نُشر النص الأصلي لهذا الموضوع في موقع "مدى مصر"، وهو منصة إلكترونية تأسست في مصر، ونعيد نشره هنا بالاتفاق مع الموقع. في إطار حملتها المستمرة للتضييق على الصحافة، حجبت السلطات المصرية "مدى مصر"، ضمن مواقع أخرى. والتزمًا منا بمبدأ حرية الصحافة واستقلاليتها، يقوم "السفير العربي" بإعادة نشر نصوص ينتجها "مدى مصر" لمساعدة الموقع في التغلب على إجراءات الحجب والوصول إلى القراء داخل مصر.

 

مها خليل

ترجمة: أشرف عمر

 

كنت واحدة ضمن آلاف الناس الذين توافدوا على شاطئ الساحل الشمالي لقضاء بعض الوقت خلال عطلة عيد الفطر، لكني لم أتمكن من نزول البحر خشية لدغ قناديل البحر المتدفقة في أسراب ضخمة.

كانت أجسامها الباهتة شبه الشفافة تبدو خلال الموجات فيروزية اللون في صورة نقاط كثيفة بما فيه الكفاية لرؤيتها من على الشاطئ، وكانت الأمواج تجرف الكثير منهم ليُداس عليهم ويُدفنوا في الرمال. وفي الوقت نفسه، أفادت تقارير من بلدان بعيدة، مثل الكويت وويلز، أيضًا بتوافد أسراب ضخمة على نحو غير اعتيادي للقناديل.

خلال رحلتي، سمعت الكثير من التكهنات، والأساطير، والاتهامات، والشائعات في ما يتعلق بأسباب مثل هذه الظاهرة، وكمتخصصة محلية في علم الأحياء البحرية، كنت هدفًا للكثير من الأسئلة: هل هذه ظاهرة «طبيعية»؟ لماذا ازدادت أعدادها هذا العام؟ هل للتوسع في قناة السويس علاقة بالأمر؟ وغيرها الكثير.

تحدث مثل هذه الزيادات في أعداد قناديل البحر (ما يُعرف بظاهرة ازدهار القناديل) بصورة طبيعية من وقت لآخر في العديد من المواقع عبر العالم ولأسباب مختلفة، وعادةً ما تكون الظاهرة قصيرة الأمد، إذ لا تمتد لأكثر من أسابيع قليلة. ومن المستحيل في الأغلب، خاصةً في المناطق التي لا تتوافر عنها معلومات كافية مثل الساحل الشمالي المصري، التحديد الدقيق لسبب هذه الظاهرة ولو لمرة واحدة، دون جمع قدر كبير من المعلومات قبل وأثناء وبعد حدوثها – وهي عملية شاقة ومكلفة ومهدرة للوقت حتى في البلدان التي تضخ تمويلات كافية للأبحاث. إلا أن هناك بعض الأمور التي نعرفها بالفعل.

تتضمن بعض الأسباب الطبيعية أو الموسمية لازدهار القناديل: درجات الحرارة الدافئة موسميًا التي تعزز تكاثر القناديل، والتغيرات في تيارات المحيطات، التي تدفع أسراب القناديل من المحيط المفتوح إلى الخطوط الساحلية، والازدهار الموسمي للعوالق البحرية (كائنات بحرية دقيقة عائمة) التي تتغذى عليها القناديل، وغيرها من الأسباب. لكن، لا تعد كل عمليات ازدهار القناديل ظواهر طبيعية تحدث دون تأثير من جانب السلوك البشري غير المسؤول، ويُعتقد أن ارتفاع معدل هذه الظواهر عالميًا عبر العقدين الماضيين مؤشر على تدهور المواطن الطبيعية للأحياء البحرية.

والجزء المقلق في هذا الأمر ليس حدوث ظاهرة ازدهار القناديل في البحر المتوسط في مصر هذا العام، بل انتشارها الجغرافي الواسع وحجمها غير المسبوق. وعلى حد علمنا، لم تطرأ هذه الظاهرة بهذا الحجم الهائل في هذا الجزء من الساحل من قبل، وهذا سبب كافٍ لإثارة القلق. الأمر نفسه ينطبق على الكويت والمملكة المتحدة، حيث تحدث الظاهرة موسميًا، لكن ليس بهذه الأعداد الضخمة. بل أن ازدهار القناديل بهذه الصورة غير المسبوقة يعد مؤشرًا على أن أنشطةً بشريةً غير منضبطة وضارةً على نحو لا يحتمل قد تغير العمليات الطبيعية بطرق غير ملائمة. وفي ما يلي قائمة ببعض الطرق التي يمكن أن يؤدي بها السلوك البشري غير المسؤول في إحداث ظاهرة ازدهار القناديل.

التغير المناخي: تأتي زيادة درجات حرارة المحيطات، الناجمة أساسًا عن الحرق المفرط للوقود الأحفوري وانبعاث غازات الاحتباس الحراري، في صالح قناديل البحر، عن طريق الإسراع في تكاثرها وتمديد مواسم التكاثر. وكان العلماء قد تنبأوا بتنامي ظاهرة ازدهار القناديل مع استمرار الاحتباس الحراري، وبانتشار الظاهرة لتصل إلى أماكن لم تكن تحدث فيها من قبل. وبالفعل شهد بحر اليابان، وبحر الصين الشرقي، والبحر الأسود، وبحر البلطيق، ضمن بحور أخرى، زيادات في هذه الظاهرة منذ تسعينيات القرن الماضي.

الصيد الجائر: حين نفرط في الصيد دون أن نضع في الاعتبار الاستدامة طويلة المدى لأعداد الأسماك، فنحن بذلك نستنزف أعداد الأسماك بشدة، تلك الأسماك التي ربما تتغذى على يرقات القناديل في المراحل المبكرة من دورة حياتها.

الأخطار المهددة للسلاحف البحرية: تعد سلاحف البحر الحيوان المفترس الرئيسي للقناديل البالغة، وبالتالي تسهم في الإبقاء على أعداد القناديل في حدود معينة. وغالبًا ما تستهدف سفن الصيد ومن يمارسون الصيد غير المشروع سلاحف البحر وبيضها، كما تقع السلاحف عن طريق الخطأ، وتموت، في شباك سفن الصيد التجارية الكبيرة. وقد هلكت بالفعل أعداد كبيرة من سلاحف البحر، والكثير من أنواعها مهدد بالانقراض.

الصيد بالشباك الكبيرة: تسحب سفن الصيد التجارية الكبيرة شباكها الضخمة على طول قاع البحر، مما يفسح مساحات هذه القيعان ليرقات القناديل لتعلق في هذه المساحات وتتكاثر.

التنمية الساحلية والتغيرات في المواطن البحرية: مثل الصيد بالشباك الكبيرة، فإن التغييرات التي تطرأ على الخطوط الساحلية وقيعان البحار، من أجل بناء المنتجعات، وأرصفة الموانئ، والشعاب المرجانية الاصطناعية، ومنصات النفط؛ تخلي المساحات التي كان يتعذر على يرقات القناديل الوصول إليها سابقًا، مما يؤدي إلى زيادة في تكاثر القناديل. أما التنمية الساحلية، فهي أيضًا تبتلع المواطن التي تضع فيها السلاحف البحرية بيضها.

التلوث الكيميائي: يؤدي إلقاء مياه الصرف الصحي في البحار، وكذلك المخلفات الزراعية وغير ذلك من المواد الكيميائية، إلى زيادة المواد الغذائية المتواجدة في المياه (ما يُعرف بظاهرة الإثراء الغذائي). وهذا بدوره يعزز تنامي العوالق البحرية، مما يزيد سريعًا من كميات الغذاء المتوافرة للقناديل، وبالتالي يزيد من معدلات نجاتهم. ولا ضير لقناديل البحر من انخفاض مستوى الأوكسجين في المياه، إذ أنها أقدر على تحمل ذلك من غيرها من الكائنات البحرية المنافسة لها.

النفايات الصلبة: يؤدي البلاستيك على وجه التحديد إلى معدلات أعلى في الوفيات بين السلاحف البحرية التي تتغذى على القناديل. ولا تتمكن الكثير من السلاحف من التمييز بين الأكياس البلاستيكية وقناديل البحر، وتناول كمية كبيرة من البلاستيك يقتلهم في النهاية.

الانتقال من منطقة لأخرى: تقوم سفن الشحن بسحب وتفريغ المياه من وإلى صهاريجها من أجل الحفاظ على ثباتها وتوازنها أثناء الإبحار. وخلال ذلك قد تُلتقط الكثير من الأسماك والعوالق وغيرهم من الأحياء البحرية (بما في ذلك القناديل نفسها) من محيط لتُلقى في آخر، وإذا نجحت في الاستقرار في موقع جديد، تجتاح هذا الموقع، وتُعرف في هذه الحالة بـ«الأنواع الغازية». وأحيانًا ما تؤول الأمور بالأنواع الغازية إلى مواقع تتفوق فيها عدديًا بالفعل على الأنواع الحية الأخرى، ما يعني زيادةً سريعةً في العدد وتغييرًا كبيرًا في النظام البيئي.

وتعتبر ظواهر ازدهار القناديل مشكلةً كبيرةً للعديد من الأسباب، بالإضافة إلى كونها ببساطة مصدر إزعاج للسائحين. وبالطبع يمكن للتأثير على السياحة أن يضر باقتصاد الدول التي تستضيف السائحين، لكن هناك مشاكل أخرى يمكن أن تتسبب فيها الظاهرة للبيئات التي تحدث فيها وللبشر الذين يعتمدون على الطعام البحري الصحي في حياتهم وكسب عيشهم. على سبيل المثال، يمكن للقناديل حال زيادة عددها بشكل كبير أن تحجز ضوء الشمس عن الطحالب أو المرجان، مما يؤدي إلى موتها، وهذا يعني أيضًا أن الأسماك والكائنات الأخرى التي تتغذى على الطحالب أو المرجان قد تموت هي الأخرى وتقل أعدادها، مما يبعث على الفوضى في السلسلة الغذائية البحرية، وهي عملية معروفة بـ«التتابع الغذائي»، ويمكن أن تنتج عن الصيد الجائر وغيره من الأنشطة البشرية.

كما تتغذى القناديل على العوالق، بما فيها يرقات الأسماك والأوليات وغيرها من الكائنات الدقيقة. ومع زيادة أعدادها، يمكن للقناديل أن تستنزف يرقات الأسماك من ضمن العوالق، ما يؤدي إلى انخفاض أعداد الأسماك البالغة في الموسم التالي. وتعتبر هذه مشكلةً رئيسيةً بالنسبة للصيادين، خاصةً إذا كانت كميات الأسماك في البحار تنضب بالفعل بواسطة الصيد الجائر. كما ستتفوق القناديل عدديًا على المخلوقات البحرية الأخرى التي تتغذى على العوالق، وهو أمر سيؤدي إلى حلقة مفرغة يتقلص فيها التنوع البيولوجي وتتمتع داخلها القناديل بموضع مهيمن من الناحية البيئية.
 

لكن ماذا عن هذا الازدهار الذي يضرب ساحل مصر الشمالي بالتحديد؟ وما سببه الأكثر ترجيحًا؟


هرع الكثير من الناس لإلقاء اللوم على التوسع الأخير في قناة السويس، وتحميلها مسئولية حدوث الظاهرة، لكن هذه القضية تستلزم بعض التوضيح. إن النوع الخاص من القناديل الذي يشكل أغلب هذه الظاهرة في الساحل المصري على البحر المتوسط هو قنديل البحر البدوي (واسمه اللاتيني روبيلما نوماديكا – Rhopilema nomadica). وفي الواقع، يعيش هذا النوع في البحر الأحمر، ولم يستطع الانتقال إلى البحر المتوسط إلا من خلال قناة السويس. ومع ذلك، فإن وجود هذا النوع الغازي في البحر المتوسط يمثل قضيةً مختلفةً عن الزيادة المفرطة في عدده هذا العام. ويذكر أن قنديل البحر البدوي موجود بالفعل في البحر المتوسط منذ السعبينيات، لكن، على حد علمنا، كان وجوده غير مدمر نسبيًا حتى هذا العام.

وتكهن بعض الناس بأن التوسع في قناة السويس قد أزال حاجزًا ملحيًا تشكل بواسطة البحيرات المرة التي تقع بين الجزء الشمالي والجنوبي من قناة السويس. وبينما هناك بالفعل ما يدل على أن ملوحة البحيرات المرة هي بمثابة حاجز انتقائي لهجرة أنواع الكائنات البحرية بين البحرين الأحمر والمتوسط، إلا أن الأمر يظل هكذا: «انتقائيًا». وقد نجحت المئات من الأنواع الحية في الهجرة من البحر الأحمر لتصبح بذلك كائنات غازية للجانب الشرقي من البحر المتوسط (ما يعرف بالهجرة الليسيبسية نسبةً إلى فرديناند دي ليسيبس)، وعلى حد علمي لم يكشف أي بحث عما إذا كان هذا الحاجز الملحي فعال ضد القنديل البدوي بالأخص. وبالإضافة إلى ذلك، تتدفق المياه بحرية من البحرين الأحمر والمتوسط إلى البحيرات المرة والعكس، ونتيجةً لذلك فقد انخفضت ملوحة هذه البحيرات في السنوات الأخيرة حتى قبل التوسع الأخير في القناة.

من المهم أيضًا أن نتذكر أن هجرة الأنواع البحرية بين البحرين (والتي تحدث في كلا الاتجاهين، مع أن اتجاه الشمال هو الغالب) لا تعتمد فقط على تدفق المياه أو السباحة المتعمدة في هذا الاتجاه أو ذاك، بل تحدث أيضًا نتيجة الانتقال في مياه الصهاريج الخاصة بسفن الشحن العابرة. ويطرح هذا علينا حقيقةً بسيطةً تتلخص في أن ما من دليل كاف لدينا لندعي أن التوسع في قناة السويس مسؤول عن ظاهرة ازدهار القنديل البدوي. ربما بالطبع يكون هذا التوسع مضرًا للبيئة بأشكال مختلفة، لكن هذه الأشكال تقع خارج نطاق هذا المقال.

ويطرح أحد الأبحاث أن الصيد الجائر من المرجح أن يكون دافعًا لهذا الازدهار، بينما يظل يمثل التهديد الأكبر على البحر المتوسط؛ أكبر حتى من التلوث والتغير المناخي. وفي الحقيقة، تنبأ الدكتور إنريك سالا، وكثير من زملائه، في دراسة قاموا بإعدادها في العام 2014، أن ما لم يجري تنظيم الصيد في البحر المتوسط وحماية أجزاء كبيرة فيه من الصيد، فإن هذا النظام البيئي الوافر والجميل سيتحول إلى «خليط من الميكروبات والقناديل»، بحياة بحرية محدودة للغاية.

نشرت هذه الدراسة واسعة النطاق والمثيرة للإعجاب في مجلة Plos One، وهي متاحة للاطلاع أمام الجميع. ومع أن الدراسة قد أخذت فقط عينات من البلدان المطلة على البحر المتوسط، ولم تتضمن الساحل الأفريقي، يظل البحر متصلًا وغير ملزم بأي حدود سياسية. وعلاوة على ذلك، رغم المعلومات المحدودة المتاحة حول الثروة السمكية في مصر، فقد نشر الدكتور محمد سامي كمال، في العام 2015، دليلًا يشير إلى أن الثروة السمكية المصرية في تراجع في كل من البحرين المتوسط والأحمر، ما يعتبر عادةً علامةً على الصيد الجائر. وحتى مع أن قوانين الصيد في مصر موجودة على الورق، لكنها تفتقر إلى الإنفاذ والإذعان لها. أما العامل المحلي المحتمل الآخر في مصر، فهو الصرف الزراعي من الدلتا إلى البحر المتوسط، الذي يؤدي إلى «إثراء غذائي» مفرط. لكن ما من معلومات تفيد بأن الصرف الزراعي كان زائدًا هذا العام.

وكما هو مذكور سلفًا، ليس من الممكن تحديد السبب المباشر في ازدهار القناديل هذا بالأخص. لكنني أرى هنا أن المعرفة المحددة للسبب أقل أهميةً من تركيز طاقتنا ومواردنا على حماية بحورنا من التهديدات التي نعلم بوجودها بالفعل.

ولقد تأخرت مصر ودول البحر المتوسط كثيرًا في بذل جهود من أجل وضع التشريعات اللازمة لحماية هذا النظام البيئي البحري الثمين، وكذلك من أجل ضمان اتباع هذه التشريعات. وصحيح أن السيطرة على ظاهرة مثل التغير المناخي تتطلب جهودًا تعاونيةً عالمية تتجاوز حدود السيطرة المحلية المباشرة، لكن قضايا أخرى مثل التحكم في الصيد الجائر، والصيد غير المشروع، وسفن الصيد التجارية الكبيرة، والتلوث، ليس كذلك. فلكل دولة سيطرة مباشرة على الأنشطة الجارية في مياهها، والتخاذل عن تحمل المسؤولية المباشرة عن مواردنا الطبيعية سيضر بجيلنا، وبدرجة أكبر بكثير، بكل أجيال المستقبل.