لكأنّ دعوة أجدادنا السبئيين تأجلت حيناً من الدهر، وقد حان اليوم حينها.
لكأن "فقالوا ربنا باعِد بين أسفَارِنا" (سورة سبإ، الآية 19) قد استهدفتني شخصياً. من يُجبر كل هذا الضرر في هذا السبئي العالق دائماً بين الرمل والريح؟ أنا الـ"مواطن بلا وطن" كما قال عنّي البردوني (قدّس الله شعره).
قدمٌ تقف على أطراف أصابعها، على أرض تميد ورخوة، وأخرى مشرعة في مهب العاصفة، أرسم إحداثياتها على رمل المجهول في الربع الخالي الفسيح.
لقد تقلص اليمن الكبير إلى ما هو أقلّ من موطئ قدم. في المقابل تناءى في داخله، بين أبنائه، إلى ما هو أبعد من حلم في عطارد.
سافرتُ من صنعاء إلى الحديدة ، فراراً من الحرب التي هشمت "قمريات البيت وانغرز زجاجها الملون في وسائد غرفة البيت وعلبة السكر". كنت مع ركاب آخرين فارّين، ولقد لقينا من سفرنا هذا نصيباً. تشبه الطريق من صنعاء إلى الحُديدة أمعاء بغل أو جمل، وفقاً للزميل محمود ياسين في كتابه "مدنٌ لا يعرفها العابرون". طريق التوائية على مدى 226 كيلو متراً، في زمن السلم هي أكثر طريق يتقيأ فيها المسافرون.
في الحرب وخلال رحلة الفرار، بدت لي هذه الطريق كأمعاء ديناصور، بطول خط الاستواء . كانت هذه الطريق تستغرق خمس ساعات كحدّ أقصى ولألفي ريال، أمّا اليوم فصارت تحتاج لعشرين ساعة ولمبلغ مضاعف أجرة ال"بيجو" أو الباص.
تستوقفك عشرات النقاط الأمنية على امتداد أمعاء الديناصور، تسألك عن كل شئ حتّى اسم الزوجة وفصيلة الدم لتصل حدّ تفتيش سروالك الداخلي وعلبة الدخّان.
هنا مسلحون مدججون بكل شيء، ما عدا الطيبة. صغار: قاماتهم أقل بنصف متر من بنادقهم. كبار: ملثمون ولا يتكلمون إلا لماماً، فأفواههم مكتظة بالقات والبردقان الأصفر.
البنادق هنا هي فقط من يتحدث إليك بطلاقة.
كونك يمنياً في زمن المليشيات السائبة والنقاط الأمنية التي تتربص بك على امتداد الطريق، فأنت متهم جاهز. في الحلّ والترحال أنت مطلوب للعدالة، بشكل أو بآخر. تطاردك دعوة جدّك السبئي القديم، الموثّقة في القرآن الكريم، وتنتظرك بنادق مزيَّتة بالكراهية ونظرات الإرتياب، تلك النظرات التي ترمقك شزراً من وراء الأيديولوجيات المحنطة.  
مرّ عامان على عاصفة الحزم. عامان اعتكفتُ خلالهما في قريتي البعيدة، خائفاً أترقب كأيّ صحافي يمني لم يتمكن من الفرار إلى خارج البلد، فوضعته الأقدار في اليمن المنفى ضمن خيارات الموت المؤجل والبارود النائم في الأعيرة اليقظة.
تقول حكومة الشرعيّة - لا أقول الحكومة الشرعية - أن 80 في المئة من الأراضي اليمنية تحت سيطرتها. أخذتْ هذه النسبة  في الارتفاع في تصريحات المسؤولين وربما ناهزت الـ 98 في المئة في أحدثها.
كان الإعلام اليمني، "الشرعاني" للغاية، يتحدّث عبر قنواته الشاردة في اسطنبول والرياض وعمّان وعواصم أخرى عن تحرير تعز إلا قليلاً، وعن اقتراب حلول الذكرى الثانية لتحرير عدن، التي تحررت (فضائياً)، أواخر تموز/ يوليو من العام 2015.
كنت أبحث عن وطن بحدّه الأدنى. وطن ليس أكبر من قدمي وليس أضيق من فردة حذائي. وإلى تعز ثم عدن أزمعتُ الرحيل. كانت تعز تتراءى لي بضوئها القليل المتوجس. وها هي الآن أقرب إليّ من شراك نعلي. نصف ساعة فقط، ربما أقلّ، مُضافاً إليها مائتي ريال وأصير في رحابها الوشيكة. كان الواقع يقول ما لم تقله لي رؤى العين وأثير الفضائيات المنفية.
أنا النازح الفقير إلى موطئ قدم في وطن وجيز عليّ أن أخسر عشرة آلاف ريال وسبع ساعات لأدخل إلى تعز كفاتح من يمن بعيد. المسافة من تعز إلى عدن لا تزيد عن 158 كيلومتراً.
ها هي عدن نصب عيني. ها هي الآن أو بعد قليل. ها أنا أقف عند مدخلها من مصنع الحديد، بانتظار تأشيرة الدخول.
عبرت مئات النقاط  للمليشيات الحوثية، وعشر نقاط أخرى (تزيد أو تقلّ) للمقاومة الجنوبية أو حراكه. لست متأكداً. سلك بنا السائق طرقاً جبلية ووديان شاسعة. هذه عدن وهذا باب من أبوابها سأدخله.
دخل الجنوبيون ببطاقات الهوية ودخل سائقنا الجنوبي أيضاً بعد أن ألقى بركاب الباص "الشماليين" على قارعة الطريق، بين النقطة والمصنع.
عليّ أن أنام على رمل العراء مع مئات العالقين القادمين من الشمال لثلاث ليالٍ، ريثما تنتهي تداعيات أزمة تعيين محافظ جديد لعدن. بعدها أدخل عدن من حيث سبقني إليها، بثلاثة أيام، لاجىء صومالي.