يحج إلى مدينة الصويرة في كل عام، وهي القابعة بهدوء في شبه جزيرة مُطلة على المحيط الأطلسي جنوب المغرب، آلاف الزوار من عشاق موسيقى "كناوة". يأتون من المغرب ومن أوروبا أيضاً وأميركا، لحضور المهرجان الخاص بهذا النوع من الموسيقى التي استطاعت أن تجد لها مكانةً داخل قلوب محبي الموسيقى من أماكن مختلفة، خاصة وأن نغماتها قريبة من نغمات موسيقى الجاز والبلوز.
تعود أصول موسيقى "كناوة" إلى مئات السنين، وتحديداً إلى القرن السادس عشر. بدأت مع انتعاش تجارة الرقيق، حين وصل إلى المغرب بعض ساكنة "غينيا" ممّن تم استقدامهم للعمل كعبيد. حملوا معهم تراثهم الثقافي والفني واندمجوا في المجتمع المغربي، خاصة في مدينة الصويرة (إقرأ أيضاً: صويرة المغرب.. سحر "موغادور") التي كان يتوفر فيها ميناء بحري. وقد شكّل الأخير نقطة مهمة للتبادل التجاري مع أوروبا وإفريقيا.
ظلت مدينة الصويرة بمثابة المقام الروحي لطائفة "كناوة"، على الرغم من تواجدهم في مدن أخرى كمراكش والرباط ومكناس.. يعود ذلك بالأساس إلى وجود ضريح الولي"سيدي بلال"، الأب الروحي والمزار الأول والرسمي لكناوة، الذي يقام في داخله المولد أو الموسم السنوي للطائفة.


إضافة إلى قرب نغماتها إلى حد كبير من موسيقى الجاز والبلوز، فإن ما يمنح موسيقى كناوة نمطاً خاصاً بها هو أنه يتم اللجوء إليها بحثاً عن الشفاء من المسّ والأمراض النفسية.


يُضفي هذا الانتساب إلى ضريح "سيدي بلال" نوعاً من الشرعية الدينية على طائفة "كناوة"، كونه يعبّر عن الانتماء الروحي إلى مؤذن النبي محمد، والذي كان أسود البشرة، وعانى أيضاً من العبودية بكل آلامها ومآسيها.
يجتمع مريدو "كناوة" كل سنة في العشرين من شهر شعبان عند ضريح "سيدي بلال" للإحتفال بطقوس خاصة، ولتخريج أفواج جديدة من رؤساء الفرق الكناوية الذي يحمل كلّ منهم لقب "معلم". يُلزَم المعلم بزيارة ضريح الولي الصالح قبل حمله اللقب وتوليه منصب رئاسة فرقة "كناوة"، من أجل التبرّك وتتميماً لطقوس الإنتماء للطائفة الكناوية.  
ما تمتاز به موسيقى "كناوة" هو طابعها الروحاني الذي يمزج بين الموسيقى الإفريقية والمغربية وخاصة منها الأمازيغية. كما تتميز باستخدامها لآلات موسيقية تقليديّة خاصة بها كـ "القراقب"، وهي عبارة عن صفائح معدنية تُصدر صوتاً موسيقياً قوياً، و"الهجهوج" أو القيثارة التقليدية ذات الثلاثة أوتار والمصنوعة من الخشب وجلد الماعز، والطبول. تشترك الفرقة الموسيقية كلها في استخدام احدى هذه الآلات الموسيقية بالإضافة إلى الغناء والرقص بشكل يتطلب لياقة بدنية عالية.  
يرتدي أعضاء فرقة "كناوة" ملابس تقليدية خاصة تتميز بألوان يغلب عليها اللونين الأحمر والأزرق وألوان فاقعة تتناسب والبشرة السمراء للكناويين، ويرتدون قبعات مزينة بأصداف البحر. وعادةً ما يكون لرئيس الفرقة (المعلم) لباس خاص يميزه عن البقية.


إقرأ أيضاً: موسيقى السطمبالي في تونس.. صرخة في وجه الأصفاد وسياط الجلّاد


تبدأ فرقة كناوة موسيقاها بإيقاعات خفيفة. يشتدّ وقعها تباعاً، مرددةً مدائح دينية أو أدعية (للخلاص، تحسين الحال، الرثاء والحنين)، وهي تعبر عن آلام الأجداد ممن تمّ حملهم قسراً للعمل كعبيد، وهو ما يفسّر طابع الحزن على مستوى الكلمات والألحان المتّسقةً والمعبرة عن معاناة إنسانية متأصلة في القدم.
إضافة إلى قرب نغماتها إلى حد كبير من موسيقى الجاز والبلوز، فإن ما يمنح موسيقى كناوة نمطاً خاصاً بها هو أنه يتم اللجوء إليها بحثاً عن الشفاء من المسّ والأمراض النفسية، خاصة وأن هناك من يرى في كناوة وموسيقاهم وسيلة تواصل مع العالم الآخر، عالم الغيبيات والأرواح والجن، وهذا ما يفسر استخدام كناوة لأسماء تحيل في الموروث الثقافي المغربي إلى ذلك العالم.
فإذا كانت موسيقى كناوة ذات النغمات الحزينة تعبّر عن الاضطهاد الذي عاشه الزنوج الأفارقة، وآلامهم، إلا أن كلماتها تجمع بين الديني المقدّس والمتمثّل في الأذكار والأدعية والصلاة على الرسول محمد، ومناجاة الأرواح الخفيّة التي يُنادى خلال الإيقاعات والرقصات على أسماء ملوك الجان المعروفة في الموروث الشعبي المغربي، كـ"عائشة"، و"ميرا" و"ميمون".. طلباً للتصالح والتسامح ورفع الأذية عن مريدي الطائفة الكناوية ممن يؤمنون بالقدرة الروحانية والعلاجية لذلك.


موسيقى كناوة قوية، ممزوجة بثقل المعتقدات والغيبيات والأساطير، تخلط بين التديّن والروحانيات والتواصل مع العالم الخفيّ، وتُشكّل جزءاً من التديّن الشعبي الذي تلجأ إليه بعض الفئات بحثاً عن السلام الداخلي.


تلعب كناوة إذاً دور الوساطة بين الإنسان العادي وعالم الجان.. ويتم هذا عن طريق تنظيم سهرة تعرف باسم "الليلة" التي تبدأ مع غروب الشمس وتتبع الطقوس الخاصة بها، التي يتمّ خلالها إطلاق البخور واستخدام أقمشة بألوان معينة، وهي الألوان السبعة المقدسة التي تحيل إلى أسماء ملوك الجان. ومع بدء العزف والغناء ومناداة اسم معين، يستجيب المريض لأنغامها بالتفاعل عن طريق "الجدبة"، أي الرقص بحركات قوية وكأنما يحاول أن يتخلص من روح شريرة تسكنه لكي ينتقل إلى عالم روحاني خاص به. بعد ذلك، تتمّ تغطيته باللون الذي يناسب اسم ملك الجان المتغنى به، وغالبا ما يصل إلى درجة فقدان الوعي ليقوم بعدها مرتاحاً نفسيّاً. تختتم الليلة طقوسها الخاصة بتقديم القرابين والأضحية إلى ملوك العالم الآخر.
موسيقى كناوة قوية، ممزوجة بثقل المعتقدات والغيبيات والأساطير، تخلط بين التديّن والروحانيات والتواصل مع العالم الخفيّ. كما تُشكّل جزءاً من التديّن الشعبي الذي تلجأ إليه بعض الفئات بحثاً عن السلام الداخلي، وهذا ما يجعلها موسيقى مميزة تأخذك بسحرها إلى عوالم أخرى لأنها تخاطب الجوانب الروحية في الإنسان وتبحث عن شفاء الروح قبل الجسد.
أمّا "الكناويون" فيعتبرون بأن موسيقاهم تُساهم في نشر قيم التواصل والحب والسلام بين البشر. لاسيّما وأنها تحمل بين نغماتها وكلماتها تعبيراً عن أقسى درجات المعاناة الإنسانية والحنين إلى الأرض، وأنين المضطهدين الأفارقة وما عانوه من تهجير واستعباد. وهذا ما يظهر بوضوح في الايقاع والكلمات والطقوس، التي تمكنت من أن تكتسب شهرة عالمية.