كانت فتوى الجهاد الكفائي من قبل النجف كابحاً مسلحاً ضد تقدُّم تنظيم داعش، أفادت بتقويض مسعاه في القدوم إلى بغداد. فُسر الأمر بداية على أنه مواجهة بين المكوّنات الاجتماعية، إلاّ أن تعاقب الأحداث والمعارك بيّن أنّ هناك فصائل من كل لون ومذهب ساندت تشكيلات وصنوف القوات المسلحة، فشارك المسيحيون و"الحشد العشائري" (وهو متشكل من السنة)، ولاسيما في مناطق المحافظات الغربية الستّ، من أجل مهام ضبط الأرض.

بالطبع لم تعدم الحركة من الاستثمار السياسي، إلا أن النيران غطّت بالكامل على اللعب السياسي. وما برز بشدّة من خلال بيانات استخبارية رسمية وصحافية، فهو أنّ الحرب تدور مع ما يقارب من 80 جنسية غربية وعربية، تُشكّل مكونات تنظيم داعش.

 

خرائط النار

 

بعد بيان الانتصار الذي ألقاه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وسط الجيش في الموصل، انتهت قصص الحرب لتبدأ قصص التداعيات. فماذا بشأن العيش المشترك لما بعد مرحلة داعش، فيما بين تكوينات الموصل الاجتماعية من شبك، شيعة، سنة، مسيحيين، أيزيديين وأكراد؟ ليس خافياً على أحد ما تعرّض له المكوّن الايزيدي من ضرر جسيم في الأرواح والممتلكات، وليس من المبالغة القول إنّ هذا المكون كان على رأس الضحايا في سلم قسوة تنظيم داعش من سبي وتشريد وقتل ومقابر جماعية.. مما جعل جبل سنجار وقراه الممتدة في

الوهاد قطعة كبيرة من السواد والحزن.
يوازيهم في المحنة مسيحيو سهل نينوى، وهم من الكلدان والسريان والآشوريين، تعرّضوا لتهديم كنائسهم، ومصادرة أملاكهم، وخطف وقتل رهبان، بل وتمييز بيوتهم في عموم الموصل بالحرف (ن) من أجل فرض الجزية عليهم من قبل داعش. أما شيعة تلعفر، فليس هناك بحقّهم سوى قرار المحو والإبادة، هم والشبك.
واختلف الامر مع العرب السنة، بين مندرج بالتنظيم كموالاة محلية وبين رافض وفارّ من نينوى. حتى أن المحافظ، أثيل النجيفي، في بواكير اجتياح تنظيم داعش للموصل، أطلق نداءً من أجل عدم النزوح من الموصل ما دام الثوار قد وصلوا وسيتكفلون بإدارة شؤون الحياة العامة!!
من أمثلة هذه "الإدارة" أنّ يبيع عناصر التنظيم قسراً عباءة نسائية بنقاب، سعر الواحدة منها 20 دولاراً، مع فرض ألوان مختلفة بحسب الوضع العائلي، كما حدث في منطقة "راوه"، وذلك لتمييز العذراوات عن غيرهنّ وادخارهنّ رصيداً فعالاً تحت اليد، من أجل أسرّة المجاهدين.

 

محنة الجار السابع

 

بعد كلّ ما جرى لأهل الموصل، راح الجيران يشيرون إلى بعضهم بأصابع الاتّهام أمام القوات الأمنية بأنّ هذا البيت أو تلك المرأة وأبنائها من حملة السلاح مع داعش. وكما يقول المسيحيون في مدوناتهم الدينية "الثقة كالدمعة إذا سُكِبت لا ترجع".

 

ما زالت النخبة السياسية السنية، المنقسمة، والتي يتزايد حنق قواعدها عليها بسبب ما تسببت به من مصائب، تستقوي بالمال السياسي القادم من دول الجوار، وتعيد على الشاشات إيقاع المناكفات..

 

على هذا الإيقاع راح قاطنو سهل نينوى من المسيحيين يُفكرون بجعل السهل محافظة، تمهيداً للحصول على حكم ذاتي، فيحكم المسيحيون أنفسهم بأنفسهم. وقد اثارت هذه الدعوة خلافا اجتاح الداخل المسيحي نفسه.
وهكذا فخراب البشر سبق خراب الحجر في الموصل. يُمثّل الخرابان تتويجاً للطاعون القيمي في العراق. ويكشف أفق ما بعد الحرب مع داعش الملامح الشرسة التي بدت عليها الأمكنة، الطبيعة والطوائف. إذ يبدو كل من البشر والحجر مختنقين خلال محاولتهما العسيرة لازدراد الوعود السرابية لمُركب "العراق الجديد".
منذ 2003 إلى اليوم، تنقل العراقيون بين فصول دموية مختلفة وكثيرة. لم تفارقهم البنادق ولا طريقة النوم بنصف عين مغمضة. يأكلُ الأرق حاضرهم ويومض المستقبل أمامهم كحديث خرافة. والحكومات التي تتعاقب عبر صناديق مزورة في كل مرة لم تستطع إلى اليوم إنتاج فكرة الدولة نظرياً أو عمليّاً. وفي ظل إيقاع الحياة المظلم بسبب كثرة القطط السمان من السياسيين وتجوال القطط بين الدمارات والخرائب بات من الواقعيّ طرح السؤال: ألم يأتِ الأسوأ بعد؟

 

منصة الطوارئ

 

تتوزع كتل النزوح البشرية التي هربت من مناطق المعارك في المحافظات الغربية، بين المخيمات ومدن العراق الجنوبية أو دول الجوار. هذا الأمرجعل النخبة السنية السياسية منقسمة وتحاول لمّ شتات قواعدها. بالمقابل يتفاقم حنق تلك القواعد على نخبهم. فبسببهم حدث ما حدث من خرابات مترامية الأطراف في الحرث والنسل.
أما المفارقة فتكمن في أنّ تلك النخبة ما زالت تستقوي بالمال السياسي القادم من دول الجوار، وتعيد على الشاشات إيقاع المناكفات التي تذكّر ببداية الانقسام في العام 2003.

 

غياب المشروع الوطني من الخطاب السياسي الذي يتحدث عن صياغة "عراق ما بعد صدام" هو ما ضرب البنيان الاجتماعي العراقي في الصميم. وهكذا انهار التنوع بين الطوائف والأديان والأعراق من موقعه كذخيرة، ليصبح وبالاً.

 

إلى جانب ذلك يتعمق مأزق مفهوم "المصالحة".  فالمصالحة التي يتمّ الحديث عنها اليوم هي مُصالحتان، الأولى تحت تسمية "مصالحة وطنية" تتعلق ببرنامج تفكيك إرث البعث، أمّا الثانية وهي الأعمق أثراً، فتتعلق بـ"المصالحة المجتمعية" بين المكونات التي أحرقت المعارك مع داعش حاضرها ومستقبلها.
أمام هذه الإشكاليّات المركّبة تبقى المكونات العراقية محتفظة بوقوفها المعتاد على منصة الطوارئ، ويبدو سؤال إعادة الصياغة مفتوحاً على مرحلة جديدة من الإرهاق.

 

مَوصلة العراق

 

ما ضرب التنوع الاجتماعي العراقي في الصميم، كان غياب المشروع الوطني من برنامج الخطاب السياسي الذي يتحدث عن صياغة عراق ما بعد صدام. فانهار ذلك التنوع بين الطوائف والأديان والأعراق من موقعه بوصفه ذخيرة، إلى وبال.
من هنا ستتحرك آفاق الترميم الماديّة والروحية في أُفق بائس يقطع صلته تماماً بطاقة الذخيرة، حيث تمثل أحداث الموصل لحظة استئناف كبرى تنافس في حجم تردادتها لحظة العام 2003. وعلى هذا الأساس، سيكون كل حديث عن عوالم ما بعد داعش منطلقاً من حالة غير معهودة يمكن أن نسميها "مَوصلة العراق".. لأنّ الحرب الشرسة، وفيما بعد قصص تداعياتها، جعلت من العراق والموصل اسمين متقاطعين يتبادلان مباراة احتواء أحدهم للآخر، بسبب المآزق السياسية والأمنية والاجتماعية. وهذا خصوصاً بعدما تمّ تغيير العداد، حيث بدأ تنظيم الدولة الإسلامية يتناقص من كيان مسلّح ونمط عيش استمر ثلاث سنوات ونيفاً، إلى جيوب ومن ثم فلول، وصولاً إلى عودتهم إلى لحظتهم الصغيرة التي كانت أيام وادي حوران.