ليس من الهيّن أن تعيش من دون قطرة ماء، وليس من السهل مقاومة العطش. لكنّ الأمر أضحى واقعاّ مفروضاّ على سُكّان مدينة زاكورة في المغرب، وما جاورها من مناطق تغلب عليها قسوة الظروف المناخية.
تقع منطقة زاكورة عند خاصرة المغرب  في الجنوب الشرقي بمحاذاة الحدود مع الجزائر. تنتمي هذه المنطقة لما يُعرف بـ"المغرب المنسيّ" أو "المغرب غير النافع": مناخ شبه صحراوي، جاف وقاري، نخيلٌ كثير وتمر وفير، لكن سؤال الماء يقضّ مضجع السواد الأعظم من قاطنيها.


معاناة


مياه مدينة زاكورة مالحة وغير صالحة للشرب. هذا هو الحكم الذي يصدر عند شرب أول قطرة ماء هنا. لهذا يُضطر السكّان للاستعانة بمياه الآبار، التي تأتي من مناطق مجاورة بواسطة بائعين متجولين عبر دراجات نارية ثلاثيّة العجلات. هذه المياه، على الرغم من أنها ليست مُعَالَجَة، ولم تتعرض لمراحل التصفية، إلا أنها تُعتبر البديل الوحيد المتوفر. مُقابل درهم أو درهمين يشتري سكّان هذه المنطقة ما لا يتعدى الخمسة ليترات من المياه.
مدينة زاكورة ليست وحدها من يعاني من هذه المشكلة. المراكز الحضرية، أو البلدات والقرى هي الأخرى تكتوي من العطش الذي قد يطول لأيام وأسابيع. تختلف تفاصيل المعاناة بين مناطق الشمال والجنوب في اقليم زاكورة، فمناطق الشمال كـ"النقوب"، "تازارين"،

"تغبالت"، "بني زولي" و"تانسيخت" لديها نظام توزيع يومي (وأحياناً شبه يومي) يكفي لسدّ حاجة العطش والاستعمالات الأخرى. لكن في بعض الظروف قد يلجأ سكّان هذه المناطق إلى التخزين، فهم قد يصادفون من دون أيّ إشعار انقطاعاً في المياه لأيام طويلة. وأحياناً، وحتى لو تمّ الافراج عنها، يُفاجؤون بمياه ملونة باللونين الأصفر والبني.
يختلف الأمر في منطقة "لكتاوة". ففي دواوير ك"تيراف"، "القصر الكبير"، "القضية" و"الحدب"، يأبى السكّان غدر الزمن فيتحدّون العطش أياماً طويلة املاً بقطرات معدودة صالحة للشرب، لعلّ وعسى تُؤَمِنُ لهم رأسمالهم الحيوي من الذهب الازرق.
الماء هنا ثروة لا تُعادلها السندات السويسرية بنظر السكّان. فهي تأتي حسب حصة كل دوار وقصر، قد تكون الحصة غير عادلة أو أنّها تتجاوز المسموح به. ينتظر السكّان في بيوتهم، وبعد صبر كبير، يفتحون الصنبور فيتفاجؤون كالعادة بخيط رفيع ونحيف يتدفّق بصعوبة ليملأ لهم سطلاً في فترة نصف ساعة أو ساعة كاملة. ولأنه لا يتم اشعار السكان بموعد وصول المياه، ولأنها قد تنقطع بغتة، يضطر الأهالي إلى مراقبة وصول المن والى البقاء في المنازل حين يصل من أجل ملىء العبوات والخزانات. طبعاً الكمية لا تكفي لسد الظمأ، فما بالك بالاستعمالات الأخرى؟
 

الماء هنا ثروة لا تُعادلها السندات السويسرية بنظر السكّان. فهي تأتي حسب حصة كل دوار وقصر، وقد تكون الحصة غير عادلة أو أنّها تتجاوز المسموح به. ينتظر السكّان في بيوتهم، وبعد صبر كبير، يفتحون الصنبور فيتفاجؤون كالعادة بخيط رفيع نحيف يتدفّق بصعوبة ليملأ لهم سطلاً في فترة نصف ساعة أو ساعة كاملة


دوار زاوية "سيدي صالح" التابع لمنطقة "تاكونيت"(70 كليومتر جنوب زاكورة)، يختلف نظامه المائي عن دوار "تيراف". فعلى الرغم من القرب الجغرافي، فإن الدوّار يستفيد من حصة من الماء المالح الموزّع على صنابير البيوت، بمعدل ثلاث مرات في الأسبوع، لكنه أجاج  مالح. أمّا السكان فيضطرون بشكل شبه يومي، لوضع عبوات بلاستيكية على رصيف الطريق لملىء ما تيسّر ممّا تقدمه صهاريج الدولة، فلكل شخص الحق في 5 ليترات من المياه فقط من دون أي زيادة أو نقصان.
 

أمّا البطيخ.. فهدية


تُنتج هذه المنطقة الجافّة وشبه الصحراوية والتي تُعاني من ندرة التساقطات المطرية، بطيخاً أحمر طازجاً وحلو المذاق. البطيخ يحتاج لكميات كبيرة من المياه الحلوة.. فكيف ذلك والناس عطشى؟
بدأت قصة البطيخ منذ العام 2003، تحديداً في منطقة الفايجة التي تبعد عشرات الكيلومترات عن شرق مدينة زاكورة، عندما قرّر الفلاحون زراعته على سبيل التجربة. كانت النتيجة مثمرة وناجحة، فازداد الطلب عليه محليّاً ووطنياَ حتّى صارت هدية لكل المغاربة، فهو الأجود والأفضل في السوق ويباع بثمن مناسب.
البطيخ أو "الدلاح" كما يحبّ المغاربة تسميته، يستهلك آلاف الأمتار المكعبة من المياه الجوفية والباطنية لآبار من المفروض أن توجّه مياهها لصنابير المنازل. لكن للسوق منطقه وللمستمثر جشعه وللزبون حاجته.
في أيّار/ مايو من كل عام، حيث تسْقط الشمس بلهيبها الشديد على أجساد أنهكها العطش، تسبق زاكورة كل المواعيد المعتادة لجني البطيخ في الأسواق كما في الساحات وجنبات الطرق. ترى عربات وشاحنات متوسّطة، عارضةً أشهى وألذّ بطيخ أحمر مُكوّن من 92 في المئة من الماء. طبعاً لن يسأل أحد نفسه من أين أتى وكيف تمّ ريّه؟


الأرض لو عطشانة...


وهل مازال العيش ممكنا في قطعة من العطش؟
ما زال ممكنا لكن مع وجود الغلّة.

على الرغم من العطش، ما زالت الأرض ولاّدة في مناطق زاكورة شبه الصحراوية. فمع وادي درعة الموسمي وشبه الجاف، يستطيع المزارعون أن يتنفسوا الصعداء لكن بشكل حذر. هذا النهر الذي يبدأ مساره شمالاً من ينابيع الأطلس الكبير، تُقطع أوصاله عند سدّ أحمد المنصور الذهبي في منطقة وزرزارت ليُزوّد سكّان المنطقة بالماء الصالح للشرب. ما تبقى منه يُكمل مساره نحو مناطق زاكورة، يزداد و ينقص منسوبه حسب الموسم المطري، ليتسلّل إلى قنوات مائية تُسمى محليّاً بـ"الساقيات"، تروي الأراضي البُنِيَّةَ العطشى.
المناخ هنا ليس مطريّاً بشكل منتظم. ولا تتعدّى مدّة هطول الأمطار  اليومين أو الثلاثة أيّام طيلة موسم فلاّحي، بمتوسط  سنوي لا يتجاوز 61 ميلمتراً. على الرغم من ذلك، فتوزيع مياه الوادي وأحيانا مياه الآبار، يُحيي الأمل عند سكّان المنطقة. فمن شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، يبدأ الريّ على دفعات ثمّ ينتهي عند حدود شهر شباط/فبراير، حسب الكمية المتاحة.
لكنّ التوزيع غير متكافئ  بين مناطق الشمال والجنوب، فالشمال يحظى بايجابية قربه النسبي من السدّ فيحتفظ مجرى النهر بكميات من المياه لا تنضب إلا في حرّ الصيف الشديد. فيما يجفّ النهر في مناطق الجنوب، خصوصاً الوسطى منها كمنطقة "تامكروت"، "تاكونيت" و"لكتاوة"، في حين يحتفظ بما تيسر للريّ في آخر نقطة في الإقليم، "لمحاميد الغزلان"، (98  كيلومتراً جنوب زاكورة).
 

قد يتساءل المرء لماذا يسقي السكان أراضيهم وهم يئنّون من العطش؟ أليس الإنسان أولى من الأرض؟ "الأرض أولى من الإنسان، ولو كانت عطشانة نرويها بأغلى ما نملك".. فلا خير ولا عيش من دون كلأ يسدّ جوع البهائم وقمح وشعير يُؤَمِن غدر السنين..


قد يتساءل المرء لماذا يسقي السكان أراضيهم وهم يئنّون من العطش؟ أليس الإنسان أولى من الأرض؟
"الأرض أولى من الإنسان، ولو كانت عطشانة نرويها بأغلى ما نملك". ربّما تذكرنا هذه الكلمات بمقطع سينمائي مؤثر من فيلم "الأرض" للمخرج يوسف شاهين، عندما يتشبت السكان المحليين بالأرض ولو على حساب عطشهم ودمائهم، وكل ذلك دفاعا عن كرامتهم في وجه المحتلّ.
المؤكد أن مقولة الخير في وفرة الغلّة لها مصداقيتها، فلا خير ولا عيش من دون كلأ يسدّ جوع البهائم وقمح وشعير قد يُؤَمِن غدر السنين..
لعل جُلّ الزاكوريين ليسوا متشبثين بالارض على  غرار ما يقدمه فيلم "الأرض". إنّ قساوة الظروف والمناخ  والتوزيع غير العادل للثروات وتهميش المنطقة من قبل السلطات المركزية، يدفع الفرد حتماً إلى حمل حقائبه نحو وجهات "نافعة"، فمن أكادير إلى الدارالبيضاء ومن الرباط إلى طنجة، لا يتوقف النزوح بحثاً عن كسرة خبز أو فرصة عمل، وهرباً من شظف العيش.


لكن هل تكفي هذه الكمية للعيش؟


علّمت التجربة سكّان منطقة زاكورة أن يتعايشوا مع قلق الماء. فإن تجاوز الصبر حدوده، ينتفضون، يحتجون ويطالبون بحقهم الطبيعي أمام البلديات والمحافظات ومصالح المياه. وكالعادة يسمعون  وعوداً الواحدة تلو الأخرى، ثمّ تمرّ الفصول بِقَرِها وحرها، يتمّ خلالها بناء خزان هنا واجراء إصلاح هناك على فترات متباعدة. لكن الحال يظلّ يراوح مكانه، فلا يمرّ عام بلا عطش. فهل هو  قدر محتوم؟ أم أن الدولة ركنت المنطقة في خانة "المغرب غير النافع" إلى الأبد؟