فلنبدأ من النهاية، دم أطفاله وزوجته يلطخ كنزته الصفراء. هذا كل ما تبقى له منهم.
فلنرجع إلى ما قبل النهاية بقليل، دم أطفاله وزوجته و"سكينة"، ابنته ذات الثماني أعوام، كان كل ما تبقى له.
ها هي الآن أمام عيني، تتنفس ببطئ من قناع الأوكسجين يأكل وجهها الصغير. شهيق، زفير. شهيق، زفير. شهيق، زفير. يبطئ فيتسارع، فيبطئ، فيبطئ، فيبطئ.
عندما سألت عمتها عن اسمها قالت "سكينة". اسم على مسمى أليس كذلك؟!  لم أستطع أن أشارك الفكرة التي راودتني مع عمتها وهي تنتحب على جميع من فقدت اليوم.
يقولون أن الأسماء تعكس شخصيات حامليها، ولكن كيف لطفلة في الثامنة من عمرها أن تستكين ما لم تكن الشظايا قد نالت من جسدها.
سكينة قاتلة، تخفي أصوات قذائف الهاون وإطلاق النار والطائرات المروحية وأنين الجرحى وبكاء الأطفال. صمت هائل. توقفت عن التنفس. إذن لم يبق له أحد. خسر كل عائلته بعدما حضنهم القتل الأحمق على شكل حزام ناسف. حضنهم الموت حرفياً وبكل معنى الكلمة. توقف الأطباء عن محاولاتهم اليائسة. لا أمل هنا. لا أمل لها ولا أمل للموصل: مدينة منكوبة.
 فلنعد إلى ما قبل قبل النهاية، في الطريق إلى الموصل، سألتُ زميلي: متى نصل؟ ستعلمين فور اقترابك منها، رد واثقا.
محقا كان عدنان. دخان يتصاعد هنا وهناك وصوت المعركة يعلو. للمعركة صوت، تعيد ذكريات حروب

مختلفة شهدتها على مرّ ما قدّم العمر لي من سنوات. هذا صوت قذيفة هاون، ذاك صاروخ، ذلك إطلاق نار. خبرة ما اخترت أن أتمتع بها، خبرة يملكها كثيرون ممن يسكنون هذه البقعة من الكرة الأرضية.
ظننت أنني مستعدة لكل شيء. لم أكن. وصلت إلى مستشفى الموصل العام: الوضع هادئ نسبيا. هادئ نسبيا في زمن الحرب. ماذا تعني النسبية وأنا أجد نفسي وسط معمعة لم أكن أتوقعها؟
 أم سعد تحتضن إبنها، مضمد الرأس، مغمض العينين. نزلت بعينيي وكاميرتي نتفحص جسده. طفلٌ نحيلٌ ستذكّره آثار القطب المنتشرة على امتداد جسده بهذا اليوم، ويالها من ذكرى!
"عوفيه يا مجنونة عوفيه وانهزمي معنا"، صرخ بها  جيرانها يدعونها لتترك "سعد" تحت الحطام وتهرب علّها تسلم. لكن صوت الضعيف سعد تحت الحطام كان أقوى: "ماما أنا بحبك. ماما أنت أسد. ماما ما تعوفيني". قالت لي ودموعها تنهمر على وجنتيها: "لقد اضطررت أن أترك أخوَيْه، لكني لم أستطع أن أتركه هو أيضا".
عندما روت لي كيف كانت تحمل الأحجار المرصوصة بالحديد والشظايا وترميها بعيداً عن جسده تذكرتُ مشهداً من فيلم هوليوودي: رائد فضاء يعلق على المريخ تحت مركبة آلية ضخمة، ولكي يقوى على إزاحتها، تجسد بشخصية الأم لكي تتضاعف طاقته.
أم هنا وأم هناك، كوكبان فعلا!
بالحديث عن العوالم المختلفة، عندما راقبت سكينة تفارق الحياة، مر بخاطري حبيبي الصغير تيم، ابن اختي فرح. تخيّلته محتاراً: هل يلعب على كمبيوتره المحمول  أو الآيباد، أو أي لعبة أخرى من ألعابه الكثيرة. لم تكن المقارنة إلا لأرى سكينة هناك معه، في غرفة ذات جدران ملونة حنونة محبّة، تلعب معه ربما أو يتحدثان عن قضايا طفولية بعيدة كل البعد عما تعيشه هي، عما عاشته للدقة.
فلنقفز قليلا إلى الوراء، كيف وصلت هذه الطفلة وأربع وأربعين "حالة" أخرى إلى مستشفى الموصل العام؟
 أجلس في الطابق العلوي من المستشفي المحترق حيث اتخذ اطباء اللجنة الدولية للصليب الأحمر المكان مركزاً لهم مع الهلال الأحمر القطري. أشحن بطارية الكاميرا التي أحملها معي، فقد قيل لي أن يوم الجمعة غالبا ما يكون حافلاً، وتحديداً بعد صلاة.
"مجزرة، مجزرة"، "مجزرة، مجزرة"، يصرخ صوت في أجهزة التواصل الداخلي. طيّب يا يارا اركضي خلف من يركض، تعرفين معنى المجزرة، فقد شاهدتها مرارا على التلفاز.
أف، كم كنت مخطئة! اختبأت خلف عدستي أصوّر الدم ،والبكاء، والصراخ، والبكاء، والأجساد الممزقة المرمية على الأسرة، والكراسي، والأرض، والجثث، والبكاء. كنت أصور كل شيء وأقول لن أستخدم هذه المشاهد، لن أعرّض الناس لما لا أقبله لنفسي.
دقائق وشعرت بتفاهة ما كنت أفعله. تذكرت الحديث الصباحي الذي خضته مع أحد الجراحين المعروف بمهارة يديه وفظاظة لسانه. قال بالفم الملان: "ما قيمة عملك؟ وإن نقلت الصورة بطريقة إنسانية؟ أتظنين أن أحدا يكترث؟".
"أكان محقا؟" سألتُ نفسي. وضعت الكاميرا جانباً وانغمست في آلام الناس وأوجاعهم لثلاث أو أربع ساعات مرت كالثواني. أعقم جرحا هنا، أضمد جرحا هناك. تجربة من الجنون الخالص تمالكت فيها أعصابي ودموعي، إلى أن رحلت سكينة. حضنت عمتها وبكينا، مجردين من عوالمنا. جسدان يصلان الموصل ببيروت. الوجع واحد على امتداد الرِواق و الخارطة.  بالمناسبة يتشابه الموصليون وأهل الشام، ينطقون الأحرف والكلمات مثلنا، معالم وجوههم كمعالم وجوهنا، وجعهم كوجعنا. نشبه بعضنا حد الموت!
 لم تكن سكينة الطفلة الوحيدة التي لم تنج يومها. لقد اكتشفت أن للأطفال أكياس صغيرة  تحتضن أجسادهم الطرية. تعرفت عليها وأنا أعبر بينها من غرفة إلى أخرى، من ممر إلى آخر، من نكسة إلى نكبة.
تخيلوا أنه كان على والد سكينة أن يملأ أوراق وفاتها فور انتقالها إلى العالم الآخر. لا وقت للحزن، لا وقت للبكاء. إنه زمن الموت السريع. عدّاد الموتى لا ينتظر، أطفاله الذين كانوا يضجّون بالحياة البارحة  باتوا روتيناً إدارياً اليوم.
اليوم. ذاك اليوم. أعود لاستكمل كتابة ما عشتُ يومها. أصابعي تنقر حروف الكمبيوتر، لكن هل من كلمات تصفه؟ هل من كلمات تنصفه؟  لا كلمات تصف ما حصل في الموصل ولا كلمات خرجت من فمي عندما ارتفعت عيني عن قميص أصفر مطعّم  بالدم لتلتقي بعيون حمراء لا تبكي.
بالحديث عن العيون، آمنة، وهي فتاة التقيتها في غرفة الطوارئ، كانت تبكي دما. هذه ليست مبالغة. لقد ذرفت دما ولم يسقط حرف العين سهوا هنا، لم يعد تعبير "بكى دما" ضربا من التهويل، لقد صار حقيقة.
كانت آمنة تبكي وتصرخ متسائلة: "هل سأعمى؟ أخبريني. هل ستنطفيءعيناي؟".
الإجابة: كلا! سترين! سترين كل شيء! ولكن ماذا هنالك ليُرى؟
كيف أختم المقالة؟ الموصل ما عادت خبراً جذاباً الآن. يقولون أن الأمورهدأت فيها. انتهت حكاية الثلاث سنوات وبدأت حكايا لن تُروى عن جرحى وثكلى ومفقودين لا تسع أوجاعهم شاشات الدنيا، وحتما لا يسعها هكذا مقال.