لدى الاتحاد الأوروبي، كلما تدهورت مكاسبها من الاتفاقيات المبرمة. مشروع اتفاق التبادل الحرّ الشامل والمعمّق، أو  ALECA الذي بدأ التونسيون والأوروبيون في التفاوض حوله في نيسان/ ابريل 2016، هو خير دليل على ذلك. اتفاقية الشراكة والتبادل الحرّ التي أبرمت سنة 1995، والتي لم تشمل إلاّ السلع الصناعية لم تعد تشبع شهيّة الأوروبيين المفتوحة، فهم يريدون كلّ شيء. يشمل مشروع الاتفاق كلّ المجالات الاقتصادية تقريباً: تجارة الخدمات، الاستثمار وحماية الاستثمار، تجارة المنتوجات الفلاحية والفلاحة المصنعة والصيد البحري، الصفقات العمومية، الإجراءات الصحيّة والصحة النباتية، شفافية التشريعات، سياسة المنافسة، الحواجز الفنيّة للتجارة، حقوق الملكية الفكرية، إجراءات الدفاع التجاري، التنمية المستدامة، الجوانب التجارية المتعلقة بالطاقة.


إقرأ أيضاً: الاحتجاجات الاجتماعية في تونس.. "حركة بلا بركة"؟


تم الإعلان رسمياً عن انطلاق مفاوضات المشروع الجديد في تونس في تشرين الأول/ أكتوبر 2015 من قبل المفوضة الأوروبية سيسيليا مالموستروم. ويضع الأوروبيون الاتفاق في مسار تطوّر العلاقة التاريخية بين الطرفين، ويقدمونه كنتيجة طبيعية لنيل تونس رتبة "الشريك المميز" (ومعناها: التلميذ النجيب أو التابع المطيع). كما يعدون باحترام سيادة تونس ومصالحها والمساهمة في ازدهارها، والترفيع في تنافسية منتجاتها.
لكن تطبيق الشروط الأوروبية يعني بكل بساطة توجيه الضربة القاضية للاقتصاد التونسي وللسيادة الوطنية. كيف سينافس اقتصاد هشّ ومختنِق اقتصاديات 27 دولة متحدة تعتبر من أكثر مناطق العالم ثراء وتصنيعاً وجودة في الانتاج؟ كيف سيقاوم المستهلك التونسي تدفّق السلع الأوروبية المحررة مع ضعف ثقته في المنتوج المحلي وافتتانه بكل ما هو أوروبي؟
عمليا، وإذا ما تمت المصادقة على الاتفاق الجديد، فإن الاتحاد الاوروبي سيسيطر كلياً على الاقتصاد التونسي. ليس الفلاحون والحرفيون والصناعيون ومقدمو الخدمات هم فقط المهددين، بل مئات الآلاف من العمال والكوادر التونسيين الذين قد يجدون أنفسهم من دون عمل، نظراً لإفلاس مشغّليهم بحكم المنافسة الأوروبية. الدولة التونسية أيضاً ستتكبد خسائر كبرى، فمن جهة ستتراجع مداخيلها من التعرفة الجمركية التي كانت تفرضها على أغلب السلع، ومن جهة أخرى لن تتمكن من منح الأفضلية للشركات والسلع التونسية فيما يتعلق بالمشتريات والصفقات العمومية.



المصيبة أن المفاوضات تتقدم بسرعة، ومن المنتظر أن تفضي في غضون سنوات قليلة إلى اتفاق رسمي، وسط صمت إعلامي مريب ولا مبالاة تامة. الائتلاف الحاكم حالياً من أنصار النيوليبرالية، ولم يُعرف عنه ولعه الشديد بالسيادة الوطنية. المعارضة في تونس ضعيفة وشبه مشتتة، كما يبدو أنها لا تبالي بالأمر، إما استرضاءً للأوروبيين أو لعدم إدراكها خطورة الاتفاق. منظمات المجتمع المدني لا تهتم عادة بهذه الامور "الثانوية"، كما أن جزءاً كبيراً منها يتلقّى تمويلاً سخياً من مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والكل يعلم أنه متى أطعِم الفم تستحي العين. تجمعات رجال الأعمال والفلاحين التونسيين لم تصدر بعد مواقف واضحة من الاتفاق.
فقط بعض الخبراء والاقتصاديين والناشطين والمدونين يطلقون الإنذار.. ولا يعرفون لمن تُقرع الأجراس.