ثمّة شارع رئيسيّ واحد في مخيّم برج الشمالي القريب من مدينة صور البحريّة. كأنّه دائرة، وكأنّ السّاكن فيه يدور فيها طول الوقت، وكأنّه طول الوقت يسعى إلى الخروج. "كأنّ" تفتح دائماً باب المجاز، لكنّ اللجوء إلى المجاز فعلٌ تجميديّ وهو في الكلمات السّابقة يجعل مخّيماً للاجئين الفلسطينيين في لبنان يتلخّص في شارع دائري واحد ويتجاهل التفرّعات: الحياة.
إحدى تفرّعات الشارع (عاد الآن واقعيّاً) تُوْصلنا إلى جمعيّة الحولة الّتي أسّسها عام 1973 شبابٌ متحمّسون من المخيّم، أقاموا نشاطاتٍ فنّيّة استمرت حتّى جاء الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. الذين فرّوا من المخيّم بعد دخول جنود جيش أرييل شارون إليه كانت لديهم قصّة مروّعة مفادها أنّ أولئك الجنود ألقوا قنابل نابالم حارقة داخل أحد ملاجئ المخيّم: ملجأ الحولة. استشهد 96 شخصاً ممن كانوا محتمين فيه. بين الشهداء كانت جدّة أمّي وعمّتها مع ستّة من أبنائها، وبينهم كان أبناء كامل مشيرفة "أبو فادي" الذين كانوا من بين مؤسسي الجمعيّة. قرّر والد الشهداء أن يبقي على ذكراهم ويتابع ما بدؤوه فكان أن استعاد نشاط الجمعيّة وأن أقام لها مقرّاً عام 1996.
يستقبل أبو فادي ــ السبعينيّ الصّلب ــ هذه الأيّام شباباً متحمّسين شكّلوا فرقة موسيقيّة وأطلقوا عليها اسم "المنفيين". وهم يجرون تدريباتهم  في إحدى قاعات الجمعيّة تحضيراً لجولة سيصلون فيها إلى أربع مناطق لبنانيّة: بلدة برج الشمالي المتاخمة للمخيّم، ومرجعيون القريبة من الحدود مع الأراضي المحتلّة، والهرمل القريبة من الحدود مع سوريا، وبعقلين في جبل لبنان. تبدأ الجولة في شهر آب/ أغسطس القادم تحت اسم "تجوال المنفيين" وهدفها هو تحقيق تقارب مع المحيط اللبنانيّ والتفاعل مع موسيقيين من مناطق متنوّعة جغرافيّاً واجتماعيّاً. اسم المنفيين قادمٌ من حالات النّفي المختلفة التي يعيش الشباب آثارها: النكبة، وهزيمة 1967، واللجوء من سوريا. بهذا تعبّر الفرقة عن المجتمع الذي تأتي منه المتكون اليوم من الفلسطينيين لاجئي لبنان ولاجئي سوريا، ومن لبنانيين معظمهم من القرى السبع المشتركة بين لبنان وفلسطين والذين حصلوا على الجنسية اللبنانية في تسعينيات القرن الفائت، ومن سوريين قلائل.
و"المنفيين" يمكن أن تمثّل أيضأ المكوّن الأكبر في المخيّم: الشباب. ترتفع نسبة البطالة بين هؤلاء، وكثيرون منهم يسعون للهجرة ،كون البدائل الأخرى تنحصر في جمع محاصيل البساتين المحيطة بالمخيّم، أو العمل الحرّ، أو الاعتماد على تقديمات منظمة التحرير والأونروا المتناقصة، أو السعي للحصول على عمل في إحدى الجمعيّات الدوليّة الناشطة بكثرة والتي قلت فرص الفلسطينيين في العمل فيها أيضاً منذ بدأ التطبيق الصارم لقانون الجمعيّات الذي يمنع أن تزيد نسبة الموظفين غير اللبنانيين عن 10 في المئة.. و"غير اللبنانيين" تشمل أيضاً الموظفين الدوليين.
فرقة "المنفيين" تحاول تجاوز هذه الظروف والانطلاق منها إلى كسر الحواجز المادية والمعنوية بين المخيّم – أيّ مخيّم – والمحيط. ومع أنّ تجربة أعضاء الفرقة لم تبدأ إلّا منذ سنتين إلّا أنهم تمكّنوا حتى الآن من تقديم حفلات موسيقيّة في صور وصيدا وفي الجامعة الأمريكية في بيروت، وهي جعلتهم مقتنعين أنّ الموسيقى قادرة على تحقيق تفاعل مطلوبٌ جدّاً، وعلى تكوين صداقات وتوسيع آفاق. وها هم يتابعون استعدادتهم للجولة التي سيقدّمون فيها أغانٍ تراثية وسواها.. وإن لم ينتجوا أغانٍ أو قطعٍ موسيقيّة خاصّة بهم ويعتبرون أنفسهم هواةً، إلّا أن الشغف قد يقودهم إلى مراحل أكثر تقدّماً.
شي يوم مدري كيف
حطّوا حجار
فوق حجار
صاروا دار
هذه كلمات إحدى الأغاني التي ستقدّمها الفرقة في جولتها، وهي تعبّر بشكلٍ كبير عن مخيم برج الشمالي الذي احتاج بناء بيوته بعد سنوات قليلة من النكبة الى أن يتحايل القادمون الجدد على الطبيعة الصخريّة لمكان يرتفع قليلاً عن سطح البحر باستخدام أداة اسمها "مخل" مكوّنة من قضيب حديدي طويل تربط به أصابع ديناميت ويفجّر عن بعد فتصير الأرض منبسطة، قبل الانتقال إلى مرحلة صناعة حجارة من التراب والتبن والبدء ببناء البيوت التي استعيض بها عن الخيام. بعد ذلك بعقودٍ قليلة، سبّب الاجتياح الإسرائيلي في 1982 دماراً كبيراً تلته مرحلة إعادة إعمار قام بها أبناء المخيّم. اليوم يُمنع معظم الوقت إدخال مواد البناء، لكنّ الحاجة لتعمير طوابق جديدة للأبناء والأحفاد تجعل السكّان يترقّبون أيّ فترات سماحٍ قد تأتي.
هذا واقع يشبه المجاز.. قليلاً!