تنعكس تركيبة الدولة السعودية الأبوية التي تمزج بين الريع الاقتصادي والغطاء الديني والحرص على صون وتأبيد البنية القبلية على وضع المرأة في المملكة. فالسعوديات يعشن وضعاً مأساوياً وإن بنسب متفاوتة بحسب أعراف وخصوصيات دينية ومناطقية.
ومع نمو التحركات الاجتماعية في المجال العربي، ارتفعت الأصوات النسائية المطالبة بالتغيير كاشفة عما يمكن تسميته بوعي نسوي أنشأ موجة من الحراك تصاعدت في السنوات القليلة الماضية.
وقد تزايدت حملات المطالبة المختلفة للنساء السعوديات، وأكثرها شهرة اعلامياً هي الحق في قيادة السيارة، ولكنها تشمل قضايا أخرى منها مسألة الولاية والوصاية على النساء، والحق في العمل، والمطالبة ب"التمكين" السياسي عبر اباحة المشاركة في الانتخابات تصويتاً وترشحاً وتولياً للمناصب  الخ.. وكان هناك بالطبع تأثير للانفتاح الواسع والمفاجئ الذي نجم عن ثورة وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي، فتعرض المجتمع لثقافة جديدة وافدة عليه، ما أنتج صدمة وتناقضاً مع الطبيعة المحافظة المغلقة المفروضة التي عاش المجتمع تحت وطأتها، وخصوصا الأجيال التي عاصرت ما يسمى بـ"الصحوة" وارتداداتها منذ الثمانينيات.
ولكن انعدام وجود مجال عام خارج إطار سيطرة السلطة الدينية المُمكّنة من أجهزة الدولة لعقود جعل حتمياً أن يكون  اي فكر حداثي صاعد في المجال العام السعودي ليبرالي

بالضرورة ومفصل وفق ما اشاعته العولمة وشكلته، وهي التي شُرعت لها الأبواب.
ولا تشكل الحركة النسوية كحركة حداثية في المملكة بشكل عام حالة شاذة عن هذا الواقع، بل بالعكس. فقد تلبست لبوس الحركة النسوية الليبرالية الغربية بحذافيرها وتشوهاتها ومشكلاتها، بل هي نشرت تصورات مُعلبة (ومغلوطة) عن الحالة التي تعيشها المجتمعات الغربية وخصوصا الولايات المتحدة، وهي في هذا المجال الاكثر حضوراً دعاوياً وثقافياً في المملكة.


إقرأ أيضاً: كيف تكون النسوية تفكيراً بفلسطين التي نريد؟


هذه التصورات والتنميطات المبسطة ساهمت في تقوقع الفكر النسوي للكثيرات والكثيرين، ومنه التسليم بخصوصية عربية أو إسلامية جوهرانية تفسر قهر المرأة والانتقاص منها، وقد تمّ عزل المشكلة داخل هذا الاطار الثقافي المعين في مقابل تنميط ثقافي مبسط آخر عن وردية المجتمعات الغربية ككتلة نقية من الليبرالية التي تنعم بها النساء ومن انعدام السطوة الذكورية.
 إن عدم رؤية التسلط الذكوري كخاصية لليمين المحافظ الرجعي على اختلاف الجغرافيا، وعدم اعتبار أن حمل راية هذا التسلط من قبل الحركات الاسلامية في الوطن العربي انما هو من "طبيعة الحال" اليمينة الرجعية ذاتها، قد ساهم في تعزيز الاستشراق الذاتي والتبرؤ من الهوية والتاريخ ورؤيتهما كعبء لتراث تسلطي ذكوري وخصوصية تاريخية للعرب دون باقي الأمم..
كما أن الارتباط التكويني بالنسوية الغربية عنى بالضرورة ان شكل الحركة النسوية في المملكة يتبنى تصورات نسوية منفصلة عن سياقها الطبيعي وعن  الإرث التاريخي للحركة النسوية في الوطن العربي والعالم الثالث ككل مع ما يحمله من قيم تقدمية.


انعدام وجود مجال عام خارج إطار سيطرة السلطة الدينية المُمكّنة من أجهزة الدولة لعقود جعل حتمياً أن يكون  اي فكر حداثي صاعد في المجال العام السعودي ليبرالي بالضرورة ومفصل وفق ما اشاعته العولمة وشكلته، وهي التي شُرعت لها الأبواب..


فالتصور (الغربي) الطاغي لدى الحركة النسوية في المملكة يعرف المشكل عبر التصادم مع الرجل كفرد أو الرجال كجنس، وليس برد الواقع الى البنية الذكورية وكيفية مأسستها في اجهزة بيروقراطية داخل دولة "مدعومة من الغرب". ويعمل هذا التصور على حرف التوجه النسوي من المواجهة مع هذه البنية الى الاحتفاء بخطوات تحسين وضع المرأة  ــ وخصوصاً مع "الوعود الاصلاحية الجديدة" ــ من دون الانتباه الى أن هذا التحسين سيكون خاضعاً لشروط عدة وعلى رأسها الحفاظ على كل من البنية البطركية والنمط الاستهلاكي في العيش.
حركة نسوية ترى في شخص كهيلاري كلنتون القدوة والأمل تؤدي الى ارتدادات سلبية خطيرة، وتعزز تحويل صراع النساء من تحرر وانعتاق الى مسألة البحث عن مشاركة أكبر في داخل اطار البنية القائمة نفسها وهي في جوهرها وطبيعتها معادية للمرأة (أو كما يقول الصحافي الاسترالي المخضرم جون بيلغر: "في الأخير لا يهتم أولئك الذين يتحكمون بحياتنا بالجنس الذي ننتمي اليه بل بالطبقة التي نخدمها".



السردية الليبرالية المتغلغلة في أذهان بعض النسويات السعوديات (وخصوصاً المتغربنات منهن) مهدت الطريق لارتفاع اصوات كثيرة من بينهن تدعو الى الاصطفاف مع المواقف السياسية الغربية حول العالم والتأثر بدعايته وصولاً الى المجاهرة بدعم الكيان الصهيوني ك"كيان متنور في محيط ظلامي"، بالإضافة الى المناشدات والمطالبات بالتدخلات الغربية تحت عناوين التحرر والانعتاق و الانقاذ من الرجل العربي المستعر والمجنون.
إلا أنه بدأ يظهر أن الكثير من النسويات السعوديات قد تجاوزن مرحلة الاستلاب تلك للغرب نحو نقدها وبناء حالة اكثر تحرراً واستقلالية، منطلقات من جذور وواقع محلي عربي.