قبل سنوات، كتب الباحث المصري الراحل حسام تمّام (1972-2011) مقالاً بعنوان "أسئلة الزمن السلفي". استهلّ مقاله بالقول بأنّ مؤشر العالم الإسلامي دخل في الزمن السلفي، وبأنّ السلفية هي سيدة الزمن القادم بعد أن صارت الدينامية الأقوى والأكثر قدرة على التأثير في العالم الإسلامي، في ظلّ تعثّر وتراجع مشروعات الإصلاح الأخرى العلمانية والإسلامية، وعلى رأسها مشروع الإخوان المسلمين الذي "أُنهك حدّ الإعياء واستُنزف تاريخيّاً وتفكّكت روايته الكبرى". وأنه بالتزامن مع هذا التعثّر، زادت الطاقة الأيديولوجية للسلفية إلى أقصاها، وبلغت القمة في القدرة على اجتذاب الجماهير والتأثير فيها وتغيير أفكارها وتصوراتها وسلوكياتها، إضافة إلى حشدها وتعبئتها، بل هي اخترقت المنظومة الإخوانية حتى صارت السلفية تيّاراً فاعلاً ومؤثراً داخل الإخوان (لحسام تمام دراسة أخرى بعنوان "تسلّف الإخوان").
ويؤكد تمّام على ضرورة فتح ملف السلفية وإتاحته لنقاش علميّ لاستجلاء الحقائق وتطوير الحالة السلفية نفسها، ضمن السعي إلى استنهاض الإصلاحية الإسلامية بمجملها. ومن هنا يطرح مجموعة من الأسئلة على رموز السلفية والمختصين بها، حول الأفكار الرئيسية للتيار ذي التيارات الفرعية المتعددة، القواسم المشتركة التي تجمع أبناء هذه التيارات، أهم المراجع التاريخية والمعاصرة المعتمَدة

لديهم، كيفيّة تفسير تمدّد الخطاب السلفي في شرائح اجتماعية ظلت بعيدة تقليدياً عن تأثيره، كيف صار الأكثر قدرة على اجتذاب الجماهير، ما موقف السلفية من قضايا المرأة والأقليات والفنون من غناء وموسيقى وتمثيل وغيرها، ما هي علاقة التيارات السلفية بالوهابية التي يُنظَر إليها كمنبع لكل التيارات السلفية التي ترتبط بها فكريا و"مادياً"، ما رؤية التيار السلفي للعالَم وكيف تكوّنت، كيف يتعاطى السلفيون مع المفاهيم الحديثة كالتعددية الدينية والثقافية وقبول الآخر الديني والتعايش والتسامح، موقفهم من الآخر الإسلامي ومن الأنظمة الحاكمة الذي يتراوح بين نقيضين: التحالف معها أو رفضها وتكفيرها...
نستخدم هنا "العنوان التمّامي" على نحو مختلف، من أجل رصد اهتمامات الجمهور السلفي والأفكار التي تسيطر على رموز هذا التيار. هذه هي الأسئلة التي يوجّهها هذا الجمهور لعدد من الشيوخ السلفيين المشهورين عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولاسيّما موقع "آسك" (ask)، وهو أحد المواقع التي ينشط عليها السلفيون، متيحاً للمستخدِم طرح الأسئلة على أبرز هؤلاء الشيوخ وكذلك على المستخدمين الآخرين، وتلقّي اجاباتهم.

 

الأسئلة عامة

 

تتناول الأسئلة مدى واسعاً من الموضوعات، من الجهاد في سوريا وحكم الدعاء على الحاكم الظالم إن كان جائزاً أو هو خروج عليه أو مجرّد بدعة، الخلافات الزوجية ومسؤولية السحر والحسد في وقوعها، اختيار شريك الحياة، حُكم متابعة مباريات كرة القدم أو مسلسل تاريخي ما، لبس "الصندل" للبنت أو الخاتم الفضّة للرجل، ممارسة المرأة للرياضة خارج بيتها (في أماكن مخصصة للنساء)، هل يُحاسَب الشخص على وعود وحِلفان عبر تطبيق الـ"واتس آب"، كونه كتبها ولم ينطقها، حكم إضافة بنات على "فيسبوك"، "حتى لو مش بكلّمهم"، جواز الضغط على "لايك" التي تحمل قلباً على "فيسبوك" إذا كان كاتب المنشور من جنس آخر، هل الدباديب حرام، ما هو حكم الذهاب إلى القرية الفرعونية، قراءة رواية "أولاد حارتنا" وتهنئة شخص بعيد ميلاده أو رسم الطبيعة الحيّة لطالبة فنون تطبيقية، طلب دعاء الشيخ أو ترشيحه كتباً للقراءة أو لمطاعم في المنصورة، أو طلب رأيه في الالتحاق بدبلوم دراسي أو دورة تعليمية، وصولاً إلى السؤال عن المادة المصنوع منها أكياس الشاي (ظرف الشاي) وهل تُسبّب السرطان إذا تعرضت للمياه المغلية..

 

تعكس الأسئلة خللاً كبيراً في عقليات السائلين والمجيبين، إذ يتناول معظمها أموراً شديدة التفصيل والسطحية، أو هي مما لا ينبغي وضعه أصلاً في دائرة الحلال والحرام.

 

س: أشوف أفلام وثائقية ولا لأ يا شيخ؟ وأسيب اخواتي يشوفوا أفلام الحيوانات والطبيعة دي ولا لأ؟ أفعل ما تقولون يا شيخ إن شاء الله.
ج: أفلام الطبيعة والحيوانات فقط بدون موسيقى، أو مع إغلاق صوت الموسيقى، مُباحة ومفيدة.
س: ما حكم الذهاب للمصايف المشهورة كرأس البر وإسكندرية وغيرها؟ (مجموعة شباب منتظرين الفتوى).
ج: هذا يتوقّف على طبيعة المنكرات فيها ومدى القدرة على الانعزال عنها، ثم طبيعة الأنشطة التي ستفعلونها في المصيف.
س: طبيعة الأنشطة قراءة ومسابقات رياضية وثقافية ونزول للبحر. المكان: رأس البر.. الإنعزال غير ممكن (بلاج والناس كلها قاعدة تحت المظلاّت). حجم المنكرات: مفيش مايوهات طبعاً لكن ممكن يكون فيه تجسيم للعورة بسبب المياه؟
ج: لا يجوز.
تعكس هذه الأسئلة (وهي غيضٌ من فيض) خللاً كبيراً في عقليات السائلين (والمجيبين بالتبعية)، إذ يتناول معظمها أموراً شديدة التفصيل والسطحية، أو هي مما لا ينبغي وضعه أصلاً في دائرة الحلال والحرام. هذه مسائل ينبغي أن يكون القرار فيها نابعاً من ذات الإنسان، أو أن يبحث فيها بنفسه أو أن يلجأ إلى أهل الاختصاص، لا إلى "الشيوخ" الذين يتحول الدين على أيديهم إلى أداة للكبت والقهر، تضييقاً للمجتمع وللعلاقات الاجتماعية واختزالاً لها، مما يوفّر قدرة لهؤلاء الشيوخ على السيطرة على حركتها.
في هذه الحالات، يبدو الدين في أقبح صورة، مفتّتاً ومفرّغاً من مضمونه، إذ يُمسَخ إلى مجموعة من الأحكام الجزئية التي تضع قيوداً على كلّ شيء في حياة الإنسان، ويغادر كونه رؤية عامة للكون والحياة دافعة للتطور والتحرر والسعادة. كما يُنظَر لهؤلاء الشيوخ، الذين لا يُعرَف أصلاً مدى أهليّتهم للتصدر للفتوى الدينية، كخبراء في كل شيء، من الأمور العلمية إلى السياسة الدولية إلى علم النفس والأدب وحتى فنون التجميل!
تسأل إحداهنّ الشيخ: "باحس إنك بتفهم بكل حاجة وحجرب حظي وأسألك عن الرُكَب السود، إزاي نتخلص من السواد ده بأقل من شهر؟". يردّ عليها الشيخ: "لا أحد يفهم في كلّ حاجة"، ولكن هذا طبعاً بعد أن يُجيبها بأنّ "الليمون يجيب نتائج حلوة"!

 

المرأة: جنس أدنى ومصدر الغواية

 

الأسئلة والأجوبة الخاصة بالنساء، وهي كثيرة جداً، تعكس النظرة السلفية للمرأة التي تقوم على فكرتين أساسيتين:
المرأة "درجة ثانية" من البشر، فهي عقليّاً وجسمانيّاً وعلى كل المستويات في منزلة أقل من الرجل.  جنس الرجال أفضل من جنس النساء. لسنا بحاجة إلى استنباط ذلك أو استنتاجه، بل تأتينا الإجابة واضحة وصريحة عبر هذا السؤال: "لماذا كل الأنبياء رجال؟".
يُجيب الشيخ (المنتشي بذكوريّته التي تمنحه أفضلية من دون أن يقوم من مكانه): "لأنّ جنس الرجال خيرٌ من جنس النساء. سهلة. وطبعاً هناك خلاف هل كلّ الأنبياء ذكور أصلاً؟". (لاحظ التناقض في كلامه)، ثم يوضّح: "الرجال أفضل من النساء. الرجل أفضل من المرأة، الذكورة خير من الأنوثة، هذا من حيث الإطلاق، ولا يمنع هذا أن تكون امرأة معيّنة خيراً من ألف رجل أو مليون. فإذا استوى الرجل والمرأة في كلّ شيء، كان الرجل خيراً منها من حيث هو رجل وهي امرأة، وإن فاقته في ميزات كانت خيراً منه. فمثلا: امرأة ذات دين خير من مليار رجل لا دين له، وعلى هذا فقسّ...".
يقول شيخ آخر: "جنس الرجال أعظم أثراً في الأمم وأقدر من النساء على القيام بالمهام التي تُحرّك عجلة التاريخ. فالأنبياء كلهم رجال، وسادات أصحابهم غالبهم رجال، وسادات الأمم كلها يكونون من الرجال أكثر من النساء، فالحكم هنا يتعلق بالقابلية للأفضلية وبالنمط السائد المتحقق في التاريخ".

 

وجهة النظر المختلفة أو أي محاولة تجديدية في الفقه والفكر (وخاصة إذا تعلّقت بالنساء)، هي محل رفض وازدراء. هناك تأويل لمرحلة تاريخية (موهومة) تأسر الفكر السلفي وتجعله يلوي عنق الواقع ليطابقها.

 

لكن هؤلاء، حينما يقنعون النساء بالمكوث في المنزل والاكتفاء بتربية الأطفال إنما يقنعونهنّ بأنّ أعمالهنّ هذه هي أعظم من أيّ عمل، ولا أثر يوازيها في تقدّم المجتمع!
أما الفكرة الثانية التي تسيطر على عقول السلفيين تجاه المرأة فهي إنها "عورة". ينبغي تغطيتها "بإحكام"، أن تُحدّد حركاتها وسكناتها، ألاّ تظهر في الشارع أو حتى في الواقع الافتراضي، وتُحبس بين أربعة جدران كي لا "تفتن" الرجال. ما يعني اقصاءها من المجال العام، أو في أحسن الأحوال بأن ينحصر وجودها في أنشطة "نسائية" خاصة. للنساء أحكام خاصة في قضايا وأنشطة عامة لا تقتضي أصلاً التفرقة بين الجنسين، وكثيراً ما تبدأ السائلة سؤالها أو تنهيه بتوضيح أنها "بنت"، كي ينتبه الشيخ قبل أن يفتيها!
س: تطبيق "آسك"، حضرتك شايف أنه مناسب وأفضل أننا نستخدمه وإلّا نسيبه؟ (بنت)".
ج: سيبيه بكل تأكيد، إن الله كره إليكم قيل وقال وكثرة السؤال، اخرجي من "الآسك" وادخلي الجنة دي (مُرفقاً رابطاً لموقع ديني).
... ولكن لماذا إذاً يكون للشيخ حساب على "آسك" ذاك، يُسأل فيه ويجيب، ثم يُفتي للنساء بالابتعاد؟
س: يا شيخ قلبي مع واحدة وعقلي مع أخرى، دلني لمن أتقدم لخطبتها؟
ج: تزوج من تحبها ما دامت الاشتراطات الأساسية موجودة فيها.. وربنا يفتح عليك وبعد فترة تتزوج الأخرى التي معها عقلك. ويفتح علينا وعلى المسلمين يا رب.
في هذا الوقت تستمرّ النساء بإرسال أسئلتهنّ: النقاب الأسود ثوابه أكبر أم الألوان؟ هل لونه مناسب أم لا؟ (مُرفقةً سؤالها بصورة لقماش عباءتها "المشجّر"). هل ينفع ألبس شنطة ظهر فوق الخمار؟ هل يجوز أن تذهب المنتقبة إلى طبيب لعلاج نمش وجهها؟ هل يجوز للمرأة الذهاب إلى طبيب أسنان بعد أن فرض زوجها عليها طبيبات أفسدن أسنانها تماماً، مع العلم أنه كبير بالعمر ومتدين وشاطر؟ لو أنا في محاضرة وضحكت من غير صوت، بس بان على وِجهي الضحك، وفي الوقت نفسه تعاملاتي رسمية بألقاب مع المحاضر، كده فيه حاجة غلط؟ ولو كتبت في ورقة تقييم المحاضر جنب الإيجابيات والسلبيات "سمايل فيس" كده غلط؟ عندي حفلة في الكلية مفيش أي مفاسد ولا اختلاط الحمد لله. بس آخر اليوم بنتجمع وناخد صورة جماعية للدفعة كلها. هل يجوز أتصور معاهم علماً بأني بحجابي الشرعي ومحتشمة الحمد لله؟ (يردّ عليها الشيخ: لا أحب ذلك، لكنه ليس بحرام).
ثم: حكم وضع صورة "السكشن" كلنا فيها بنات كصورة بروفايل؟ (يُجيبها الشيخ الذي يصف نفسه بأنه "حنبلي حتى النخاع"): ما ينفعش صور بنات خالص لا بحجاب ولا بغير حجاب ولا بنقاب حتى، ولا لوحدها ولا مع غيرها.
س: هل يجوز أن أشارك أنا كفتاة في تسجيل الكتب بصوتي مع الالتزام أن يكون المحتوى هادفاً؟ وهل يجوز أن أكسب المال من هذا العمل؟  (يقول لها الشيخ إن المنع أولى لأن المرأة ليست من أهل الجهر).
س: هل يجوز أن أتصوّر أنا وخطيبتي يوم الشبكة وهل يجوز أن أسلم عليها؟ (ردّ الشيخ كان: اتصوروا بعد كتب الكتاب وسلم عليها بعد كتب الكتاب براحتك، قبله لا).
س: معقود عليَّ، وأبي وأمي بيرفضوا أي حاجه بيننا غير الكلام كأننا زي المخطوبين، وهو بيطلب مني حاجات فأحياناً بنتكلم فيديو عالنت، بلبس خفيف وحاجات تانية وبتكلم معاه بحب وحنان ومش بزعله وبعمله حاجات تبسطه بخلاف الإيلاج طبعاً من وراهم، ونيتى إنّي اعفّه وأقربه، هل اؤجر على ده ولاّ حرام عليَّ؟" (ردّ الشيخ: كل ده تمام بس بلاش النت أو أي حاجة يمكن تخزينها).  
س: هل الصور اللي في الكوميكس لسِتْ عجوزة كاشفة شعرها، أجنبية مثلا، أو صورة كوميك فيه صورة بروفايل لواحدة متبرجة، نشر الكوميكس دي محرم حتى لو اللي هيشوف مش بيركز في الحاجات دي لأنه كوميك ولّا حرام النشر؟
ج: لا حرج.
ولكن سائلاً آخر وجد في هذه الاجابة تسيّباً، فأرسل يستنكر: "لا حرج ليه مش ده تبرج، وبيقول لك كوميكس، همبكة يعني مش حاجة ضرورية، فين بقى العذر؟!".
وعمل المرأة إن أجيز يجاز لضرورة، والمرأة صالحة لأعمال معينة  دون أخرى. تسأل فتاة عن رأي الشيخ في وظيفة "مبرمجة" لفتاة. وتسأل أخرى "هل عمل المرأة في الإذاعة والتلفزيون حتى لو في الدعوة وبغاية يكون لها دور في خدمة دينها وتحسين المجتمع حرام؟". يقول لها الشيخ "لا، ما دام بالضوابط الشرعية وبدون ماكياج، وأنا لا أستحبه".
س: تريد أختي أن أخلع النقاب ويريد أبي أن أعمل وكذلك باقي أسرتي، حتى أستطيع التعامل مع من حولي بغير انعزال، وأنا ارفض أن أفعل. أختي عرضت علي عمل بمرتب 2000 جنيه وتلح وأرفض، هل هم على حق؟
 ج: أنتِ على حق ما دمتِ غير محتاجة إلى العمل وأظنك غير محتاجة إليه.. وتستطيعين أن تكوني اجتماعية في محيط النساء دون عمل.
 تسأل شابة: يا شيخ أنا مخطوبة وكده كده هاتجوز وأقعد في البيت، أكمل تعليم وإلا لأ؟
يجيب الشيخ بعد أن يسألها أولاً عن مجال دراستها (اتضح أنها طالبة بكلية الهندسة!)، وفي أي السنوات الدراسية هي: "خلصي دراستك، طبعاً محدش ضامن بكره". وتسأل أخرى: "خلصت كلية، رأي حضرتك أعمل دبلوم تربوية تحسباً للزمن يعني، لأني مش عايزة أشتغل أصلاً مستقبلاً"، فيجيب: "اعمليها، الانشغال حلو".. ما يعني أنه لا يشجعهن على التعلم بل يفعل تحوطاً لغدر الزمان أو لإشغالهن. ويلاحظ كذلك أن اجابات بعض هؤلاء الشيوخ متقدمة في موقفها على مواقف السائلات.

 

اتركي القرآن وتعلمي الطبخ

 

سؤال يبدأ هكذا: بنت. باخد تجويد وإجازة عند شيخ وهو المتاح، لما بأغلط يكون العقاب لكمة خفيفة في الوجه، يعني معظم العقاب فيه لمس.
الجواب: لو لم يتيسر لك إلا هذا الشخص، ولم يكن عندك أي طريقة للحفظ بدون معلم، فلا تحفظي القرآن، تعلّمي الطبخ في البيت أكرم لك وأبعد عن الإثم، وأسلم لقلبك.
أي وجهة نظر مختلفة أو محاولة تجديدية في الفقه والفكر (خاصة إذا تعلّقت بالنساء)، هي محل رفض وازدراء. هناك تأويل لمرحلة تاريخية موهومة تأسر الفكر السلفي وتجعله يلوي عنق الواقع ليطابقها. وبالطبع وعلى ذلك فهناك رفض تام لأي جهد باتجاه استخلاص القيم العامة الحاكمة للإسلام والانطلاق منها نحو فقه جديد وأحكام تناسب العصر.
فالشيخ الذي يصف نفسه على صفحته بأنه "طالب علم" يقول عن كتاب د. طه جابر العلواني "لا إكراه في الدين" إنه "عَجْن طبعا". أما المرأة صاحبة المنشور الشهير على فيسبوك بأن الزوجة غير مطالَبة بإعداد كوب شاي لزوجها (استنادا إلى الرأي الفقهي القائل بأن خدمة المرأة لزوجها أو أداءها الأعمال المنزلية ليس واجباً شرعياً عليها)، فهي من وجهة نظر الشيخ الحاصل ــ كما يقول ــ على ماجستير أصول فقه من الأزهر، متخلّفة عقليّاً.

 

 

ويلاحظ في كل هذا التبادل أن العقلية السلفية لا تنظر للمرأة من ناحية إنسانية بل من ناحية جنسية، وأن هناك سيطرة لهوس الجنس عموماً الذي يتمظهر في الخوف من ارتكاب أي فعل "حرام"، وأن الحرام يختص بالجنس دون سواه. وفي ذلك سعي لحفظ التراتبية الاجتماعية كما هي قائمة، بالتركيز على خضوع المرأة للرجل وبدفعها لاستبطان دونيتها.. وهي الأفكار التي يبثّها السلفيون عبر تطبيقات كـ"آسك" و"فيسبوك" ومواقع عديدة، (والسلفية كما يقول تمّام هي الأكثر حضوراً على الشبكة العنكبوتية)، وعبر تسجيلات صوتية ومتلفزة وإصدارات ورقية.
تتلقى كثيرات هذه الأفكار التي تُقدَّم لهنّ بلباس مقدّس من دون نظر وتمحيص، فيعشنَ حياة أقرب إلى الموت. وعندما تتصدر إحداهنّ للفتوى، تصدر عن الأفكار نفسها التي تحطّ من شأن النساء وتضيّق عليهنّ أشد التضييق، بدلاً من الانتصار لبنات جنسها.
سُئلت إحداهنَّ (وهي من الرموز "النسائية" للمعسكر السلفي على تطبيق "آسك"):
س: أنا معلمة منزلية منذ اثني عشر عاماً، لديّ حب شديد لتدريس الرياضيات وتبسيطها للطلاب، فكّرت فىي إنشاء قناة يوتيوب لتدريس منهج المرحلة الإعدادية لكن نصحني أحدهم ألا أفعل لأن "صوتي ناعم وحلو"، وأنا لا أرى ذلك، وأنّ هذه الفيديوهات ستكون فتنة للرجال خاصة ان الفئة المستهدفة ستكون في سنّ البلوغ..
ج: بلاش أفضل.. طالما صوتك ناعم وحلو!
... بينما الاجابة البديهية أن يقال: ثقي بما ترين وافعلي ما تحبينه وتشغفين به، انظري إلى النساء مثيلاتك شرقاً وغرباً، وما حققنه من إنجازات ونفع لمجتمعاتهن. لا تسمحي لأحد بأن يُشعرك بالذنب لمجرد كونك "امرأة" أو أن يحجر عليك وعلى مواهبك ويقيّدك بقيود باطلة تجعل حياتك أضيق من خرم إبرة.