بتغيير كلمات قليلة في أمر تنفيذي سابق أصدره الرئيس الاميركي باراك أوباما بخصوص العقوبات الاقتصادية على السودان، أصاب دونالد ترامب الخرطوم بمزيج من الغضب والإحباط، وأعاد بعث الشكوك في علاقات البلدين. ترامب قرر تأجيل اتخاذ قرار نهائي برفع العقوبات إلى فترة ثلاثة أشهر أخرى، متعللاً بالحاجة إلى مزيد من الوقت للتأكد من أن السودان يحرز تقدماً متواصلاً في المسارات الخمسة التي حددها الاتفاق بين البلدين. كما أضاف إليها عاملين جديدين، وهما ملف حقوق الإنسان (بما في ذلك الحريات الدينية)، وضرورة تقيّد السودان بقرارات مجلس الأمن الخاصة بحظر التعامل مع كوريا الشمالية، بالإشارة إلى ما تردد عن رغبة الخرطوم في التعامل مع بيونع بيانع في مجال الأسلحة.
السودان قرّر في اليوم التالي تجميد التعاطي مع الولايات المتحدة لفترة ثلاثة أشهر تنتهي في الثاني عشر من تشرين الأول/ أكتوبر، بما يتطابق تماماً مع مهلة التمديد المقررة أميركياً.. ولو أن المعنى العملي لهذه الخطوة ليس واضحاً، ولكنها تشمل حلّ للّجنة التي كانت مسؤولة عن ملف التفاوض برئاسة وزير الخارجية ومدير جهاز الأمن..


مقاطعة أم تعامل؟


قرار واشنطن هذا سبقته جهود حثيثة من معسكرين، أحدهما يعتمد الاستراتيجية القديمة القائلة بضرورة عزل النظام السوداني عبر المقاطعة، لإجباره على تغيير سلوكه. وأبرز مكونات هذا

المعسكر، مجموعات اللوبي المسيحي، "هيومان رايتس ووتش"، والناشطين بقيادة منظمة "كفاية" التي يتزعمها جون برندركاست الذي عمل من قبل في إدارة كلينتون ويحظى بدعم وتمويل من النجم السينمائي جورج كلوني. ونجحت هذه المجموعة في جمع توقيعات من 53 من أعضاء مجلس النواب والكونغرس من الحزبين لتأجيل رفع العقوبات. أما في الجانب الآخر، فهناك من يرى ان العقوبات، وبعد حوالي عقدين من الزمن على فرضها، لم تحقق تقدماً يُذكر، وأن واشنطن فقدت بالتالي عامل التأثير، وأنه من الافضل التعاطي بصورة إيجابية لدفع الخرطوم إلى تبني مواقف أفضل. ويأتي على رأس هؤلاء المبعوثين السابقين برنستون ليمان ودونالد بوث والقائم بالأعمال الأميركي الأسبق في السودان جيري لانيير. وحصل هذا المعسكر على دعم مهم من "مجموعة الأزمات الدولية" (ICG) التي ترى في رفع العقوبات أفضل الخيارات السيئة الموجودة.


هل يمكن أن تؤدي خطوة واشنطن بالتأجيل، ورد الخرطوم بالتجميد، إلى مساجلة مفتوحة تعيد علاقات البلدين إلى مربع المواجهة الأول، أم هي خطوة محسوبة من قبل الخرطوم لإظهار امتعاضها ورسالة بأنها لا تزال تتشكك في نوايا وتصرفات واشنطن..


إلى جانب التضارب بين المجموعتين، تعاني إدارة ترامب من مشكلة هيكلية تتمثل في عدم نجاحها في ملء الوظائف الرئيسية التي تمثل العصب الأساسي لإدارة جهاز الدولة. وحتى الشهر الماضي، نجحت الادارة في ملء 111 وظيفة فقط من بين 1100 من الوظائف العليا والوسيطة التي يفترض أن تقوم بملئها، وهي التي تتولى تسيير جهاز الدولة. فوزارة الخارجية مثلاً لا تزال تعاني من عدم وجود نائبين للوزير ومن شغور 22 منصباً لمساعد الوزير، بما في ذلك مساعد الوزير للشؤون الافريقية الذي يقع السودان في دائرة أعماله، والشيء نفسه في مجلس الأمن القومي. كما أن الادارة لم تحسم أمرها فيما إذا كانت تريد تعيين مبعوث خاص إلى السودان أم لا. ولهذا فحديث واشنطن عن أنها تحتاج إلى مزيد من الوقت يحمل "رنّة صدق".. تخصها هي ووضعاً في الاعتبار حالة الفراغ التي تعيشها إدارة ترامب.


تجربة سابقة


ردّ الحكومة السودانية جاء بعد اجتماعات ترأسها الرئيس عمر البشير، وصدر عبر قرار جمهوري يبدو أنه يستلهم تجربة سابقة. ففي العام 2013، تم تعيين مبعوث أميركي جديد للسودان وجنوب السودان، دونالد بوث، وهو تاسع المبعوثين الاميركيين للسودان. وعندما وصل بوث إلى الخرطوم، إقتصرت لقاءاته على وكيل وزير الخارجية فقط وطلب منه أن تكون الأولوية لوضع خارطة طريق لكيفية تطبيع العلاقات بين البلدين، الأمر الذي يمكن أن يمهد للبحث في العديد من الملفات الأخرى، من أوضاع حقوق الإنسان والحرب في بعض مناطق السودان.
الخرطوم اتبعت القول بالعمل، ورفضت إعطاء تأشيرة دخول للمبعوث بوث إلى السودان لفترة قاربت العامين، وبدأ الوضع في التغيّر إثر زيارتين منفصلتين إلى واشنطن قام بهما كل من مساعد وزير الخارجية والمسؤول الأول لحزب المؤتمر الوطني الحاكم ابراهيم غندور، ووزير الخارجية علي كرتي، في مطلع العام 2015، حيث بدأ النقاش الجدّي حول خارطة الطريق، وتبلور فيما بعد في خمسة مسارات محددة هي: التعاون الاستخباري في مجال مكافحة الإرهاب، وقف أي تعامل مع "جيش الرب" اليوغندي، عدم التدخل في الأزمة بجنوب السودان والتوقف عن دعم المعارضة ضد الرئيس سلفا كير، إلى جانب قضيتين داخليتين وهما عدم شن عمليات عسكرية واسعة ضد المتمردين في ولايات دارفور والنيل الازرق وجنوب كردفان، وتحسين مرور الإغاثة الى المناطق المتضررة.
ترى هل يمكن أن تؤدي خطوة واشنطن بالتأجيل، ورد الخرطوم بالتجميد، إلى مساجلة مفتوحة تعيد علاقات البلدين إلى مربع المواجهة الأول أم هي خطوة محسوبة من الخرطوم لإظهار امتعاضها، ورسالة بأنها لا تزال تتشكك في نوايا وتصرفات واشنطن، وتتهمها بتحويل قوائم المرمى كلما اقترب السودان من تسجيل هدف، وهو ما يظهر هذه المرّة في إضافة موضوعات حقوق الانسان والحريّات الدينية وعدم التعامل مع كوريا الشمالية؟


في جانب التعاون الاستخباري بين البلدين (...) قام مدير وكالة الاستخبارات الاميركية جون بومبيو في بدايات تسلمه لمنصبه بدعوة مدير المخابرات السودانية إلى واشنطن،. بل هناك بعض التسريبات بأن الـ"سي.آي.اي" تعتزم جعل الخرطوم مركزا اقليمياً لنشاطها


يُلاحظ بداية أن رئيس البرلمان السوداني أعلن مسبقاً وقبل صدور قرار واشنطن، أنه من المهم عدم الإنفعال مهما كان رد إدارة ترامب، وضرورة استمرار التعاطي معها. كما بدأت ترتفع بعض الأصوات من القوى السياسية من خارج "حزب المؤتمر الوطني" الحاكم تقول إن مسألة الحوار مع الولايات المتحدة قضية جوهرية، وكان ينبغي أن تعرض على كلّ القوى المشارِكة في الحكومة لبناء توافق وطني حولها، لا أن ينفرد "حزب المؤتمر الوطني" بالقرار، لأن هذا الموقف هو أحد مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الذي تُعتبر الحكومة الحالية أبرز نتائجه.
الخرطوم ترى أن لديها بعض الأوراق التي ترغب بها واشنطن، ويمكن اللعب عليها. وتجري الإشارة في هذا الصدد وللتدليل على ذلك، إلى السماح لطائرات "اف.أم" الاميركية الصنع التي اشترتها السعودية بالمشاركة في عمليات تمرينات جويّة مع القوات السودانية، وكذلك تعيين ملحق عسكري أميركي ليقيم في الخرطوم، والسماح بتعيين ملحق عسكري مقابل في واشنطن.. والأهم من ذلك، دعوة رئيس هيئة الأركان السودانية إلى حضور مؤتمر لـ"الافريكوم"، وهي قيادة عسكرية للقارة الإفريقية تشرف عليها الولايات المتحدة، وذلك لأول مرّة منذ تأسيسها قبل عدة سنوات، على الرغم من أن وضع السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب يمنع وجود تعاون عسكري ملموس بين البلدين.
أما في جانب التعاون الاستخباري بين البلدين، فإن الإشادة العلنية من قبل مدير وكالة الاستخبارات الاميركية السابق على أيام أوباما، جون برينان، بالمخابرات السودانية ومديرها محمد عطا يبدو أنه متواصل في الإدارة الحاليّة، إذ قام جون بومبيو بدعوة عطا إلى واشنطن في بدايات تسلمه لمنصبه. بل هناك بعض التسريبات بأن الـ"سي.آي.اي" تعتزم جعل الخرطوم مركزاً اقليمياً لنشاطها.
ومثلما تتجاذب واشنطن التيارات المؤيدة لابقاء العقوبات وتلك الداعية الى الغائها، فإن الخرطوم تعيش وضعاً مشابهاً. فهناك من يرى النصف المملوء من الكوب وأن الخرطوم التي صبرت على العقوبات الأميركية عشرين عاماً يمكنها أن تنتظر 12 أسبوعاً إضافية، مع الاستمرار في التعاطي مع واشنطن في المسارات المحددة. بينما يرى الطرف الآخر أن الجري وراء سراب واشنطن لن ينتج عنه شيء، بدليل وعودها السابقة بحذف السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وإلغاء العقوبات اذا أبرمت اتفاقية سلام مع المتمردين في جنوب السودان، أو إذا وافقت على المضي قدماً في انفصال جنوب السودان.. ولم تفِ واشنطن بتعهداتها تلك، على الرغم من قيام الخرطوم بما عليها، وأن المطلوب اليوم هو تسجيل رسالة بأن الأمور لا يمكن أن تستمر على هذه الصورة.
تبقى النقطة المهمة وتتعلق بالمعنى العملي لخطوة تجميد التفاوض مع واشنطن هذه، والسؤال عما إذا كانت ستقتصر على الاعلان أم أنها تتضمن محتوى أعمق يشير الى إعادة النظر في المسارات الخمسة، مثل وقف التعاون الاستخباري خلال هذه الفترة، أو العودة الى تقييد عمل منظمات الإغاثة، أو التدخل في شؤون جنوب السودان.. مما يشير الى مقدرة الخرطوم الى إيقاع شيء من الضرر على واشنطن كذلك.