"الفواتير" كما يقولها المستقرون فى أحيائهم منذ مئات الأعوام، أو "العوائد" كما تقولها الجماهير المتراكمة فوق بعضها البعض في "العشوئيات"، هي إحدى الترجمات الأصيلة للأوضاع الاقتصادية فى مصر، بعيداً عن مؤشرات البورصة وتقارير الجهات الرسمية. فعلى الرغم ممّا يعتقد به رئيس الجمهورية المصرية عبد الفتاح السيسي ويعبر عنه في كل خطاب رسمي، من أن المصريين يمكنهم تحمّل مغبة سياسات الإصلاح الاقتصادي بكل شموخ واعتزاز، فإنّ المخاوف الحقيقية لدى غالبية المصريين هي أن تستمرّ موجات الغلاء الطاحنة في الإرتفاع، بدءاً من أسعار الوقود والخدمات مثل الكهرباء والماء وصولاً لأسعار السلع، ناهيك عن التعليم والصحة.


فاتورة الكهرباء.. ولوازمها


وفقاً لأوراق إغلاق الموازنة لمحافظة القاهرة في حزيران/ يونيو من العام 2011، فإن متوسط ما كان يتم تحصيله شهرياّ من سكان أحياء القاهرة من فواتير الكهرباء يصل إلى 200 مليون جنيه، تدفعها نحو 4 ملايين أسرة. بينما يصل الرقم فى محافظة الجيزة إلى 50 مليون جنيه، يتمّ تحصيلها من مليون أسرة. اذاً، وإذا ما تمّ تعميم هذا المتوسط على سكان جمهورية مصر العربية، فإن هذا يعني أن ما يتمّ تحصيله شهريّاً (من نحو 30 مليون أسرة) يصل إلى مليار جنيه.
جاءت هذه التقديرات وفقاً لـ"قيمة التعرفة" التي وضعتها الحكومة في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2010. ووفقاً لتلك التقديرات، فهناك ست شرائح يتمّ من خلالها حساب قيمة فاتورة الكهرباء:
- الشريحة الأولى التى لا يزيد استهلاكها عن 50 ك.س، تدفع شهرياً 2.50 جنيه، إذ يتم حساب سعر الكيلووات الواحد بـ5 قروش.
- الشريحة الثانية التي تستهلك ما بين 50 و200 ك.س، وقيمة فاتورتها 19 جنيهاً.
- الشريحة الثالثة التي تستهلك ما بين 200 و350 ك.س، وتصل قيمة فاتورتها إلى 43 جنيهاً.
- الشريحة الرابعة التي تستهلك ما بين 350 و650 ك.س، ترتفع قيمة فاتورتها إلى 115 جنيهاً دفعة واحدة، بحيث يتمّ حساب ثمن الكيلووات الواحد بـ24 قرشاً.
- الشريحة الخامسة التي تستهلك ما بين 650 وألف ك.س شهريّاً، فتصل قيمة فاتورتها إلى 731 جنيهاً، بحيث يقارب سعر الكيلووات الواحد 50 قرشاً.
- الشريحة السادسة والأخيرة، التي يزيد استهلاكها عن 1000 ك.س شهريّاً، تصل إلى 731 جنيهاً بحيث يقارب سعر الكيلووات الواحد 50 قرشاً.
 ووفقاً للزيادات الأخيرة التي تمّ إقرارها قبل أيام، فقد ارتفع سعر الكيلووات للشريحة الأولى من 5 قروش إلى 13 قرشاً أي بزيادة 150 في المئة.
أمّا الشريحة الخامسة، التي يقع استهلاك أغلب المصريين عموماً فيها، فقد وصلت الزيادة إلى 75 قرشاً بدلاً من 24 قرشاً.
بينما الشريحة السادسة التي يصل استهلاكها الى 1000 كليووات (وهو ما نضطر إليه أغلب الأسر المصرية فى فترة الصيف) فقد وصل سعر الكيلووات الواحد فيها إلى 95 قرشاً، أي عملياً جنيهاً، مع الأخذ بعين الإعتبار رسوم مقابل جمع النظافة المقرّرة على كافة الفواتير. ما يعني أن متوسط الزيادات خلال سبعة أعوام يصل الى  250  في المئة، أيّ أن حجم ما يتمّ تحصيله خلال العام الواحد لا يقل عن 4 مليار جنيه.
 

 ما تقوله الأرقام على الأرض هو أنّ متوسط فاتورة المياه التي كانت تدفعها أسرة مصرية متوسطة الدخل والاستهلاك قبل خمسة أعوام كان 15 إلى 20 جنيهاً. أما اليوم فقد زادت بما يقارب الـ 85 في المئة


عمليّة متابعة الفواتير من داخل البيوت المصرية ستُمكّننا من تحويل هذه الأرقام إلى واقع ملموس يحكي المعاناة. قُمنا بمقارنة فاتورتين لمنزل واحد في حي العمرانيّة في الجيزة، واحدة تعود لشهر تشرين الأول/أكتوبر من العام 2012  والثانية تعود لشهر أيّار/ مايو الماضي. في فاتورة العام 2012  تمّ استهلاك 330 كيلوواتاً، ما أستوجب دفع 45 جنيهاً، لأن تعرفة الشريحة الثالثة مٌضاف إليها ثلاثة جنيهات نظافة. أمّا في الفاتورة الأخيرة، فقد دخل المنزل ميدان الشريحة الرابعة، التي تزيد عن 650 كيلوواتاً، فكانت الفاتورة 122 جنيهاً. علماً أنّ إجمالي دخل ربّ الأسرة (عائلة مكوّنة من 4 أفراد) لا يزيد عن 900 جنيه.


فواتير الغاز.. زيادات فى الطريق


قبل سبع سنوات من الآن، كانت فواتير الغاز الطبيعي للمنازل تتراوح ما بين 6 و36 جنيهاً. وكانت التعرفة الرسمية حينها 10 قروش لكل متر مكعّب للثلاثين متراً الأولى، 20 قرشاً للثلاثين متراً الثانية و30 قرشاً للثلاثين متراً الثالثة.
طبعاً لم يبقَ الأمر على حاله اليوم، فبناءً على القفزات العالية في أسعار الوقود (والتي من المتوقّع أن تشهد موجة ارتفاع أخرى في شهر كانون الثاني/يناير القادم) زادت أسعار الشرائح بنسب تراوحت بين 12.5 إلى 33 في المئة، حيث نجد أن الشريحة الثالثة (التي يقع في نطاقها استهلاك أغلب المصريين وهي 60 متر مكعب)، ارتفعت أسعارها ممّا يعادل 15-20 جنيهاً إلى 20-30 جنيهاً في الشهر.
وفي ما يخصّ الغاز الطبيعي، يشكو المواطن المصريمن تكلفة أخرى تأتيه من خارج نطاق الفواتير المباشر. قبل أربع سنوات، كانت كلفة توصيل الغاز تتراوح ما بين 1800 و3440 جنيه، أمّا اليوم فوصلت إلى 6 آلاف جنيه! أمّا أنابيب  البوتاجاز ـ وهو وسيلة استهلاك غالبية الأسر المصرية البسيطة ـ فأسعارها تدفع فوراً وليس عبر الفواتير وأزمة ارتفاعها كبيرة.


فاتورة المياه من دون دعم


في العام 2012، أعلن وزير المرافق العامّة حينها أن مرفق المياه بدأ يعاني بشدّة من القدرة على استمرار الخدمة، وذلك مع تأخّر الدولة عن تخصيص الاعتمادات المالية الكافية له. وأشار آنذاك إلى أن المتر المكعب الواحد من المياه الذى يحصل عليه المواطن بـ50 قرشاً، يكلف الدولة 2 جنيه، وهي تدعمه بـ750 مليون جنيه سنويّاً. وأضاف حينها أن هذه التكلفة يجب أن يتمّ سدادها، فإما أن تتحملها الحكومة كاملةً أو أن تتم زيادة التعريفة على المواطن.
ما تقوله الأرقام على الأرض هو أنّ متوسط فاتورة المياه التي كانت تدفعها أسرة مصرية متوسطة الدخل والاستهلاك قبل خمسة أعوام هو 15 إلى 20 جنيهاً. أما اليوم فقد زادت بما يقارب الـ 85 في المئة.
كانت التسعيرة السارية آنذاك وحتى بداية العام الماضي: جنيه ونص للعشرين متراً الأولى، وبعد ذلك يُصبح المتر بثلاثة جنيهات. لكن مؤخراً جرى تقسيم الإستهلاك إلى خمسة شرائح، جاءت كالتالي:
الأولى من صفر حتى عشرة أمتار.
الثانية حتى 20 متراً، فتزيد قيمة التحصيل 20 في المئة.
الثالثة حتى 30 متراً، فتزيد قيمة التحصيل 30 في المئة.
الرابعة حتى 40 متراً، فتزيد قيمة التحصيل 40 في المئة.
أمّا الخامسة (أكثر من 40 متراً) فتزيد قيمة التحصيل 50 في المئة.
ووفقاً لإحصاءات الجهاز التنظيمي وحماية المستهلك في الوزارة، فإن أغلب الأسر المصرية تندرج تحت الشريحة الثالثة، ما عدا في محافظتى القاهرة والإسكندرية.


كيف تُلامس خطّ الفقر؟


تصبح الأرقام السابقة جميعها من دون قيمة إذا ما قورنت بحجم العجز المسجّل بالموازنة المالية العامة في مصر عاماً بعد عام، ولكنها تعني الكثير حين مُقارنتها بقيمة الدخل في مصر للشريحة الأوسع من الأسر المصرية، وحجم الزيادة السنوية في هذا الدخل.
ووفقاً لإحصاءات رسميّة، فإن حجم الأسر التي تعيش تحت خط الفقر في مصر (وفق التعريف العالمي له: دولار ونصف يومياً) هو 30 مليون مصري. بينما الطبقة الوسطى آخذة فى التآكل بلا توقف.
وكانت الحكومة المصرية قد أعلنت مؤخراً عن زيادة مخصّصات الدعم المباشر للأسر الأكثر احتياجاً، بقيمة 85 مليار جنيه، ما يعني أن حصة كل أسرة (حسب خبراء اقتصاديين) 175 جنيه شهرياّ. فماذا ستمثل تلك الجنيهات فى مواجهة موجة ارتفاع الفواتير؟ هذا علاوة على حرب أسعار المواد الاستهلاكية المشتعلة في الأسواق!