نُشر النص الأصلي لهذا الموضوع في موقع "مدى مصر"، وهو منصة إلكترونية تأسست في مصر، ونعيد نشره هنا بالاتفاق مع الموقع. في إطار حملتها المستمرة للتضييق على الصحافة، حجبت السلطات المصرية "مدى مصر"، ضمن مواقع أخرى. والتزمًا منا بمبدأ حرية الصحافة واستقلاليتها، يقوم "السفير العربي" بإعادة نشر نصوص ينتجها "مدى مصر" لمساعدة الموقع في التغلب على إجراءات الحجب والوصول إلى القراء داخل مصر.
 

جيلان زيان

ترجمة: عبد الرحيم يوسف


كانت لدى والدي عادة غريبة؛ هي أن يخفض من صوت راديو السيارة كلما مرت بجوارنا سيارة شرطة. طوال طفولتي في لندن، كنت ألاحظ  سلوكيات أخرى غريبة – ألا نذكر لقبنا العائلي أبدا على الملأ، أن نتكلم بالهمس دائمًا عند الوقوف في طابور. لم يكن يطالب أبدًا بأي عوائد من الدولة ولم يكن يجعلنا نتلقى علاجًا من خدمة التأمين الصحي الوطني. كنا منفيين سياسيين هربوا من ليبيا عام 1978 واستقر بهم المطاف أخيرًا في انجلترا. ومهما قضينا من عقود هناك، كنا مازلنا ضيوفًا. كان لزامًا علينا أن نُبقي رؤوسنا مطأطئة وأن نظل غير مرئيين قدر المستطاع حتى نعود إلى الوطن.

كان رحيل أسرتي المفاجئ من ليبيا قد قادنا أولًا إلى روما؛ حيث أقمنا في شقة قريبة من الفاتيكان. كنت في السادسة من عمري ذات صباح خريفي عام 1980 عندما تلقى والدي مكالمة من قريب لنا كان يعمل لدى الحكومة الليبية، يخبره فيها أن اسمه قد ظهر في قائمة «التصفيات». استقل أبي أول طائرة مغادرة البلاد إلى أمستردام. صدمتني خطورة الوضع عندما أسلمتني أمي أنا وإخوتي إلى عناية مربيتنا؛ موضحة أنها هي الأخرى مضطرة إلى السفر على الفور. عرفنا فيما بعد أنها قضت أسبوعين كي تأتي بالمال ووثائق السفر اللازمة لحياة جديدة في مكان آخر. خلال ذلك الوقت ظللنا مع بايس؛ وهي امرأة نشطة كان زوجها يعمل سجَّانا. كان مجمع سكن العاملين في نظام السجون الإيطالي هو رهان والديّ الأفضل لبقائنا آمنين، لكنه تركني أنا وأختي حائرتين في السبب الذي يجعل رجالًا يرتدون أزياء رسمية خضراء يعتنون بنا.

عندما استقررنا أخيرًا في لندن، كان بيتنا بيتًا إنجليزيًا عاديًا من بيوت الضواحي، باستثناء أنه كان مزودًا بأنظمة إنذار متعددة وبوابات تأمينية. كنا أنا وإخوتي كل مساء نتعارك حول من حان دوره في القيام بالروتين الممل المتمثل في إغلاق الأبواب والنوافذ. كان هذا النظام الأمني قد وُضع لأننا عدنا إلى البيت ذات يوم لنجد المكان مقلوبًا رأسًا على عقب، لكن دون فقد أي شيء. شكَّت السلطات البريطانية في عملاء القذافي، ونصحتنا بالانتقال إلى مكان آخر مؤقتًا بينما نقوم بتأمين البيت. نقلت أمي أمتعتنا في أكياس بلاستيكية طوال أسابيع عديدةن واتخذت مسارًا مختلفًا إلى البيت الجديد كل مرَّة، خشية أن يكون هناك من يتتبعنا.

حذرنا والدانا مرارًا وتكرارًا ألا نذكر أبدًا أننا ليبيون. لم يمثل هذا تحديًا كبيرا خاصة وأننا كنا قد اكتسبنا لهجة أمي المصرية. لكن ظل السؤال اللطيف «من أين أنتِ؟» دائما يعتصر معدتي بقبضة محكمة. في تلك الأيام كانت أشياء قليلة هي التي يتم شرحها للأطفال. وفي خيالي، كان الخطر يتخذ بُعدًا يليق بالقصص المصورة ذات الأبطال والأشرار المرتدين أزياء خاصة.

لم يحدث مكروه لأسرتنا، لكنه حدث لكثيرين آخرين. ففي عام 1990، وعندما كان هشام مطر في التاسعة عشر من عمره؛ تم خطف جاب الله مطر – والده الذي كان شخصية هامة من المعارضة الليبية في الخارج – من منزلهم في القاهرة وإرساله إلى السجن في ليبيا. وقد وجدت في كتابه (العودة: الآباء والأبناء والأرض بينهما) والذي فاز بجائزة بوليتزر في السيرة الذاتية لعام 2017 الشهر الماضي، سردًا يفطر القلب لما يمكن أن تكونه السياسة الشخصية بالضبط.

قبل أن أسمع باسم هشام مطر، عرفت مَن هو والده. فعندما كنت في الخامسة عشر من عمري شاهدت أبي وأصدقاءه يتجمعون معًا في ركن من بيتنا ليناقشوا عملية اختطافه التي تمت وقتها. مع كل خبر لأي اختفاء، كان بيتنا يعج بالحركة. كانت هناك اجتماعات ومكالمات تليفونية دولية لمحاولة معرفة ما حدث لأشخاص مثل جاب الله مطر وعزت المقريف، اللذين اختفيا في القاهرة في نفس اليوم. بعد ثلاث سنوات جاء اختفاء منصور الكيخيا – وهو وزير خارجية سابق وصديق مقرب للعائلة تم اختطافه في القاهرة وإعدامه لاحقًا في ليبيا. طوال السنوات التالية، سمعت أسماء أخرى كثيرة وقصصًا عن معارضين تم القبض عليهم، وقُتلوا أو اختفوا في طرابلس أو روما أو لندن أو بون.

كان جاب الله مطر ضابطًا في الجيش الليبي عندما استولى الشاب معمر القذافي على السلطة يوم الأول من سبتمبر عام 1969. ورغم فترة اعتقال قصيرة مع آخرين من كبار ضباط الجيش، ظل متمسكًا بأمله في عصر جمهوري حديث. يقول هشام مطر: «استغرق الأمر بضعة سنوات – بعد أن ألغى القذافي كل القوانين الموجودة وأعلن نفسه بحكم الأمر الواقع قائدًا إلى الأبد – كي يكتشف أبي الطبيعة الحقيقية لنظام الحكم الجديد». غادرت الأسرة ليبيا إلى مصر عام 1979.

كان عِقد الثمانينات بشكل خاص فترة مظلمة من حكم القذافي. كان يجري تجميع المعارضين وتعذيبهم أو قتلهم، وأحيانا شنقهم في الميادين العامة. وكان يتم إرسال فرق الموت التابعة للقذافي للقضاء على «الكلاب الضالة» في البلاد المجاورة والمدن الأوروبية. كان الليبيون يعيشون في خوف من الليبيين الآخرين. يكتب هشام مطر: «كان الالتقاء بمن يتحدث لهجتنا خلال تلك السنوات أمرًا مقلقًا دائمًا، يثير داخلي، وبنفس القوة، كلا من الخوف والحنين».

عندما بلغ الثانية عشر، وضعته أمه على متن طائرة متجهة إلى جنيف. كان والده سيلتقطه في المطار. وإذا لم ير هشام والده عند الوصول، كان لا بد أن يتصل به مستخدمًا اسمًا مستعارًا. لم يكن ينبغي عليه تحت أي ظرف من الظروف أن يستخدم اسم والده الحقيقي. وعندما وجد الإثنان بعضهما البعض أخيرًا، تساءل هشام: “لماذا لم يكن بمقدوري أن أقول اسمك ببساطة؟ مم تخاف على أي حال؟»، وبينما كان يمشيان عبر الزحام، مرَّا برجلين يتحدثان باللهجة الليبية ويبحثان عن جاب الله مطر.

قامت السلطات المصرية بالقبض على جاب الله مطر من بيته في القاهرة في مارس 1990. وبعد سنوات عديدة، تلقت الأسرة خطابًا من جاب الله قال فيه إنه نُقل إلى ليبيا بالطائرة وأُخذ إلى سجن (أبو سالم) سيء السمعة في طرابلس. ولم يسمع أحد عنه شيئًا بعد ذلك أبدًا.

طوال العِقدين التاليين، كافح هشام كي يحصل على إجابات حول اختفاء والده، متتبعًا كل شذرة من المعلومات تصادفه في طريقه. وقاده بحثه إلى مقابلة سجناء ليبيين سابقين ودبلوماسيين ونشطاء وسياسيين ورجال أعمال. من بين لقاءاته لقاء مع وزير الخارجية البريطاني وقتها ديفيد ميليباند، الذي أزعجته «الضوضاء» التي أثارتها حملة هشام، ولم يؤد هذا اللقاء إلى أي نتيجة. وكذلك سلسلة من المراسلات السريالية مع ابن القذافي: سيف الإسلام. فبعد تقارب بين بريطانيا وليبيا عام 2004، كان سيف الإسلام يسعى إلى وضع نفسه كواجهة للإصلاح، ورحبت به مؤسسة بريطانية تسعى إلى إعادة تسويق القذافي وتمهيد الطريق لصفقات نفط مربحة.

لم ينتج عن بحث هشام إلا الإدراك المؤلم أن أيًا كان مقدار التنقيب فلن يكشف أبدًا عن إجابات قاطعة. «عندما أسر القذافي أبي، وضعني في مساحة لا تزيد كثيرًا عن الزنزانة التي كان فيها أبي». يعتقد هشام الآن أن السيناريو الأكثر احتمالًا هو أن والده كان واحدًا من 1270 سجينًا تم إعدامهم في مذبحة سجن (أبو سالم) عام 1996.

مثلما فعل في كتابيه السابقين: «في بلد الرجال» و«تشريح الاختفاء»، يعرض هشام مطر كيف تترجم السياسة نفسها داخل بيوت الناس، كيف لها أن «تضع أُمَّة ضد الوقائع الحميمية لأسرة». في مقطع مؤثر على نحو خاص من كتاب «العودة» يصف مطر كيف كانت أمه – وهي لا تعرف إن كان زوجها حيًا أم ميتًا – تسجل بالفيديو من أجله مباريات كرة القدم لفريقه المفضل. «عندما كان أبي يغيب في العمل، كانت أمي تسجل بالفيديو كل مباراة من مباريات الفريق. واستمرت تفعل ذلك بعد اختطافه، ولم تكن تسجل فقط تلك المباريات الخاصة بذلك الفريق الألماني؛ ولكن كل مباراة كرة قدم مذاعة، مهما كانت غير هامة»، واستمرت تفعل ذلك لمدة ثلاث سنوات.

يتحرك الكتاب إلى الخلف وإلى الأمام بين مراحل مختلفة من حياة هشام مطر وزيارته لليبيا عام 2012 بعد ثلاثة عقود في المنفى. أثناء انتظاره للصعود على متن رحلته إلى بنغازي، يشعر بالقلق من أن عودته “ستسلبني مهارة عملت جاهدًا على صقلها؛ ألا وهي كيف أعيش بعيدًا عن الأماكن والناس الذين أحبهم». طوال التاريخ، كما يقول، كان كل واحد من الكُتَّاب والمفكرين المنفيين من أوطانهم «يحاول، بطريقته الخاصة، أن يشفي نفسه من بلده».

لكن أرض الوطن هي وهم الإحساس بالطرف المبتور بالنسبة للمنفى؛ حيث يكون ألمه المتواصل مُذكّرًا بغيابه. إن التهديد المستمر بالخطر، والعصبية والقلق اللذين عاش الليبيون في ظلهما، كل ذلك علَّمنا أن نسير في الحياة على أطراف أصابعنا. لقد مرت سنوات قبل أن تسمح لنا ثورة 2011 أن نضع كعوبنا بثبات على الأرض – رغم أن ذلك لم يدم إلا لوقت قصير.

يصل هشام إلى ليبيا أثناء انفراجة قصيرة من الشعور بالنشوة، عندما بدا كل شيء يسير في الاتجاه الصحيح. لم تعد السياسة عدوا؛ وفي الحقيقة، لقد منحت القوة لهؤلاء الذين كانوا قد استسلموا منذ زمن طويل. ابن عم هشام «تحوَّل من كونه وكيل نيابة اشتهر بعدم قدرته على النهوض من الفراش قبل الظهر إلى واحد من أنشط وأفصح المطالبين بحقوق الإنسان، وأهمية وحصانة المؤسسات القانونية»، و«الصحافة الليبية، تلك المؤسسة الهشة والمهشمة، كانت تشهد طفرة جديدة».

كنت في ليبيا في نفس الوقت. كانت أول رحلة عودة لأبي بعد ثلاثة عقود. كان العشرات من أفراد العائلة يستقبلون العائدين في المطار ويصطحبونهم إلى البيوت في موكب من السيارات، أبواقها تُدوّي مثلما في مواكب الزفاف. وكان المرشدون السياحيون في الأطلال الرومانية لمدينة لبدة الكبرى – التي هُجرت لزمن طويل بسبب غياب السياحة – يعيدون حكي تاريخ المكان بحماس مُعدٍ. وتم استبدال علم القذافي الأخضر الكئيب بعلم جديد للثورة مليء بالألوان ويزدان بهلال ونجمة. كان الجميع غارقين في الاحتمالات اللانهائية – السياحة، الوظائف، الرخاء، الانفتاح، الديمقراطية، الحقوق، الحرية. كانت تلك لحظة شعر فيها هشام وهو يجلس قرب البحر «بقناعة واضحة ومحددة أن العالم في متناولي».

لكن لم تكد البلد تأخذ أول أنفاسها العميقة بعد 42 عامًا، حتى بدأ كل شيء في الانحلال. انهارت المؤسسات الضعيفة، تاركة المساحة مفتوحة على اتساعها للميليشيات المسلحة، ذات الداعمين الأجانب غالبًا. مثل جميع الديكتاتوريين، كان القذافي قد دمر الروابط التي تجمع شمل المجتمع. غدت البلاد متورطة في حرب أهلية دموية تتنافس فيها الجماعات على السلطة والأرض والنفط. يقول هشام مطر: «سوف يغدو الموقف قاتمًا لدرجة أن ما لا يمكن تخيله سيحدث: سيصل الأمر بالناس إلى أن يتوقوا لأيام القذافي».

كتاب «العودة» هو أشبه بترتيلة جنائزية على أب مفقود وبلد ضائع، ترتيلة تتعامل مع الأسى بغنائية رقيقة وهدوء مُقلق. يستحضر هشام مطر جزع الحياة في المنفى، والخوف من نظام يمكن أن يوجه ضربته في أي وقت، والبهجة والتخوف من العودة للوطن، والإرث القبيح الذي تخلفه الديكتاتورية وراءها. عبر قصته الشخصية، يتمكن مطر من أن يحكي قصة مئات الليبيين وعائلاتهم الذين فروا من البلاد. بالنسبة لي، هو يصور بدقة مؤلمة الكُلفة الشخصية لتحدي ديكتاتورية القذافي؛ ذلك التحدي الذي دفع البعض من أجله ثمنًا أفدح بكثير مما دفعه آخرون. لقد شكل هذا جماع حياتنا وشخصياتنا، بطرق مختلفة، كبيرة كانت أو صغيرة.