ثار عدد من المثقفين والكتاب الجزائريين على سلسلة من البرامج الترفيهية التي قدمتها خلال أيام شهر رمضان بعض القنوات التلفزيونية الجزائرية، منها  برنامج ''الكاميرا المخفية''. وقد نظم عدد من الكتاب والصحافيين الجزائريين مؤخراً وقفة تضامنية مع الروائي الجزائري المعروف رشيد بوجدرة الذي نزل ضيفاً على برنامج تلفزيوني في تلك القناة ("النهار") عنوانه ''رانا حكمْناك'' (أي أمسكنا بك)، وانتفض غاضباً بوجه منشطي ومنتجي البرنامج بعد أن طُلِب منه التلفظ بالشهادة لثلاث مرات، ليخرج الأمر عن التحكم بانفعال الروائي ومغادرته في حالة غضب شديد.

وقد تفاعل قطاع واسع من المثقفين والكتاب الجزائريين مع الروائي الذي خرج للشارع منظماً احتجاجاً بقرب مقر سلطة الضبط السمعي البصري يرافقه العشرات من الكتاب والصحافيين الجزائريين الذين التفوا حول الرجل مطالبين بإعادة الاعتبار لشخصه ولرمزية المثقف الجزائري الذي لا يحظى أصلاً بالحضور الكافي في وسائل الإعلام الجزائرية، وخاصة منها القنوات التلفزيونية الجديدة التي يبدو أن تأطير نشاطها الإعلامي في الجزائر لم يعد ممكناً بسبب تأخر بعض التشريعات القانونية والصلاحيات المحدودة وغير الواضحة لسلطة الضبط السمعي البصري التي يرى البعض من الكتاب والإعلاميين أنها هيكل دون روح.
المعروف عن الروائي رشيد

بوجدرة أنه يساري. من هنا حاول مقدمو البرنامج التلفزيوني ''رانا حكمناك'' الربط بين فكرة الشيوعية والإلحاد لإضحاك الجزائريين الذين يشاهد الكثير منهم البرنامج التلفزيوني بعد الإفطار. ففيما كان الضيف يستعد ليجيب على أسئلة عن الشأن الثقافي والأدبي، تفاجأ ب"مقلب"، وهو دخول شابين يمثلان دور الشرطة طالبين منه تقديم وثائق ثبوتية قبل أن ينسبا له تهمة ''الإلحاد والتخابر مع دول أجنبية''.
حاول رشيد بوجدرة التحكم بأعصابه ولملمة توتره إلى أن ارتفع صوت مخاطبيه يطلبون منه التلفظ بالشهادة، ورد عليهم بقوله ''أنا مسلم ونصف"، ليتغير في دقائق وجه الرجل صاحب رواية ''الحلزون العنيد'' وينهض من المقعد الذي كان يجلس عليه صارخاً في وجه مخاطبيه ''قيلوني قيلوني..'' (بمعنى ''اتركوني اتركوني..'')، محاولاً صفع ممثل دور الشرطي المزيف. وقال لمنشطي البرنامج ''تريدون تحقيري''.
وما هي إلا ساعات حتى التهبت مواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر في تنديد واضح بما جرى للأديب الجزائري الشهير الذي تعاطف معه شقيق رئيس البلاد ومستشاره، السعيد بوتفليقة، الذي حضر الوقفة التضامنية التي نظمها رفقاء دربه وأصدقاءه وحضر مواطنون آخرون عبّروا عن استيائهم من الإهانة التي تعرض لها مثقف جزائري كبير ومعروف عالمياً.
 

مطالب بإعادة الاعتبار للمثقف الجزائري
 

قال بعض المثقفين الذي التفوا في وقفة تضامنية مع الروائي ضد ما ارتكب بحقه بعد عرض البرنامج أن العديد من القنوات التلفزيونية التي تبث برامج ترفيهية لا تعتمد على الاحترافية والمهنية، وقطاع واسع منها يمرر البرامج التلفزيونية بشكل عشوائي غير مفهوم وغير هادف، وعلى الرغم من أن إدارة القناة التي استضافت بوجدرة اعتذرت رسمياً عما حدث له، كما أن الاستياء العام الذي أبداه مثقفون وهم يخاطبون رئيس سلطة الضبط السمعي البصري بعد استقباله لهم، عكس حالة الغضب التي انتابت مثقفين وكتاب جزائريين معروفين في الساحة الثقافية من أداء بعض القنوات التلفزيونية في شهر رمضان التي أساءت للمثقف طارحة إياه في مضمون إعلامي ترفيهي لا يعبر عن ثقله ودوره في الحياة العامة.
[Media:7990]
وكتب عميد كلية الإعلام والاتصال في جامعة الجزائر أحمد حمادي على صفحته الرسمية على فيسبوك: "الاعتداء الذي كان ضحيته الروائي رشيد بوجدرة من قبل "قناة النهار" هو عدوان على عدة أطراف، فهو عدوان على الثقافة بتقزيم أحد الكتاب وإهانته، وعلى الأمن باستعمال ما يرمز للشرطة في أمور خسيسة، وعلى الإعلام لأنه اختراق لقانون الإعلام وقانون السمعي البصري". وأضاف "على كل المثقفين ألا يكونوا من زمرة من يَهُن ويسهل الهوان عليه.. أذكر أنه قبل شهر كان رشيد بوجدرة ضيف اتحاد الكتاب الجزائريين، وهذا لم نسمع له صوتاً..''.
كما استنكر الروائي والمثقف الجزائري المعروف واسيني الأعرج ما حدث وشبهه بالبؤس الذي يتخبط فيه الإعلام الذي لا يعي كيف يتعامل مع مثقف وأديب يُهان تحت مسمّى بث حصة ترفيهية.
 

سلطات الضبط الإعلامي في الجزائر هياكل بلا روح
 

تتكاثر القنوات التلفزيونية الجزائرية الخاصة بطريقة عشوائية منذ ثلاث سنوات.  فأزيد من أربعين قناة تلفزيونية تبث بطرق مختلفة تفتقد لاعتمادات رسمية من وزارة الاتصال وليست لها مكاتب في الجزائر، وهي تصنف على أنها قنوات أجنبية على الرغم من أنها تقدم برامج تلفزيونية جزائرية. ويبدو أن تأخر وزارة الاتصال في معالجة وضعية القنوات الإدارية والقانونية، وتركها بعض الوقت لتمارس نشاطها الإعلامي دون تضييق ومراقبة، جعل القائمين على بعضها يستغلون الفراغ لتحويل القنوات إلى منابر لتصفية حسابات او لممارسة الابتذال.
 وقد سببت الفوضى في برمجة الحصص التلفزيونية، خاصة أن الجزائر ممتدة جغرافياً، مشاكل كثيرة للقائمين على إدارة هذه القنوات التلفزيونية، وجلهم من رجال الأعمال... وخاصة أن القنوات المتورطة في إثارة الفوضى الإعلامية لا تخصص مساحات أوسع للمثقفين والكتاب وتكتفي باستضافتهم في برامج ترفيهية تنتهي كما انتهت عليه حصة ''رانا حكمناك".