عن انكيفادا


ريم بن رجب


تنويه هام قبل البدء: نودّ التنبيه الى أنّ كلمة زنجي عند الجغرافيين العرب لا تطلق إلا على أهل منطقة الساحل الشرقي لافريقيا وسكانها السّود، ولا يقصد بها السب ولا العنصرية اذ أنّها ليست لفظة عنصرية بل مصطلح للتعريف كما الفرس والروم والحبشة.مفهوم الزنوج توسّع لاحقا ليشمل أي شخص أسود البشرة وأصبح يستخدم، عند شرائح مختلفة، استخدامًا عنصريًا.


انطلقت الحكاية مع سيدي سعد، ذلك الوليّ الصالح الذي ارتبط اسمه بملحمة عنوانها الشجاعة. هو زنجي أصيل بورنو (شمال شرق نيجيريا) أتى من اسطنبول إلى تونس إبّان القرون الوسطى وتحديدا في القرن الثالث عشر، عندما بلغت العبودية ذروتها نتيجة نظام إقطاعيّ منح الأثرياء السلطة المطلقة على الأراضي وعلى ضعاف الحال. سيدي سعد هو، في الآن ذاته، ذلك الوليّ الصالح الذي ارتبط اسمه أيضا بموسيقى الزنوج في تونس، مثلما ارتبطت موسيقى الديوان في الجزائر بسيدي بلال.

تتجمع العديد من الفرق الزنجية في تونس حول سيدي سعد الذي يقع ضريحه جنوب العاصمة في سهل مرناق. ويروي أنصاره ومُريدُوهُ أنّه كان الأوّل من بين رفاقه الثلاثة (سيدي فرج وسيدي حلاب وسيدي بوسعيد) خلال اختبار الإيمان الذي فرضته قوّة خارقة عليهم حيث قبِلَ الموتَ وارتقى الى مرتبة الأولياء الصالحين، بحسب ما تذكره هاجر الزحزاح في بحثها الجامعي حول “الثقافة الزنجية في تونس: دراسة حالة السطمبالي” (1989).
جاء ميلاد السطمبالي -وفق هيكل الحزقي المهتمّ بموسيقى الزنوج- تطهيراً روحياً من قرقعة سلاسل العبودية التي رافقت رحلة السود والأحباش القادمين من جنوب شرق إفريقيا وبحيرة التشاد إلى أسواق النخاسة. كان هؤلاء يطرقون سلاسل الحديد ويرافقون الإيقاع بهمهمات تكتنز ألماً وغضباً.
يضيف الحزقي في هذا السياق، في دراسته المُعَنوَنَة “السطمبالي التونسي : سجع السلاسل ورنين الأصفاد” والمنشورة في موقع “معازف” شارحا الجذور التاريخية لهذه الموسيقى:
“المكوّن التاريخي لتوطين هذه الموسيقى في تونس لا يعود فقط إلى جذور استعبادية، بل استقر جزءٌ منها نتيجة التجارة وأغراضها بين القوافل العابرة لصحارى إفريقيا وبلدان المغرب، والتي ازدهرت في تونس خاصة بعد إلغاء الرق رسمياً سنة 1846.” هيكل الحزقي.
نُسبت موسيقى السطمبالي، وفق المصدر ذاته، خطأً إلى الباشا آغا السطمبولي الذي ينحدر من مدينة إسطنبول التركية، بينما تعود طرق العزف التي نراها في السطمبالي التونسي إلى جماعة سعد الشوشان أو بوسعدية، والذي يعتبر أحد الأولياء الصالحين.
ويذهب الحزقي الى تثبيت الوازع الصوفي الذي طغى على إرهاصات هذه الموسيقى في بداياتها، إلا أنه يعتقد أنّها انفتحت فيما بعد على عوالم الطبيعة وتجاوزت “لاَزِمةَ التصوّف ومعالجة الأرواح”.

لم يعد السطمبالي، ذو الأصول الإفريقية، في تونس حكرا على الزنوج منذ منع العبودية ومنذ أن خرج عدد من شيوخ الإسلام برأي دغمائيّ مفاده أن هذه الموسيقى “إشراك بالله وكفر به” شأنه شأن الاحتفاء بالزوايا ومقامات الصالحين والتبرّك ب”كرماتهم” وفق ما يتداوله عدد من مريدي موسيقى السطمبالي.
تحريم موسيقى الزنوج كان سببا مباشرا في تقلّص عدد المنتمين إلى فرق السطمبالي، في وقت ما، ولكنّه لم يحدّ من انتشار هذا النمط الموسيقيّ الذي كان ومازال، ولو نسبيا، يضطلع بدور علاجيّ من خلال حالة التخميرة التي تنتاب المُنتشين والراغبين في طرد الأرواح الشريرة. موسيقى القناوة في المغرب ذات الأصول المالية، قالوا عنها أيضا انّها “موسيقى الشيطان” لممارسة روّادها طقوسا روحانية تبدو للبعض غريبة.
 

لقراءة النص الكامل