صراع تطويع الأماكن العامة وتحويلها لمساحات تتناسب وأفكار مجموعات بعينها مزدهر في أكثر من مكان، وبالأخص في منطقتنا. صراعٌ مستمر تشتدّ حلقاته مع كل موسم صيفي.. لأنّه في هذا الموسم تخرج أجسادٌ نسائية إلى الشمس بملابس البحر، متفلّتة بذلك عن إرادة قسم (لا بأس به) من الذكور الرافضين لـ"مظاهر الفحش والعريّ"، فيغضبون فيعترضون فيأتيهم الرد. غالباً ما يظهر هؤلاء خلف عناوين من نوع: "العائلات تعترض، البيئة لا يُناسبها هذا، عاداتنا لا تسمح...".
ليس خفيّاً على أحد أن الشاطئ الجزائري الممتدّ على أكثر من 1200 كلم، والذي يُعدّ مكاناً عاماً (للجميع!)، يَعرف ما يُسمّى بـ"الشواطئ الاسلامية" أو "شواطئ الإخوة". نقاط محدّدة استولى عليها إسلاميون (أخذوها بطيب خاطر من الدولة) وأعلنوها أماكن خاصة بهم وبعائلاتهم، وذلك للتمتّع بالبحر من دون الوقوع في "الرذيلة" أو المشاركة في ما يُسيء للقيم والإسلام من "اختلاط، شرب للكحول ورؤية نساء (عورات) بالبيكيني..."، هذه الأماكن الموزّعة في أماكن مختلفة على طول الشريط الساحلي، لها شروط للدخول إليها، أبرزها: النساء. زيّهنّ وسباحتهنّ. في بعض الأحيان يأمّون الصلاة جماعةً على الشاطئ، يستمعون للأناشيد والتراتيل الدينية..  يعني نحن أمام منطقة منزوعة من الحيّز العام لتصير خاصة بفئة محدّدة، من مبدأ أن

ممارسات غيرنا لا تتناسب معنا فلننفصل!
لكن على الرغم من هذه المساحات المُصادرة والمفتوحة حصراً للممارسات "المُحافظة"، حُكي أنه في العام 2014 مثلاً، جرى تشكيل لجان من شباب من بعض الأحياء الشعبية الساحلية مهمتها "فرض الحشمة والاحترام في الشواطئ" عموماً، بالتعاون مع لجان المساجد والأئمّة الذين بادروا إلى إطلاق حملة صيفية أطلقوا عليها شعار "شواطئ إسلامية بقيم جزائرية". تجنّدت حينها، كما نقلت بعض الصحف الجزائرية، المنابر والخطب لتطهير شواطئ العاصمة من العري وتوابعه. لم يتمّ الاكتفاء بمصادرة مساحات عامة بحجّة التمتّع بالبحر في أجواء تُلائم أفكار هؤلاء بل تعدّاها الامر إلى ترهيب المواطنين (خاصّة النساء) وفرض قيم خاصة كقانون حاكم.
هذا العام، انتقلت اللعبة إلى مستويات أعلى: مجموعة من الشباب أطلقت حملة عبر وسائل التواصل الاجتماعية بعنوان "استري روحك"، قاموا خلالها بالتقاط صور لفتيات بالـ"بيكيني" (لباس البحر) ثمّ نشر هذه الصور في الفضاء الالكتروني. النيّة هي نهيهنّ عن المُنكر ومنع مظاهر الانسياب والانحلال، وكذلك حماية فتيات ونساء المجتمع الجزائري من التأثّر بهذه الأجواء. قيل هذا الكلام من قبل بعض مؤيدي الحملة القائمة على التشهير بالنساء حصراً، من دون (كمثال، وليس تشجيعاً أو تأييداً للفعل) التقاط صور لشاربي الخمر أو لمجموعة متحرشين أو لرجال عُراة الصدر.. أول ردّة فعل على الحملة كانت ظهور حملة مضادة بعنوان "واش دخلك" (ما علاقتك؟)، بهدف الدفاع عن الحقوق الفرديّة المنتهكة والتي يكفلها الدستور الجزائري. لكن هل يُمكن لحملة تضامن كلاميّة (تدعو لفتح نقاش حول الحريات) التصدّي لفعل انتهاك خصوصيّة أفراد في مكان عام (باستخدام كاميرا، انترنت، ونصّ ديني) والتشهير بهم في حقل واسع كالفضاء الالكتروني؟ لاسيّما وأنّ بعض المواقع الالكترونية ذكرت وقوع مشاكل عائلية لبعض الفتيات اللواتي ظهرهنَ في الصور المنشورة.
استمرّ الوضع على حاله إلى أن ظهر ردّ فعل يُوازي الفعل ثقلاً وتطرّفاً، فسرق الأضواء وصار هو محور النقاش. قد يكون هذا ما سعى إليه منظمّو تحرّك "في السابع من آب سأسبح عارية"، فقد تكون هذه الدعوة غير جدّية من الأصل، بل ظهرت كي تعيش وتموت افتراضياً على شرط أن تبتلع في طريقها الفعل الأول: التشهير بالنساء ونشر صورهنّ بهذه الطريقة. وهذا ما حصل. ذهب النقاش إلى مكان آخر (ما يسمح منطقيّاً بتبديد الخوف الذي نجم عن فعل التهديد والتشهير بالنساء بهذا الشكل). لكنّه لا يُلغي الوجه (المُتطرّف) الذي وُضع مقابل فعل حجب المرأة: العريّ مقابل الحشمة. هذان وجهان لعملة واحدة. والموقف هكذا حتماً مرفوض وإن يكن مجرّد فقاعة لتنفيس الاحتقان ووضع حدّ للحملة على النساء اللواتي تمّ التشهير بهنّ.
ليس البيكيني أصل القصّة. أصلها هو وجود امرأة في الحيّز العام ككائن موازٍ للرجل بالفعل والحركة. أصل القصّة هي الرغبة بطمس النساء غير الخاضعات لتقاليد المجتمع الذكوري. وإلاّ ما كل هذه النقاشات حول البوركيني والراسكيني والبيكيني..؟ نقاش يأخذ سنوات من حياة الجزائريين (أكثر من الجزائريات أنفسهنّ) حول ما هو الزيّ الأنسب لسباحة النساء؟ ما هو الأكثر حشمة والأقلّ فتنة؟ كيف عليهنّ الخروج من المياه؟ هل يسبحن بملابس داكنة أو فاتحة؟ يُدينون ويستنكرون ما يفعله الغرب حين يتمّ التدخل في لباس امرأة محجبة على شاطئ عام، ثمّ يتبعون المسلك نفسه ويتدخلون في مايوه النساء على شاطئ عام..
تضيق مساحات العالم العربي لحظة تكون المرأة هي الحدث. ولكن هذا يُكرّس وجودهنّ أكثر. مع كلّ محاولة لسحبهنّ من الحيز العام إلى الخاص بحجة أنّ أجسادهنّ أمر خاص لا بدّ من ستره، يتكرّسن كواحدة من قضايا الشأن العام، حضوراً وتفاعلاً.