بدا لي وانا اتابع مقطع فيديو لنساء يهربن من ركام الموصل القديمة ــ حيث تدور المواجهات الاعنف منذ 2014 ــ ان السؤال الذي يكرره عليهن من يقوم بالتصوير ملغوم: "لماذا تخرج النساء فقط؟ اين ذهب الرجال؟". احداهن اجابت بتردد بان الرجال مروا في وقت سابق. في الغالب وجد من تابعوا مثلي، إجابة اكثر منطقية لم يقلها أحد: أنهن زوجات مقاتلي داعش ممن قُتلوا أو ما زالوا يقاتلون على ضفة النهر.
بعد ثلاثة أعوام من فرض سلطة داعش على المدينة، بات واضحاً أن هناك من أهل الموصل من تماهى مع التنظيم. زيجات أثمرت اطفالاً هي الصورة الاكثر دقة لتغلغل داعش في احشاء المجتمع الموصلي.  الحالات المرصودة والمؤكدة قليلة قياساً لعدد السكان الكبير، لأن الزواج هو المجال الاصعب لانتشار التنظيم إجتماعيا بسبب تحفظات شديدة للمجتمع العراقي في هذا المجال. لكن التنظيم نجح في اختراق مجالات أقل صعوبة، مثل التجارة والملكيات الخاصة والتحالفات القبلية الراسخة، وانتشر من خلالها في جسد الموصل.


وجود حاكم عسكري يلغي بالضرورة دور الحكومة المحلية لمحافظة نينوى، وهو ما يعني للجميع تعطيلاً للسياسة فيها الى اجل غير محدد


من جهة

اخرى، تبدو على خصوم داعش في محيط الموصل رغبة بالثأر لا يمكن تحديد مدتها أو نهاياتها. في تقرير نقلته صحيفة دايلي ميل عن موقع سويدي تمّ اعداده جنوب الموصل، يظهر رجل سني من أهالي ناحية "الشورة" يقود اللواء التسعين في الحشد الشعبي، يعرف بـ "ذبّاح الدواعش"، وأسمه الحقيقي فلاح عزيز، وهو قام بقطع رؤوس ما يقارب الخمسين من مقاتلي التنظيم خلال ثلاثة اعوام من القتال. يبرر عزيز موقفه لمراسلة الموقع السويدي عبر شرح ما مرت به عائلته في عام 2015: والد ذبّاح الدواعش هو عزيز الجبوري، قائد "صحوة" جنوب الموصل، وقد أعدم التنظيم أربعة من أبنائه ضمن موجة تصفيات طالت ضباط الجيش والشرطة السابقين والمرشحين للانتخابات بشكل عام. التهديد والوعيد بالقصاص من كل من التحق بداعش أو بطرد وتشريد عائلته أمر جرى تنفيذه بالتزامن مع معركة تحرير الموصل وسيستمر اذا تطابقت تجربة الموصل مع تجربة الرمادي والفلوجة .
اصاب الوهن بشدة البيئة المتمردة التي تعد حاضنة داعش. قام التنظيم بتصفية كل الفصائل المسلحة، بعثية كانت أو سواها. ونتيجة للعمليات العسكرية الكبيرة، فقد استنفذ التنظيم غالبية مقاتليه الاشداء، من تبقى منهم واستطاع الهرب والتخفي، سيحتاج وقتاً ليس بالقصير للتجمع والتخطيط والتنفيذ.
"الحازمية" مجموعة التحقت بداعش، مؤلفة من عراقيين وعرباً، وهم يفكرون بطريقة أكثر تطرفاً من داعش نفسه. ينتمون الى افكار رجل دين سعودي معتقل منذ عامين من قبل أجهزة الأمن السعودية اسمه "احمد بن عمر الحازمي". وعلى الرغم من ان داعش قام بجولات من التصفية لهذه المجموعة بالقتل والسجن، الا ان افكارهم التي تكفّر البغدادي مثلاً، تسربت الى جمهور التنظيم وباتت حدثاً يتم التناظر فيه. مصادر أمنية تشير الى ان هذه المجموعة ربما نجت بشكل أو بآخر وسيكون من الصعب التعرف على افرادها حالياً.
 

سيكون على الحكومة التفكير بشكل جدي وسريع في إعادة الحياة الموصلية الى وضعها السابق قبل احتلالها. وهذا يتعلق ببناء اكثر من 11 الف بيت تمّ هدمها في ستة أحياء غربي المدينة، بالإضافة الى عودة الطاقة الكهربائية والمياه والخدمات الاخرى، وكذلك التعليم ومؤسسات الصحة العامة..


بشكل غير معلن (وإنما يؤكده بعض السياسيين)، فقد إختارت الحكومة حاكماً عسكرياً للموصل، هو رياض جلال توفيق، الرتبة السنية الاعلى في الجيش العراقي. سيكون مسؤول المدينة التي لم تتضح حتى الآن أحجام الدمار فيها، حيث قالت الأمم المتحدة أن "النسبة فاقت كل التوقعات". وجود حاكم عسكري يلغي بالضرورة دور الحكومة المحلية لمحافظة نينوى، وهو ما يعني للجميع تعطيلاً للسياسة فيها الى اجل غير محدد.
لم تعد الموصل كما كانت قبل العاشر من حزيران/يوليه 2014. الامر اشبه بزلزال وصل الى قرارات النفوس، وهز كل القناعات والانتماءات. حتى اللحظة، لا يبدو أن نازحي المدينة الذين يقارب عددهم المليون، أي نصف عدد سكانها أصلاً، سيعودون في وقت قريب. وفي حال عادوا فسيكون عليهم عبور التدقيق الامني، وهو إجراء يشوبه فساد وابتزاز كبيرين.
غالبية المعالم الحضارية للمدينة تمّ نسفها، وأهمها منارة الجامع النوري المعروفة بالحدباء وقد كانت رمز المدينة على مدى عقود طويلة. كما ان كنائس ومساجد وأضرحة ومواقعاً للآثار لم يعد لها وجود، علاوة على الجامعة. وهو ما جعل بعض الموصليين يتحدثون عن ضياع الهوية وفقدان الصلة بالمدينة التي باتت بلا تاريخ ملموس. وعلى الرغم من كل ذلك، فان المجموعات الشبابية تتقد بالأمل، كما ظهر من الاستقبال الكبير لعدد من المحتفلين بكسر خطوط داعش في الموصل القديمة، والذين حين حضروا الى الموصل وجدوا موصليين بالمئات في استقبالهم.
سيكون على الحكومة التفكير بشكل جدي وسريع في إعادة الحياة الموصلية الى وضعها السابق قبل احتلالها. وهذا يتعلق ببناء اكثر من 11 الف بيت تمّ هدمها في ستة أحياء غربي المدينة، بالإضافة الى عودة الطاقة الكهربائية والمياه والخدمات الاخرى، وكذلك التعليم ومؤسسات الصحة العامة.. الواقع الاقتصادي للعراق، بديونه المتراكمة، لا يوحي بإمكان ذلك، والدعم الدولي والاقليمي مرتبط بخرائط سياسية بالغة التعقيد.. وهذا أمر لا يفهمه النازح في المخيمات!
في الحسابات السياسية، تعتبر الموصل ورقة السنّة الاكثر تأثيرا في أي نتيجة انتخابية، فهي المحافظة ذات الغالبية السنية الأكبر من ناحية عدد السكان والعمق التاريخي والحضاري. وفي ضوء مآلات تحرير المدينة، فمن الواضح ان الضاغط الدولي والاقليمي والذي يريد مشاركة سنية فاعلة في عراق ما بعد داعش لن يقبل بإجراء انتخابات في مدينة هدم ثلثيها وتهجر سكانها. غالبية الساسة يتحدثون عن تأجيل الانتخابات النيابية التي يفترض ان تقام في العام القادم. ولكن عدم إجراء هذه الانتخابات سيعني فراغاً دستورياً واشكاليات سياسية لا يمكن التكهن بمدى تأثيرها السلبي على الواقع العراقي اليوم.