تسجل الجزائر منذ بضعة أشهر نوبات هيجان عنصري تجاه اللاجئين القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء. أفعال تصحبها تصريحات لبعض المسؤولين وشخصيات سياسية، يعبرون عن مواقفهم  في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. الهدف المعلن لهذه الهجمات هو طرد مجموعات بشرية يعتبرونها غير ذات فائدة وحاملة للأمراض ومصدر لتجارة المخدرات والإجرام. تصريحات مثل هذه ليست بريئة، خصوصاً عندما تصدر عن وزراء وموظفين كبار. هي اعتراف بخضوع السياسة الهِجْرية لإملاءات الاتحاد الأوروبي.
ليست الاجراءات التي تم الإعلان عنها مؤخراً ــ سواء فيما يتعلق بتعداد المهاجرين أو بإصدار قانون لجوء ــ تعبيراً عن قرارات سيادية للحكومة الجزائرية، بل هي مستمدة من كاتالوغ/ دليل الاجراءات المفروضة من طرف أوروبا.

 

صناعة مشكلة

 

يتفق الجزائريون والأوروبيون في التشديد على عرقلة قدوم المهاجرين ويعتبرون ذلك مهمة داهمة. إلا أن عدد هؤلاء الأشخاص منخفض  نسبياً مقارنة بمساحة  البلاد وعدد سكانها. تتحدث الأرقام الرسمية عن 25 ألف مهاجر، لكن العدد الحقيقي قد يصل الى  مئة ألف شخص(1). وهذه اليد العاملة التي يتم استغلالها مقابل أجور زهيدة، لا يمكن الاستغناء عنها في عدة قطاعات كالبناء والزراعة.
اذا ما كانت السلطات في الماضي تعالج مسألة الهجرة بمزيج من الحزم والتساهل، فإن الضغوط الأوروبية بالإضافة للأزمة الاقتصادية تبدو وكأنها تبرر تشدداً يترجَم  في مداهمات بوليسية وعمليات طرد عنيفة كتلك التي حدثت في كانون الأول/ ديسمبر 2016(2). بموازاة ذلك، هناك تسامح مع خطاب اكثر فأكثر عدوانية ازاء تواجد القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء، هذا إن لم يصدر عن المسؤولين. ما لا يمنع هؤلاء المسؤولين أنفسهم من التعبير عن انتقادات شرعية  للسياسة الهجْرية الأوروبية، مع اظهار تضامنهم الكلامي مع المهاجرين القادمين من افريقيا جنوب الصحراء. لكن الأمر هنا يتعلق بمجرد مواقف هدفها التغطية على سياسة ما انفكت تزداد قمعاً. وهكذا مثلاً، تمّ توقيع اتفاقات ترحيل مواطنين مع النيجر في كانون الأول/ ديسمبر 2014 . وهذا البلد يصدر أيضا تصريحات مؤقتة لدخول مواطني عدة جنسيات افريقية تمّ طردهم من الجزائر.


من جملة 65 مليون مهاجر سنة  2015 ــ بمن فيهم 21 مليون لاجئ ــ فهناك فقط قرابة المليون شخص وصلوا الى "القارة العجوز".


الجزائر اذاً هي، موضوعياً،  بعيدة عن أن تكون مهددة بحركة هجرية منفلتة. ويمكن، بدون القيود التي تفرضها السياسات، ومع إرادة احتضان حقيقية، ألا تُطرح مسألة المهاجرين بمثل هذه الحدّة. الوضعية التي خلقتها هذه التصريحات العنصرية والتخويفية تمثل البعد الواضح والمعلن  لسياسة وقاية من مشكل لم يطرح الى حد الآن في شكل هجرات جماعية أو كحالة استعجالية. في الواقع يستبق الأوروبيون تطور مسارات الهجرة. هم يخشون أن يؤدي تدهور امكانات العبور من ليبيا  الى تغير مسار الهجرة الى الشمال ومروره ببلدان أخرى من بينها الجزائر.

 

ما بين عنصرية الدولة ووعود الاستقبال

 

تشتعل شبكات  التواصل الاجتماعي الجزائرية بشكل متواتر، وتهاجم  بحدة  تواجد  المهاجرين واللاجئين أبناء افريقيا جنوب الصحراء. يُنعَت هؤلاء بكل الأوصاف المسيئة ويتمّ تحميلهم  مسؤولية كل المشاكل،  مثلما حدث خلال حملة عنصرية جديدة في منتصف حزيران/ يونيو 2017 بلغت القمة في الشراسة(3). هذه الهجمات الافتراضية تترافق أيضاً مع اعتداءات لفظية مباشرة يمكن ان تتطور أحيانا إلى مواجهات(4). على الرغم من كل شيء، يجب الإشارة الى كون الكثير من المواطنين الغاضبين يتحركون للتعبير عن تضامنهم ولفضح هذه التصرفات في بلد عانى هو الآخر من العنصرية ويفتخر بإرثه في دعم حركات التحرر الوطني. لكن كيف يمكن أن نستغرب هذه النوبات العنصرية عندما نجد شخصيات عامة كفاروق قسنطيني - الرئيس السابق للمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان - يصرح بأن الجزائريين "معرضون لخطر انتشار السيدا بالإضافة الى أمراض اخرى منقولة جنسياً بسبب تواجد هؤلاء المهاجرين"(5) ويطالب بطردهم؟


إقرأ أيضاً: "القلعة" أوروبا تبدأ في شمال أفريقيا


هناك مسؤولون سياسيون آخرون أدلوا أيضاً  بتصريحات عدائية  تجاه القادمين من افريقيا جنوب الصحراء.. كأحمد أويحيى - رئيس حزب سياسي والذي أصبح الوزير الأول منذ ايام- الذي يتميز بتطرفه. يُعبّر أويحيى بصفته ناطق رسمي مأذون عن موقف "صنّاع القرار" في قمة السلطة. أقواله هي جوهر رسالة وحيدة للحكومة: صفر تسامح مع الأشخاص الموجودين في وضعية غير قانونية. الرسالة هنا أكثر وضوحاً ومباشرة من تلك التي أوحى به (من كان) الوزير الأول عبد المجيد تبون، عندما أكد في 23 حزيران/يونيو "ان بطاقة إقامة ستمنح لكل لاجئ يكون وجوده في الجزائر مقبولاً مما يمكِّنه من أن يشتغل. اما الذين لن يتم اعتبارهم كلاجئين فسيتم ارجاعهم الى بلدانهم في ظروف مقبولة"(6). الشكل أقل حدّة لكنه لا يختلف بصفة جوهرية عن خطاب أحمد أويحيى: يريد الرجلان التخلص من أكبر عدد ممكن من المهاجرين.

 

سياسة أوروبية أكثر فأكثر قهرية..

 

على كلٍ، يجب تنسيب تأثير الهجرة للاتحاد الأوروبي لأن من جملة 65 مليون مهاجر سنة 2015ــ بمن فيهم 21 مليون لاجئ ــ فهناك فقط قرابة المليون شخص وصلوا الى "القارة العجوز". لكن أوروبا تستبق التدفقات الأكبر حجماً وتضع استراتيجية هدفها الحد قدر الإمكان من دخول اللاجئين إلى أراضيها. يتعلق الأمر أولاً بتثبيت هذه الجماعات المتحركة في بلدان تعتبر تقليدياً أراضي عبور كالجزائر مثلاً. هذا مع تلزيم  مراقبة الحدود  لجنوب المتوسط . مثلا توكل لدول المغرب العربي و الساحل  مهمة مراقبة حدود منطقة الساحل.


أدمجت  الجزائر خلال المفاوضات النظم  التي وضعها الاتحاد الأوروبي عبر اعتمادها منظومات لم تكن موجودة سابقاً في مدونتها القانونية بهدف تنظيم وجود المهاجرين واللاجئين في البلاد بالإضافة لتأمين مراقبة حدود أوروبا الخارجية.


بدأ كل شيء بالنسبة للجزائر مع دخول اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ سنة 2005، خصوصا الفصل 84 المتعلق بمكافحة الهجرة غير النظامية الذي كرس "اعادة قبول مواطني دول أخرى القادمين مباشرة من أراضي أحد طرفي الاتفاق"(7). توجد اليوم اتفاقات إعادة قبول مع كل من فرنسا وألمانيا واسبانيا وايطاليا والمملكة المتحدة(8). زادت حدة الضغوط على البلاد بشكل ملحوظ  منذ ان استصدر الجاران المغربي والتونسي في 2003 و2004 قوانيناً تنظِّم دخول وإقامة الأجانب.

 

...مع انعكاسات وخيمة بالنسبة للاجئين

 

تميزت سنة 2017 بعدة لقاءات بين مسؤولين من الجزائر والاتحاد الأوروبي. أفضت هذه اللقاءات خصوصا الى تبني أولويات الشراكة الأوروبية - الجزائرية في شهر اذار/مارس 2017، وذلك في  إطار "سياسة الجوار الأوروبية" التي تمت مراجعتها بالنسبة للفترة 2016 ــ 2020.
أدمجت  الجزائر خلال المفاوضات النظم  التي وضعها الاتحاد الأوروبي عبر اعتماد منظومات  لم تكن موجودة سابقاً في مدونتها القانونية بهدف تنظيم وجود المهاجرين واللاجئين في البلاد بالإضافة لتأمين مراقبة حدود أوروبا الخارجية. أصبح الحد من عدد اللاجئين مصحوباً بتأطير أكثر صرامة. هكذا، وبعد وقت قصير من زيارة وزير الخارجية الجزائري عبد القادر مساهل لبروكسل، تمّ الإعلان عن اجراءات مختلفة تصب في اتجاه التوصيات الأوروبية.


إقرأ أيضاً: سياسة الموت.. الهجرات والمتوسط وأوروبا


يتنصل  السياسيون الجزائريون من المسؤولية ويحمّلونها للشعب لكي يبرروا المداهمات البوليسية وعمليات الترحيل العنيفة للمهجرين القادمين من افريقيا جنوب الصحراء. فحسب الأبواق الإعلامية للنظام، لا يتقبل المواطنون الجزائريون وجود المهاجرين القادمين من افريقيا جنوب الصحراء. والحال انه لا يتوجب فقط  على السلطات العمومية أن تستقبل المهاجرين بشكل يحفظ كرامتهم، بل يجب أيضاً أن تكف عن وصمهم. لا يمكن لهذه الانحرافات الديماغوجية أن تخفي حقيقة أن الجزائريين أنفسهم لديهم تاريخ طويل من الهجرة، سواء كان ذلك خلال حرب التحرير أو  زمن "الحرب القذرة" في تسعينيات القرن الماضي.
تتمتع الجزائر ــ بعيداً عن التشنجات الأمنية لأوروبا وأنانيتها العمياء ــ بالإمكانيات اللازمة لتطبيق سياسة مُشرِّفة ازاء جيرانها الجنوبيين طبقاً  لتقاليدها ولروح التضامن الافريقي التي تشكلت خلال تاريخها.

 

ترجمة: محمد رامي عبد المولى

النص مترجم مع بعض الاختصار عن الفرنسية



المصادر

 

1- فاتن حياد، "الجزائر أرض استقرار للمهاجرين". مقال صادر بالفرنسية في جريدة  El Watan الجزائرية بتاريخ 9/9/2016.
2- الجزائر: محنة المهاجرين المبعدين إلى تمانراسات. إذاعة فرنسا الدولية، 9/12/2016.
3- هذه بعض التعليقات التي يتم تشاركها على شبكات التواصل الاجتماعي: "يجب استئصالهم كالجرذان لأنهم يعيشون كالجرذان"، "عودوا الى بلدانكم"، "فلنطردهم كي نحمي أطفالنا وأخواتنا"، "الأولوية للجزائريين، فليرحل الأفارقة"، "انهم يغتصبون وينشرون السيدا في مدننا".. وردت في مقال بالفرنسية للصحافي الجزائري عدلان مادي عنوانه "حملة ضد المهاجرين: هذه العنصرية التي لا تفصح عن نفسها"، صادر في "لوبوان " بتاريخ 26/06/2017.
4- على سبيل المثال انظر مقال بالفرنسية "عنابة: مواجهات بين  مواطنين من افريقيا جنوب الصحراء ومتساكنين من بوخضرة". جريدة Liberté  بتاريخ 29/07/2017.
5- عشيرة معمري (مقال بالفرنسية) : "فاروق قسنطيني يتهم المهاجرين القادمين من افريقيا جنوب الصحراء بنشر السيدا في الجزائر." نشر في TSA Algérie  في 5/12/2016.
6- ر.ن، مقال بالفرنسية "عبد المجيد تبون: سيتم تقنين وجود المهاجرين القادمين من افريقيا جنوب الصحراء  في الجزائر". Le Quotidien d'Oran, 27 juin 2017
7- https://eeas.europa.eu/sites/eeas/files/accord_association_fr.pdf
8- http://www.gisti.org/IMG/pdf/accord_ce-algerie_2002-04-22.pdf